أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والراء في المضاعف أربعة أصولٍ: الصدق، وحكاية صوتٍ، وخلاف البحر، ونبتٌ.
أما الصدق، فكالقول: فلانٌ بارٌ في يمينه، أي صادقٌ فيها، وأما حكاية الصوت، فالبر الصوت بالغنم إذا سيقت، والبربرة صوت المعز، وأما خلاف البحر، فيقال: أبر الرجل، أي صار على البر، وأبحر الرجل، أي صار في البحر، وخرج إلى البرية أي ذهب إلى الصحراء، وأما النبت، فالبر هو الحنطة 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر العلماء عدة معانٍ للبر، منها: التقوى والجنة والخير والإسلام والإيمان 2، وقد عرفه أبو حيان الأندلسي بأنه: «الإتيان بما كلفه الإنسان من تكاليف الشرع، اعتقادًا وفعلًا وقولًا» 3، وعرفه الشوكاني بأنه: «اسمٌ جامعٌ للخير» 4، وعرفه أحمد المراغي بأنه: «الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتصاف البار بها وقيامه بعملها» 5.
وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن القول بأنه يمكن دمجها في تعريف واحد هو: البر اسم جامع لكل ما يرضي ربنا جل وعلا.
مما سبق يظهر ترابط وثيق بين المعنى اللغوي لكلمة البر الذي بمعنى الصدق والطاعة، وبين المعنى الاصطلاحي لها، ولكن المعنى اللغوي أعم من الاصطلاحي، فالمعنى اللغوي يشمل الصدق مع أيٍ كان وطاعته، أما المعنى الاصطلاحي فيقتصر على الصدق مع الله تعالى، وطاعته جل وعلا، وهذا يتفق مع مفهوم العبادة.
وردت مادة (بر) في القرآن الكريم (20) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 2 ... {وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا} [البقرة:224]
صفة مشبهة ... 9 ... {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور:28]
اسم فاعل ... 1 ... {كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) } [عبس:16]
اسم ... 8 ... {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المجادلة:9]
وورد البر في القرآن على ثلاثة أوجه 7:
الأول: الصلة: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا} [البقرة: 224] . لئلا تصلوا القرابة.
الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] . أراد بالبر الطاعة وترك المعصية.
الثالث: التقوى: ومنه قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] . يعني لن تنالوا التقوى.
التقوى:
التقوى لغةً:
من وقى. الواو والقاف والياء كلمة واحدة تدل على دفع شيء بشيء آخر. 8
التقوى اصطلاحًا:
أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه 9.
الصلة بين البر والتقوى:
من خلال تعريف كلٍ من البر والتقوى يمكن القول بأن البر فعل ما يرضي الله تعالى، واجتناب معصيته، بينما التقوى هي الاحتراز والوقاية من عذاب الله تعالى بأعمال البر.
الخير:
الخير لغة:
الخير ضد الشر 10.
الخير اصطلاحًا:
الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع 11.
الصلة بين البر والخير:
يفهم من تعريفي البر والخير السابقين أن بينهما فارقًا وهو أن البر هو اسم جامع لكل ما يرضي ربنا عن قصد، أما الخير فقد لا يكون عن قصد إرضاء الله تعالى فقد يقع الخير من كافر كأن يتبرع لبناء مستشفى، أو لعلاج مريض، أو لتعليم طالب فقير أو غير ذلك. 12
الإحسان:
الإحسان لغة:
مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة 13
الإحسان اصطلاحًا:
هو: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه 14.
الصلة بين البر والإحسان:
يظهر من خلال تعريفي البر والإحسان أن الإحسان أعلى درجة من البر فالبر هو اتيان العمل الصالح، بينما الإحسان هو اتقان العمل الصالح.
الإثم:
الإثم لغة:
من أثم. الهمزة والثاء والميم أصل واحد، يدل على التأخر 15
الإثم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني بأنه:» ما يجب التحرز منه شرعًا وطبعًا» 16، وهو أيضًا التأخر عن فعل الطاعات 17، وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:) والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) 18، وهذا يعني أن ارتكاب الآثام أمر يشعر صاحبه بالضيق.
الصلة بين البر والإثم:
البر من القربات التي حث عليها ربنا جل وعلا، أما الإثم فهو مما نفر منه الشارع الحكيم، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .
العدوان:
العدوان لغة:
التعدي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه 19.
العدوان اصطلاحًا:
التجاوز ومنافاة الالتئام، والإخلال بالعدالة في المعاملة 20.
الصلة بين البر والعدوان:
البر اجتهاد في طاعة الله تعالى، أما العدوان فهو تجاوز لحدود ما شرع الله تعالى لعباده، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .
المعصية:
المعصية لغة:
من عصوى. العين والصاد والحرف المعتل أصلان صحيحان، إلا أن بينهما تباينًا فأحدهما يدل على التجمع، والآخر يدل على الفرقة، والمعصية هي المخالفة، والعاصي هو المخالف، والمعصية ضدها الطاعة.21
المعصية اصطلاحًا:
هي «مخالفة الأمر قصدًا» .22
الصلة بين البر والمعصية:
يلاحظ من خلال تعريفي البر والمعصية أن هنالك اختلافًا بينهما فالبر هو الطاعة عن قصد، والمعصية هي المخالفة عن قصد.
إن المتتبع لنصوص القرآن الكريم التي ورد فيها لفظ «البر» يجد أن هنالك اقترانًا بين البر وبين الإيمان والتقوى.
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن حقيقة البر تكمن في الإيمان بالله، والآخرة، والملائكة، والقرآن، والأنبياء، وكذلك في الإنفاق في سبيل الله تعالى على المحتاجين من الأقارب، والأيتام، والمساكين، والمنقطع عن ماله وأهله في سفر، والسائلين، والعبيد، ويكمن الإيمان كذلك في المداومة على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، وبالصبر على الشدائد، وعند مواجهة العدو، ثم يعقب تعالى بالتأكيد على أن الملتزمين بما سبق من مكامن البر هم الأتقياء الصادقون.23
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد بينت أن الذي يجمع بين العناصر التي يكمن فيها البر هو العبد التقي، وفي ذلك دلالة واضحة على أن لزوم البر يؤدي إلى الحصول على مرتبة التقوى.24
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] .
يعلم الله تعالى عباده في هذه الآية أن الأهم في السؤال هو أن يكون سبيلًا للحصول على الجواب النافع لأمر الدين، فقد أوحى الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إجابة للسؤال عن الأهلة تبين علاقة الأهلة بما ينفع الناس من أحكام الدين، وتحديدًا علاقة الأهلة بتحديد المواقيت الزمانية لأشهر الحج، ثم يبين الله تعالى أنه ليس من البر أن يدخل المحرم بيته من ظهره، ولكن البر بلزوم تقوى الله تعالى في السر والعلن، ثم يأمر الله تعالى عباده بالدخول إلى البيوت من أبوابها حتى في حال الإحرام، وبلزوم التقوى في القول والعمل. 25
وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] .
يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة بالتعاون على أداء الطاعات التي يتقى بها من العذاب الأليم 26.
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد قرنت بين البر والتقوى؛ وذلك لبيان أن أعمال الخير لابد وأن يراعى فيها تقوى الله عز وجل 27، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .
أن الله تعالى يجعل ما عمله الكفار في الدنيا من أعمال البر باطلًا لا ثواب له 28.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9] .
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التناجي بالقبيح من الأقوال مما لا يتفق مع ما دعا إليه الإسلام، ثم يبين لهم جل وعلا أنه في حال لزمت النجوى فلتكن بما فيه الخير 29.
ويلاحظ من الآية السابقة اقتران البر بالتقوى، ولعل السبب في ذلك هو أنه لابد عند التناجي من مراعات أمرين، الأول: التناجي بما فيه المصلحة للمؤمنين، الثاني: الحذر من التناجي بالمعصية 30.
مما سبق يتضح أن اقتران البر بالتقوى يرجع إلى الأسباب الآتية:
1.بيان أن لزوم البر يرقى بالعبد حتى يصل إلى مرتبة التقوى.
وفي ذلك يقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 200] .
فقدم الله تعالى في هذه الآية أمره لعباده المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة، على أمره لهم بالتقوى، وذلك لأن الأمور المتقدمة ترقى بالعبد المؤمن إلى مرتبة التقوى، وشرح ذلك أن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالصبر يشمل الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر على المحن والشدائد، كما يتضمن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمصابرة الجلد مع الأعداء بحيث يفوق صبرهم صبر أعداءهم، وكذا يتضمن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمرابطة حماية حدود المسلمين من أذى المتربصين بهم من أعداء الإسلام والمسلمين 31، ويعد جميع ما سبق من أعمال البر التي من شأنها أن تقي صاحبها من عذاب الله تعالى وسخطه.
2.لابد من مراعاة تقوى الله تعالى عند القيام بالأعمال الصالحة، وذلك حتى ينتفع بها صاحبها يوم الدين.
وفي ذلك يقول تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ کک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ں ں ? q ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھے ے? ? ?) [النحل: 30 - 31] .
تبين هذه الآيات الكريمة أن جزاء الصالحين من عباده الأتقياء الأنقياء الذين يستشعرون مراقبة الله تعالى لهم في كل عمل يقومون به، ويجتهدون في التقرب إليه سبحانه بما يحب من الطاعات، ويحذرون من الوقوع فيما نهاهم عنه من المخالفات هو الدخول في جنان النعيم المقيم في الآخرة 32.
وقال تعالى أيضًا في بيان حسن عاقبة المؤمنين الأتقياء: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ?+ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [يونس: 62 - 64] .
3.لبيان أنه لابد للمؤمن أن يكون بارًا فلا يقدم إلا على الطاعات، وأن يكون تقيًا ورعًا، فيحذر من الوقوع في المعاصي.
فائدة:
تختلف لفظتا البر والتقوى في المعنى إذا اجتمعتا في الآية، وذلك كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] .
فالبر هنا بمعنى اتيان الطاعات، والتقوى الاحتراز عن المنهيات 33، وتتفق اللفظتان في المعنى إذا افترقتا في الآية، وذلك كما في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
فمعنى البر هنا هو التقوى كما هو واضح من الآية الكريمة 34.
1.أكرم الله تعالى عباده بدين البر والرشاد، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 256] .
وكما يتضح من الآية الكريمة فإن الله تعالى قد ميز للناس طريق الهداية من طريق الضلال، وبعدها ترك لهم الخيار في سلوك أحد الطريقين، وبين أن المحق من العباد هو من سيختار طريق الهدى والرشاد، وذلك لما تميز به هذا الطريق من الدعوة إلى لزوم البر في كافة المجالات والتي منها ما يأتي:
أولًا: البر في الإيمان:
قرن الله تعالى أركان الإيمان بالبر في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
ويتضح من الآية الكريمة أن الله تعالى قد بين أن ارضاءه والتقرب منه لا يكون بمجرد القيام بأداء بعض هيئات العبادات، وإنما يكون بإخلاص النية وسلامة المعتقد، ويتمثل ذلك بما يأتي:
1.البر في الإيمان بالله تعالى.
الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من أركان الإيمان، وهو كذلك الركيزة التي استندت إليها دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] .
والمنادي الذي نادى للإيمان هو محمد صلى الله عليه وسلم 35، ويفهم من دعاء المؤمنين الوارد في فاصلة هذه الآية الكريمة أن الذي يموت على الإيمان بالله تعالى فهو من الأبرار المقبولين عند الله تعالى، وقال تعالى أيضًا على لسان يوسف عليه السلام: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 37 - 39] .
ويفهم من هذه الآيات الكريمة أن ملازمة البر في المعتقد تتطلب الإيمان بالله تعالى وحده.
2.البر في الإيمان باليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان وقد تقدم على غيره من الأركان في آية البقرة؛ لأنه من أبرز ما أنكره الكفار والمنافقين من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى، وهذا ما هون عليهم انكار باقي أركان الإيمان، وكما هو معلوم فإن الكفار والمنافقين أنكروا على المؤمنين تحويل القبلة، ورأوا أن ذلك أمر جلل، ومن شأنه أن يشوه أمر المسلمين ويقدح في دينهم، فكان الرد عليهم من الله تعالى: بأن صلاح أمر المسلمين وبرهم بخالقهم جل وعلا لا يكون بالتوجه بالصلاة إلى هذه الناحية أو تلك بالدرجة الأولى، وإنما يكون بالتجرد لله تعالى وسلامة المعتقد قبل كل شيء، لا كما فعلتم أنتم يا من أفسدتم معتقداتكم وأنكرتم ما هو أعظم من تحويل القبلة 36.
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قد قرن العديد من أعمال البر بالإيمان باليوم الآخر وذلك كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] .
ويأتي هذا الاقتران نظرًا لأن المكافأة على تلك الأعمال إنما يكون في الآخرة، قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين:22] .
كما أن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أبرز الدوافع للقيام بأعمال البر.
3.البر في الإيمان بالملائكة.
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وقد جعل الله تعالى الاعتقاد به من أصناف البر التي لا يصح إيمان عبد دونه، وهو من المعتقدات التي خالف فيها أهل الضلال النهج السليم الذي بينه ربنا جل وعلا في كتابه العزيز، قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] .
وتظهر هذه الآية الكريمة أن المشركون وصفوا الملائكة بالأنوثة، وهذا أمر غير جائز كما هو معلوم؛ والعلة في عدم الجواز أن الملائكة عالم غيبي بالنسبة للبشر، والحديث عن تفاصيل تخص هذا العالم أمر يحتاج إلى دليل شرعي، وبما أنه لا دليل شرعي يصف الملائكة بالذكورة أو الأنوثة، فإن ادعاء المشركين بأن الملائكة إناثًا هو محض افتراء على الله تعالى، والأمر لم يقف عند هذا الوصف بل تعداه إلى مناصبة أهل الشرك والضلال العداوة للملائكة، قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:97 - 98] .
وقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (سمع عبد الله بن سلامٍ، بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌ: فما أول أشراط الساعة؟، وما أول طعام أهل الجنة؟، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال:(أخبرني بهن جبريل آنفًا) قال: جبريل؟: قال: (نعم) ، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 97] .