فهرس الكتاب

الصفحة 1180 من 2431

الأذى

أولًا: المعنى اللغوي:

الأذى: كل ما تأذيت به، ورجل أذيٌ، أي: شديد التأذي، وآذى الرجل فعل الأذى، والأذي كغني؛ الشديد التأذي، ومصدره؛ أذىً، وكذلك أذاةً، وأذيةً 1.

و «منه الأذى؛ وهو الموج المؤذي لركاب البحر» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: «الأذى ما يصل إلى الحيوان من الضرر؛ إما في نفسه، أو جسمه، أو تبعاته؛ دنيويًا كان أو أخرويًا» 3.

وذكر المناوي قريبًا من ذلك؛ فقال في التوقيف: «الأذى ما يصل إلى الحيوان من ضرر، أو مكروه في نفسه، أو بدنه، أو فئته؛ دنيويًا أو أخرويًا» 4.

وعرفه الدكتور أحمد مختار في المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن وقراءته؛ بأنه الضرر 5.

ويظهر من تعريف الأصفهاني والمناوي أنهما قصراه على الحيوان، ولعلهما يقصدان بالحيوان كل ما كان حيًا؛ وخاصة الإنسان، في حين أن الآيات التي ذكرت الأذى، تحدثت عن الأذى الذي يقع على الإنسان، وعليه فإن الأذى هو الضرر الذي يلحق بالإنسان في نفسه، أو جسمه، أو تبعاته.

فالعلاقة بين المعنيين للفظ: أنه خص في الاصطلاح بالضرر الذي يقع على الإنسان أو الحيوان، بخلاف المعنى اللغوي فإنه يعم كل ضرر.

وردت مادة (أذي) في القرآن الكريم (24) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) } [الأحزاب:69]

الفعل المضارع ... 9 ... {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) } [التوبة:61]

فعل الأمر ... 4 ... {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء:16]

المصدر ... 9 ... {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة:222]

وجاء الأذى في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: ما يصل إلى الإنسان من الضرر 7.

السوء:

السوء لغةً:

الشر والفساد وكل آفة، قال الكفوي في معناه: السوء جرى مجرى الشر، ويحمل معنى الشدة والذنب والضر والفقر والزنا والشرك والهزيمة 8.

السوء اصطلاحًا:

«كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية، والأخروية، ومن الأحوال النفسية، والبدنية، والخارجة، من فوات مال، وجاه، وفقد حميم» 9.

الصلة بين السوء والأذى:

السوء نوع من أنواع الأذى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان.

المصيبة:

المصيبة لغةً:

تعني النائبة وكل أمر مكروه 10،وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة 11.

المصيبة اصطلاحًا:

هي البلية وكل أمر مكروه 12.

الصلة بين المصيبة والأذى:

أن المصيبة لا تكون إلا ضراء، والضر قد يلحق الإنسان الأذى أو لا يلحقه.

الضرر:

الضرر لغة:

ضد النفع من ضر يضر ضرًا، وهو سوء الحال 13.

الضرر اصطلاحًا:

«كل ما كان من سوء حال وفقر أو شدة» 14.

الصلة بين الضرر والأذى:

لا يلزم من الأذية الضرر؛ فالإنسان يتأذى بسماع القبيح أو مشاهدته، ولكنه قد لا يتضرر بذلك، ويتأذى بالرائحة الكريهة كالبصل والثوم ولا يتضرر بذلك 15.

بيَن سبحانه في كتابه العزيز الهدف من هذه الحياة، والحكمة من تقدير الموت والحياة، فقال عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .

ولن يكون ابتلاء وامتحان دون معاناة، فكانت الحياة البشرية شاقة كما أخبر سبحانه في قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) } [البلد:4] .

فيعيش الإنسان في «مشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة» 16، التي يصدق على كثير منها مسمى الأذى، الذي يعود بعضه إلى طبيعة الإنسان، ويحدث بعضه الآخر تحت ظروف صحية، أو نتيجة لسلوك معين يصدر من الإنسان نفسه.

أولًا: الأذى الطبيعي:

الأذى الطبيعي: هو ما كان من طبيعة الأشياء، ومن لوازمها، ومثاله: ما نراه من طبيعة البشر، حيث خلق الله الإنسان، وجعل منه الذكر والأنثى، وجعل من طبيعة الأنثى؛ وبما يتوافق مع دورها في الحياة، أن يأتيها الحيض في فترات محددة، «فالحيض خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن» 17.

وهو أذى كما أخبر القرآن في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) } [البقرة:222] ؛ فهو أي: الحيض من «دواعي الصفات البشرية، والحاجات الإنسانية» 18، ولأنه أذىً وقذر؛ وجدنا أن النفس السوية تتحاشاه، بل كانت الأمم السابقة تغالي في الأمر؛ فلا تخالط الحائض، وتبعدها؛ فعن أنس رضي الله عنه (أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت ... ) 19.

فجاء الإسلام ليهذب هذا الأمر الطبعي، فحيث إنه من طبيعة الأشياء فإن خالق الأشياء «أراد أن تكون عملية الحيض في المرأة عملية كيماوية ضرورية لحياتها، وحياة الإنجاب، وأمر الرجال أن يعتزلوا النساء وهن حوائض» 20.

فبيَن بذلك كيفية التعامل المتزن مع هذا الأمر الطبيعي، الذي هو في حقيقته أذى للزوج والزوجة، وعقب سبحانه بتأكيد محبته للتائبين وللمتطهرين، فجمع بذلك بين طهارة الباطن، وطهارة الظاهر، لترسم الآيات منهجًا تربويًا في تهذيب النفوس وتقويم السلوك.

ثانيًا: الأذى المرضي:

الأذى المرضي: والحديث هنا عن الأذى الذي يصيب الإنسان نتيجة مرض طارئ؛ فيسبب له الألم، والمعاناة، ومن هنا فهذا الأذى طارئ، يصيب الجميع الصالح والسيء، الصغير والكبير، الرجل والمرأة، الغني والفقير، إذا توافرت مسببات المرض، من إهمال بالنظافة، أو استهتار بطرق الوقاية من الأمراض، أو غير ذلك من أسباب قد تكون خارجة عن إرادة الإنسان، وتحدث القرآن عن جانب من هذا الأذى الذي قد يحدث أثناء أداء عبادة الحج، وذلك في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] .

«والمراد بالأذى من الرأس ما فيه من قمل أو جراح ونحو ذلك» 21، فالآية بينت فيما بينت بعضًا من محظورات الإحرام، ومنها حلق الرأس، «وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه، ولكن يكون عليه فدية» 22، على تفصيل في ذلك، فالأذى الذي يصيب الإنسان من هذا الباب هو من الأذى المرضي.

ثالثًا: الأذى المشروع:

الأذى المشروع: يقع الإنسان تحت طائلة المسائلة نتيجة تصرفاته الخاطئة، وحسب حجم الخطأ الذي ارتكبه يتلقى عقابًا مكافئًا، وهو وسيلة تأديبية أباح الإسلام اللجوء إليها؛ لتقويم سلوك معوج، ومن المؤكد أنها تسبب أذى للإنسان، ولكنه أذى مشروع؛ لأنه من باب التأديب، ومع ذلك فالأمر ليس على إطلاقه، إنما يتم وفق ضوابط شرعية؛ ومن الأمثلة على الأذى المشروع قوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) } [النساء:16] .

حيث بينت الآية أن من يرتكب فاحشة الزنى؛ «يؤذى بالشتم والتعيير والضرب بالنعال، فكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد والرجم» 23.

فهذا سلوك خاطئ أباح الشرع إيذاء صاحبه تأديبًا له، وزجرًا، «فالأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر» 24، وكل أذىً يتعرض له الإنسان -تأديبًا وعقوبة وفق الضوابط الشرعية-هو من الأذى الشرعي.

رابعًا: الأذى غير المشروع:

الأذى غير المشروع: هو الأذى الذي يصيب الإنسان دون وجه حق، ولا يقره الإسلام؛ ولهذا اعتبر غير مشروع، فقد يتعرض الشخص للأذى من قبل أقرانه، أو منافسيه، أو خصومه، وقد يناله الأذى بسبب مواقفه، ومبادئه، وكل هذا أذىً غير مشروع، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195] فهؤلاء المهاجرون كل جريرتهم أنهم آمنوا بالله وحده؛ فتعرضوا «للأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله، وعملهم بما شرعه لعباده» 25، ومثلهم عبر التاريخ الإنساني كثير؛ تعرضوا للأذى والاضطهاد بسبب مواقفهم الإيمانية، ومبادئهم النبيلة.

ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264] فترى المنفق يعتد على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأوجب عليه حقًا له، ويتطاول عليه بسبب ما أعطاه 26؛ مما يسبب له الأذى، فالمتصدق وإن كان قدم مساعدة لغيره؛ إلا أنه بمنه، وتطاوله في الكلام سبب أذىً لصاحبه، وهو أذى غير مشروع؛ بدليل التحذير الإلهي ببيان أن ذلك السلوك يضيع، ويبطل أجر الصدقة.

وخلاصة القول أن مثل هذا النوع من الأذى؛ الواقع على الإنسان -كما في المثالين المذكورين- يعد من الأذى غير المشروع، الذي توعد الله فاعله بالعقاب.

إن الأذى الذي يتعرض له المكلف، أو يصدر منه في حق الآخرين؛ ينعكس على عبادته، فينقلها حينًا من العزيمة إلى الرخصة، ويحولها في حين آخر من الصحة إلى البطلان.

ومن الآثار المترتبة على الأذى ما يأتي:

أولًا: التخفيف والتيسير:

يترتب من وقوع الأذى على المكلف؛ التخفيف والتيسير في العبادة، فمثلًا: «يحرم على المتلبس بالإحرام أن يزيل شعر رأسه بالحلق، أو القص أو غيرهما» 27.

لكن إذا أصابه أذىً في رأسه من قمل أو غيره؛ جاز له أن يحلق أو يقصر، فترتب التخفيف والتيسير بسبب الأذى، وقد جاء بيان ذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] .

و يؤكد هذا الفهم ما جاء في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعلك آذاك هوامك) 28، قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة) 29.

فكان التخفيف والتيسير بسبب العذر، وهو الأذى الذي أصاب الصحابي رضي الله عنه.

ثانيًا: بطلان العمل:

يترتب على الأذى غير المشروع؛ إذا وقع من المكلف، بطلان عمله، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264] .

فحذرت الآية المؤمن المتصدق من المن وهو «أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه» 30، وكذلك حذرت من الأذى، والمقصود به هنا «أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم إليه» 31.

وقد سبق بيان الفرق بينهما حيث إن الأذى أعم من المن؛ لأن المن جزء من الأذى؛ لكنه نص عليه لكثرة وقوعه.

وبينت الآية أنه يؤدي إلى بطلان أجر الصدقة، تمامًا كذلك المنافق الذي ينفق ماله رياءً، وسمعةً؛ فلا أجر له.

والرياء هو «القول أو الفعل الذي لا يقصد معه الإخلاص، وإنما يقصد به التظاهر وحب الثناء» 32، والعلاقة بينها أن النتيجة واحدة وهي بطلان العمل، «فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة؛ فتبطل الصدقة؛ كما يكشف الوابل عن الصفوان، وهو الحجر الكبير الأملس» 33.

ولقد بينت السنة فداحة هذا الفعل من المن، وما يترتب عليه من أذى، فكان العقاب أن الله يعرض عنهم ولا يكلمهم يوم القيامة.

كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) . قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبوذر رضي الله عنه: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: (المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) 34.

إن الأذى في سبيل الله سنة إلهية ثابتة مع الأنبياء وأتباعهم ليمحص إيمانهم، ويزيد في درجاتهم، ولا بد من مواجهة الأذى سواء بالصبر أو التوكل والاحتساب، أو بالإعراض عن سفاهة المؤذين، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: الأذى في سبيل الله سنة إلهية:

من اللحظة الأولى التي بعث فيها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اتضحت أبعاد هذه الرسالة، ولقد صرح ورقة بن نوفل بذلك وهو يقول: (يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم، قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) 35.

فهي إذن سنة ثابتة فطن لها ورقة بن نوفل، وأدركها الرسول صلى الله عليه وسلم.

وتتابعت الآيات بعد ذلك تؤكد عظم هذه الأمانة، وتبعاتها الثقيلة فقال سبحانه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) } [المزمل:5] .

كما بينت وجود المستهزئين، والحماية الإلهية منهم، فقال سبحانه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) } [الحجر:94 - 95] .

ووجه النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام إلى هذا الفهم؛ فلقد روى البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة؛ قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل في من قبلكم؛ يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب؛ وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت؛ لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) 36.

فهذه النصوص وأمثالها تؤكد أن تعرض مسيرة الصالحين للأذى سنة إلهية، فمهمتهم ثقيلة والمستهزئون كثر، والمتتبع لمواقف الأذى في سبيل الله -الواردة في القرآن- يدرك ذلك، حيث يقرر المولى عز وجل هذه السنة التي لا تتبدل ولا تتغير، فيقول سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران:186] .

فالآية تؤكد أن وقوع الأذى حتمي، وتستعرض أصنافًا منه «كالبلاء في الأنفس؛ مثل: القتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال؛ كالإنفاق في سبيل الخير، وما يقع فيها من الآفات، وكذلك ما يسمعون من أهل الكتاب من المطاعن في الدين الحنيف، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن» 37، كما وضحت الأطراف التي يقع منها الأذى، سواء من المشركين، أو أهل الكتاب، وكيفية مواجهته.

وفي موضع ثانٍ تبين الآيات كذلك؛ أن تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة؛ حيث يقول سبحانه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) } [الأنعام:34] .

«وهذا تسلية من الله تعالى ذكره؛ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه؛ على ما جاءهم به من الحق من عند الله» 38.

فأكد لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد كذبت رسلٌ من قبله أرسلهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا على تكذيب قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه، حتى حكم الله بينهم وبينهم 39.

وفي موضع آخر تؤكد الآيات تعرض الرسل للأذى على يد أقوامهم، فقال سبحانه: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} [إبراهيم:12] .

وفي بيان إصرار هؤلاء الأقوام على محاربة رسلهم قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم:13] .

فهذه أنواع من الأذى الذي تعرض له الرسل عبر مسيرة الدعوة إلى الله فبين سبحانه «أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي» 40، وهذا ما فصلته الآيات في مواضع أخرى، فقوم شعيب عليه السلام هددوه بالطرد، وأخبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88] .

والموقف ذاته مع لوط عليه السلام كما أخبر سبحانه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) } [النمل:56] .

وتكرر الموقف نفسه من كفار قريش فوصفت الآيات ذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) } [الإسراء:76] .

وذكرت به تارة أخرى في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } [الأنفال:30] .

وموسى عليه السلام من قبل يتهم ويشهر به في محاولة لتلويث سمعته؛ حتى يعجز عن تبليغ دعوة الله، وأشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:5] .

إن الأمثلة السابقة تبين بوضوح أن الأمم السالفة كذبت المرسلين، وأتباعهم، وتناولتهم بصنوف الأذى المختلفة، فهي سنة الله التي تتمثل في دعوة صادقة؛ تتعرض للأذى من المدعوين، ويقابل أصحابها ذلك بالصبر، والتقوى، والتوكل على الله؛ حتى تكتمل أركانها بالنصر الموعود منه سبحانه.

ثانيًا: أسباب الأذى في سبيل الله:

يمكن استعراض أسباب الأذى الذي يتعرض له الدعاة المصلحون فيما يلي:

قال الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) } [البروج:8] .

ولعله من أبرز الأسباب؛ حيث ينقم الطغاة دومًا من المؤمنين؛ بسبب إيمانهم بالله عز وجل، ومن هنا يتفننون في أساليب الأذى، التي قد تصل إلى حد الإبادة الجماعية، وحفر الخنادق للحرق والتنكيل، كما صورت ذلك سورة البروج؛ فبعد أن ذكرت فظائع المجرمين؛ بينت بوضوح سبب ذلك التنكيل في قوله سبحانه: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) } [البروج:8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت