فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 2431

لوط عليه السلام

لوط عليه السلام نبي من الأنبياء، الذين بعثهم الله عز وجل لهداية الناس وإصلاحهم، ولقد عاش في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام، وذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أن لوطا عليه السلام: ابن أخي إبراهيم عليه السلام آمن به وهاجر معه فكان غراسا طيبا لدعوة إبراهيم عليه السلام 1.

قال الله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) } [الأنبياء: 74] .

فبعد الحديث عن رعاية الله لنبيه إبراهيم عليه السلام ومنحه له جاء الحديث عن لوط عليه السلام وما وهبه الله من نعم وما حباه من رعاية، فقد آتاه آلة الحكم وهو الفصل بين الناس والتمييز بين الأمور والحكم عليها والعلم النافع الذي ينير لصاحبه ويرشده، فقد وهبه الله عقلا راجحا وفطرة نقية وبصيرةً نافذةً وميزانا قويما، وفي تنكير {حُكْمًا وَعِلْمًا} مع التنوين تعظيمٌ وتفخيمٌ لهذه المنحة الربانية، فهو ثمرةٌ طيبةٌ لدعوة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ونتاجٌ طيب لغرسه المبارك، ولا أدل على حكمته وعلمه من عيشه وسط أولئك الغوغاء الشذاذ ينهاهم ويزجرهم عن فسوقهم وتماجنهم ويعظهم فلا يجد آذانا صاغيةً.

وقد جاء الحديث عن لوط في شجرة الأنبياء الواردة في سورة الأنعام تلك الشجرة المباركة التي تمتد إلى أرومة واحدة قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) } [الأنعام: 84 - 90] .

فلقد هداهم الله واجتباهم وجعلهم ذرية طيبة بعضها من بعض، وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة، وجعلهم مصابيح هدى، تقتدي بها الإنسانية.

يظل الأنبياء عليهم السلام على الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها، يحفظهم ربهم ويهديهم ويتعهدهم بالرعاية والتربية، فهذا لوطٌ عليه السلام ينشأ في مجتمع يسوده الكفر ويعمه الضلال، لكن الله تعالى يعصمه ويحفظه، فينشأ على التوحيد، في كنف عمه إبراهيم عليه السلام، ويعاين الآية الكبرى حين ألقوا به عليه السلام في النار فنجاه الله تعالى وجعلها بردا وسلاما فيزداد إيمانا وتسليما.

قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) } [العنكبوت: 26] .

وقال تعالى في سياق الحديث عن إبراهيم: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) } [الأنبياء: 71] .

والآية الأولى تبين انقياده واستجابته لعمه عليه السلام، آمن له أي: انقاد واستجاب عن إيمان ويقين، كذلك تعني الآية أنه آمن بنبوته واستجاب لدعوته وصدق برسالته مع إيمانه الفطري بالله تعالى وحده لا شريك له، وفي الآية الثانية بيان لنعمة الله عليه إذ أنجاه إلى الأرض المباركة، كما آمن به فقد هاجر معه من العراق إلى أرض الشام المباركة، وهي بيت المقدس وما حوله، فهي بركة للعالمين بما فيها من كنوز وخيرات، وبما فيها من عيون وأنهار، وزروع وثمار، مع خصب تربتها، ونقاء هوائها، وطيب العيش فيها، وبما سطع فيها من أنوار النبوات، مباركة بمن عاش على ثراها ودفن في تربتها من الأنبياء والصالحين، مباركة بشعبها الحر الأبي الذي ضرب ولا يزال أروع الأمثلة في الصبر والثبات والتضحية والفداء، والتصدي والتحدي للطغاة المستبدين.

هاجر لوط عليه السلام مع عمه إبراهيم إلى الشام، وهى الأرض المباركة، وظل لوطٌ في صحبة عمه إبراهيم - عليهما السلام - حتى استقر به المقام في قرية سدوم بالأردن، حيث أرسله الله إلى أهل هذه القرية 2.

أولًا: دعوته لقومه:

أرسل الله تعالى لوطا عليه السلام إلى قرية سدوم وما حولها، وقد راعه ما هم عليه من شذوذ وانحراف وجهالة وإسراف، فدعاهم إلى الله تعالى، وبدأ بالعقيدة، ثم عرج إلى الأخلاق والآداب.

ولقد جاء الحديث عن رسالة لوط عليه السلام في مواضع متفرقة.

قال تعالى في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) } [الشعراء: 160 - 166] .

بدأت الآيات ببيان تكذيب قوم لوط عليه السلام للمرسلين، كذبوا لوطا عليه السلام كما كذبوا بمن سبقه من الرسل فالتكذيب فيهم متأصلٌ، وبعض المفسرين يكتفي بقوله هنا مراعاة للفاصلة وتلك إجابةٌ صائبةٌ لكنها ليست كافية، وأقول: إن من كفر برسول فقد كفر بسائر الرسل، لأنها دعوة واحدة ورسالة واحدة، وإن كثر حملتها من الأنبياء والرسل، ولقد كذبوا بدعوات الرسل التي بلغتهم قبل إرسال لوطٍ إليهم، وحين جاءهم لوطٌ بادروا إلى تكذيبه.

حثهم عليه السلام على تقوى الله عز وجل فهي سبيل كل خير والعصمة من كل شرٍ، وبين لهم أنه مرسل من عند الله عز وجل، أمين في دعوته.

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) } لوط من بلاد العراق وهم في بلاد الشام والأخوة هنا هي أخوة المصاهرة، أو أخوة المواطنة لأنه عاش فيهم وتزوج منهم.

حث لوطٌ على تقوى الله تعالى، بهذا الأسلوب الرائع الذي ينم عن حرصه على هدايتهم، وإشفاقه عليهم، وترفقه بهم، كلماتٌ تنسل من قلبٍ يذوب كمدا ويتفطر ألما على حال قومه.

{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أكد لهم رسالته وأمانته، فهو أمين في دعوته، أمين في نصحه.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} لخص دعوته في هذين الأصلين العظيمين تقوى الله تعالى بالخوف منه واجتناب محارمه وامتثال أوامره، وطاعة النبي فيما يدعوهم إليه من الخير والصلاح في دينهم ودنياهم.

{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) } لا أنتظر منكم أجرا على دعوتي، لأن أجري على من أرسلني وهو رب العالمين، وفي هذا إعلان التجرد والإخلاص في هذه الدعوة، فهذه المهمة الجليلة الثقيلة لم يتقاض عليها الأنبياء أجرا من البشر وإنما الأجر كله من الله الذي بعثهم.

{أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) } [الشعراء: 160 - 166] : يتركون نساء الدنيا كلها، ويضيقون على أنفسهم وقد وسع الله عليهم؛ ففي الحلال الطيب ما يسع الجميع، ودائرة الحلال واسعةٌ، بينما اختاروا طريق الغواية والشذوذ.

أنكر عليهم هذا الفعل القبيح وتلك العادة المستهجنة المخالفة للفطرة السليمة وللطبائع المستقيمة، تلك العادة التي شذوا بها عن سائر الخلق، وكانوا أول من فعلها، فتجاوزوا بذلك الحد في الفساد والإجرام والضلال والانحلال وسنوا سنة سيئةً قبحهم الله.

قال ابن كثير: «بعث الله لوطا عليه السلام إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى الله عز وجل ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها؛ فلم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم وهو إتيان الذكور دون الإناث وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم حتى صنع ذلك أهل سدوم - عليهم لعائن الله - قال الوليد بن عبد الملك - الخليفة الأموي، باني جامع دمشق: لولا أن الله عز وجل قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا» 3.

وفي سورة الأعراف: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) } [الأعراف: 80 - 81] .

أنكر عليهم إتيانهم لتلك الرذيلة المنكرة، التي لم يسبقهم إليها أحد والتي تدل على إسرافهم في الفساد وتماديهم في الفجور والانحلال، والتعبير بالفاحشة، لقبحها واستهجانها وكونها من أفحش الكبائر وأشنع الذنوب إذ هي خروجٌ عن الفطرة ومجافاةٌ للطبيعة وشذوذٌ وانحرافٌ، مع ما فيها من إفسادٍ وأضرار، ونعى عليهم كونهم أول من ابتدعها.

قال أبو حيان الأندلسي: «والفاحشة هنا: إتيان ذكران الآدميين في أدبارهم، ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ومركوزا في العقول فحشه أتى معرفا بالألف واللام 4، أو تكون (أل) فيه للجنس على سبيل المبالغة كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش» 5.

قال صاحب الظلال: «والإسراف الذي يدمغهم به لوط هو الإسراف في تجاوز منهج الله الممثل في الفطرة السوية، والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب. فهي مجرد {شَهْوَةً} شاذ، لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية. فإذا وجدت نفس لذتها في نقيض هذه السنة، فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري، قبل أن يكون فساد الأخلاق ولا فرق في الحقيقة؛ فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية، بلا انحراف ولا فساد. إن التكوين العضوي للأنثى - كالتكوين النفسي - هو الذي يحقق لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا الالتقاء، الذي لا يقصد به مجرد {شَهْوَةً} إنما هذه اللذة المصاحبة له رحمة من الله ونعمة، إذ يجعل القيام بتحقيق سنته ومشيئته في امتداد الحياة، مصحوبا بلذة تعادل مشقة التكليف! فأما التكوين العضوي للذكر - بالنسبة للذكر - فلا يمكن أن يحقق لذة للفطرة السليمة، بل إن شعور الاستقذار ليسبق، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة السليمة» 6.

وفى سورة النمل يقول عز وجل: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) } [النمل: 54 - 55] .

أنكر عليهم لوط عليه السلام فعلهم لتلك الفاحشة مع علمهم بقبحها وشناعتها {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) } أي: تعلمون بقبحها، تبصرون ذلك بعقولكم وبصائركم، بل وحواسكم، وقيل: {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} أي: يبصر بعضكم بعضا أي: ينظر إليه تلذذا واستمتاعا حيث كانوا يرتكبون الفاحشة في العلن، وقيل: {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} آثار العصاة المنتهكين للحرمات ممن قبلكم فاعتبروا بهم.

{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) } [النمل: 54 - 55] .

وصفهم بالجهل، والمقصود به هنا الجهل: ضد الحلم، وهو الطيش والسفه الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب هذا المنكر، دون إدراكٍ لأخطاره أو تحسبٍ لأضراره، كذلك الجهل المنافي للعلم؛ إذ لا يفعل هذه الموبقات إلا الجهال بخطرها وعاقبتها، أو نفي العلم عنهم وإن علموا بقبحها وسوء عاقبتها لأن علمهم لم ينفعهم ولم يدفعهم عن هذا الجرم، فأضحى لا قيمة له، فهو بمثابة الجهل.

وفي سورة العنكبوت يقول عز وجل: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 28 - 29] .

أنكر عليه السلام على قومه تلك الفعلة المنكرة القبيحة التي لم يسبقهم إليها أحد، وهذا مما يزيد في شناعتها وقبحها كونهم أول من قارفها، وأول من سنها، كما أنكر عليهم قطعهم للسبيل على السابلة والمسافرين وترويعهم وسلب أموالهم وسفك دمائهم، ومجاهرتهم بالمنكرات في المجالس والنوادي دون خجل أو وجل، ودعاهم عليه السلام إلى عبادة الله عز وجل، والامتثال لما أمر به واجتناب كل ما نهى عنه، وحذرهم من سخط الله تعالى، وأليم عقابه، فقابلوا تلك الدعوة الصادقة بالتكذيب والإعراض والسخرية والاضطهاد والعداء والإيذاء، والتهديد والوعيد.

وقال الإمام ابن كثير: «وكانوا مع ذلك - أي: مع إتيانهم الفاحشة - يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم - وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم - المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحيون من مجالسيهم، وربما وقعت منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ، ولا نصيحة من عاقل، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا» 7.

قال عبد الكريم الخطيب: «كانوا من الفجور وجفاف ماء الحياء من وجوههم، بحيث لا يجدون حرجا في أن يأتوا هذا المنكر علانية، وهم في مجتمعهم الذي يجتمعون فيه وهذا غاية ما يتردى فيه الإنسان، في طريق الانحدار إلى عالم الحيوان» 8.

وقد وصف قوم لوطٍ بأوصافٍ ذميمةٍ منها:

1.التكذيب.

قال تعالى في سورة الحج: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ?42?وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ?43 وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ? وَكُذِّبَ مُوسَى? فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ?44) [الحج: 42 - 44] .

وفي سورة الشعراء: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ) ، وفي سورة ص: (جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ(11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ? أُولَ?ئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) [ص: 12 - 14] .

وفي سورة القمر: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ?33?إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ? نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ?34?نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ?35?وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ?36?وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ?37?وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ?38?فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ?39?وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ?40?) [القمر: 33 - 40] .

كذبوا بنبي الله لوطٍ عليه السلام وصدوا عن دعوته وجاهروا بالمعاصي مستحلين لها، واجتمعت كلمتهم على إخراج لوطٍ وبناته لأنهم متطهرون، وكأن التطهر جرمٌ يعاقب صاحبه بالطرد والإبعاد، دون أن يلقوا بالًا بما عاينوه من آياتٍ وقرع مسامعهم من نذر، ولا عجب فهذا منطق أهل الكفر والضلال في كل زمان.

2.الإسراف.

قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ?80?إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ? بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ?81?) [الأعراف:80 - 81] .

«أي: متجاوزون لما حده الله متجرئون على محارمه» 9 وإسرافهم بإتيان تلك الفاحشة من مجاوزة الحد وإهدار الطاقات وتبديد الأوقات، وإذا كان الإسراف في المباح مذموم فما بالك بمن يسرف في الحرام! والتعبير باسم الفاعل؛ لبيان ملازمتهم للإسراف فهو طبعهم وحالهم لا ينفك عنهم.

3.الجهل.

قال تعالى: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ? بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [النمل: 55] .

قال الرازي رحمه الله: «تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها» 10.

وقال عبد الكريم الخطيب: «وانظر كيف تبلغ السفاهة بالقوم إنهم ليأتون الفاحشة في غير مبالاة، ولا ستر من حياء! يأتونها جهرة وفى صورة جماعية، دون أن يجد أحدهم حرجا أو استحياء! وهذا غاية التدلي والإسفاف في عالم الإنسان، إلى درجة لا ينزل إليها كثير من عالم الحيوان حيث تأبى على بعض الحيوان طبيعته أن يتصل بأنثاه على مرأى من بني جنسه! بله اتصاله بذكر! الأمر الذي لم تعرفه الكائنات الحية، إلا في هذا الصنف الرذل الخسيس من الناس!» 11.

والتعبير بالفعل المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، فالأيام والآيات لا تزيدهم إلا سفاهة وجهالة، وهم مصرون على جهلهم مقيمون عليه.

4.الفسق.

قال تعالى: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ?74?) [الأنبياء: 74] .

وقال تعالى: (إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى? أَهْلِ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [العنكبوت: 34] .

فتلك الفعلة القبيحة هي أشد ألوان الفسق، ففيها خروج عن الطاعة، خروجٌ عن الشريعة، خروجٌ على العرف المستقيم، تمردٌ على الفطرة فليس هناك أسوأ مما كانوا عليه، فقد أضيفوا إلى السوء إضافة تدل على ملازمة، ورجل السوء هو الذي يسوء ويفسد كل من يخالطه، ووصفوا بالفسق صفة ملازمة لهم لا تنفك عنهم، وأصل الفسق من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها التي تصونها وتحفظها، كذلك قوم لوط خرجوا عن منهج الله الذي يصونهم ويحميهم، وقد جلبوا الخزي والعار لأنفسهم واستوجبوا سخط الله وأليم عقابه

5.الفساد.

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت: 30] .

وأي إفساد أشد مما كانوا عليه من الكفر والفسوق، والتحلل والعري، وفساد الأمزجة وانتكاس الفطرة، وقطع السبيل، والخلل الاجتماعي، والانقلاب على الحق، وإخراج أهل الطهر، فساد روحي وفساد اجتماعي وفساد سياسي واقتصادي، فالفساد داء عضال يستشري في أبدانهم ومنتدياتهم ويلوث مجالسهم، صفةٌ من صفاتهم التي لا تنفك عنهم، والفساد باض وأفرخ فيهم وتغلغل في مجتمعاتهم وبيوتهم، وهم إلى جانب فسادهم مفسدون أشد الإفساد، يسعون جاهدين لإفساد كل ما حولهم، ولا يقع إفسادهم عند حدٍ.

وحين دعا لوطٌ ربه استحثه على الإجابة ببيان ما هم عليهم من إفسادٍ قال ابن عجيبة: «وصفهم بذلك؛ مبالغة استنزال العذاب، وإشعارًا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب» 12.

وقال ابن عادل: «ثم إن لوطًا لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله فقال: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (فإن الله لا يحب المفسدين) حتى ينجز النصر» 13.

6.العدوان.

قال تعالى: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ(164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ? بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166 ) ) [الشعراء: 164 - 166] .

فقد اعتدوا على حرمات الله وانتهكوا محارم الله وتجاوزوا الحد، واعتدوا على الغير، فإن من وضع الشهوة في غير موضعها عادٍ آثمٍ.

قال الله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5) إِلَّا عَلَى? أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى? وَرَاءَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) [المؤمنون: 5 - 7] .

7.السبق إلى السوء.

قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 80] .

وقال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 28] .

لقد حازوا قصب السبق لا في الخيرات ولا إلى المغفرة والرحمات، بل سبقوا في الفجور والشذوذ، فكانوا أول من ابتدع هذه الفاحشة التي انتشرت فيهم انتشار النار في الهشيم.

8.الإجرام.

قال تعالى في بيان ما حل بهم من عقاب: (ٹ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ?84?) [الأعراف: 84] .

وقال تعالى: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى? قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ?58?إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ?59?) [الحجر: 58 - 59] .

وأي جريمة أشد مما كانوا عليه من فاحشة، فوق أنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة والمسافرين ويتعرضون لهم بالأذى ويتحرشون بهم مع عزمهم على إخراج لوط وأهله المؤمنين الطاهرين من القرية بدون جريرة أو ذنب سوى أنهم مؤمنون طاهرون، ومن قبل هددوا لوطا عليه السلام بالرجم إن لم يكف عن دعوته.

9.الامتراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت