فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 2431

لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة، وذكرها في السياق يجيء بعد الحديث عن الغيب، وظل السكن ليس غريبًا عن ظل الغيب، فكلاهما فيه خفاء وستر، والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة.

ونستطرد هنا إلى شيء عن نظرة الإسلام إلى البيت، بمناسبة هذا التعبير الموحي: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} فهكذا يريد الإسلام البيت مكانًا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري، هكذا يريده مريحًا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض، وبسكن من فيه كل إلى الآخر، فليس البيت مكانًا للنزاع والشقاق والخصام، إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام.

ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه، فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان، ولا يقتحمه أحد- بغير حق- باسم السلطان، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة، فيروع أمنهم، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق!

ولأن المشهد مشهد بيوت وأكنان وسرابيل، فإن السياق يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) } [النحل:80] .

وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبي الضرورات وما يلبي الأشواق، فيذكر المتاع، إلى جانب الأثاث، والمتاع ولو أنه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات، إلا أنه يشي بالتمتع والارتياح» 56.

فهذه البيوت التي جعلها الله سكنًا للإنسان، يأوي إليها، ويجد فيها أنس النفس وروح الروح، بما يجتمع إليه فيها من زوج وولد .. أليس هذا من نعم الخالق ومن سابغات أفضاله؟ ثم هذه البيوت الخفيفة الحمل التي يتخذها الإنسان من جلود الأنعام، أو مما على جلودها من أصواف وأوبار وأشعار- أليست مما يسر الله للإنسان، ومكن له منها؟ 57.

خامسًا: مكان للأكل والادخار:

جعل الله تعالى البيوت مكانًا للأكل، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور:61] .

فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة -وهي أحد عشر بيتًا- وإن لم يكن فيها أصحابها، ما دام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك، وأنه لا يكره هذا ولا يتضرر منه، استنادًا إلى القواعد العامة في الشريعة، والتي منها: (لا ضرر ولا ضرار) 58، وأنه (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) 5960.

«قال سعيد بن المسيب: إن المسلمين كانوا إذا غزوا وخلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. وكانوا يتحرجون من ذلك، وقالوا: لا ندخلها وهم غيب.

فنزلت هذه الآية رخصة لهم، ومعنى الآية: نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت أقاربهم، أو بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو، وقوله: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النور:61] .

أي: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الرجل، وقال ابن قتيبة: أراد أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الأولاد كسبهم وأموالهم كأموالهم» 61.

وذكر سبحانه بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج في أن يأكل الإنسان من بيته، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم سبحانه بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب، يتساوى في نفي الحرج مع أكلهم من بيوتهم، أي: أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفي حرج كان متوهمًا، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم، وبين أكلهم من بيوتهم 62.

ثم ذكر سبحانه بيوتًا أخرى لا حرج عليهم في الأكل منها، فقال: {بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور:61] .

يعني: بيوت عبيدكم ومما يملكون، وذلك أن السيد يملك منزل عبده، والمفاتح معناها الخزائن، كقوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} [الأنعام:59] 63.

ويجوز أن تكون التي يفتح بها، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس.

قوله: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور:61] ما خزنتموه لغيركم، قال ابن عباس: يعني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر حائطه، ويشرب من لبن ماشيته، قال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، وقال السدي: الرجل يولى طعام غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه 64.

وقوله تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور:61] معطوف على ما قبله والصديق هو من يصدق في مودتك، وتصدق أنت في مودته، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا: الجمع، أي: ولا حرج عليكم أيضًا في الأكل من بيوت أصدقائكم 65، والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل أصدقائكم وأصحابكم إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا 66 إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك.

وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه 67.

وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور:61] .

قال ابن كثير: «قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} إلى قوله: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} .

وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، أن يأكلوا جميعا أو أشتاتًا، وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا، فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل» 68.

أما الادخار في البيوت:

جعل الله تعالى البيوت مكانًا للادخار وحفظ ما يحتاجه الإنسان في المستقبل، وذلك لأن مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه، ومكان أمنه واستقراره فلا غرابة أن يكون مكان مدخراته، وهذه المدخرات لا يعلم بها إلا صاحبها 69، ولهذا جعلها الله تعالى من معجزات سيدنا عيسى عليه السلام.

قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) } [آل عمران:49] .

والمعنى: أن عيسى عليه السلام قد قال لقومه بنى إسرائيل: وإن من معجزاتي التي تدل على صدقي فيما أبلغه عن ربي أني أخبركم بالشيء الذي تأكلونه وبالشيء الذي تخبئونه في بيوتكم لوقت حاجتكم إليه 70.

والادخار هو: إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه، ويقال: لا يعرف الادخار من المخلوقات إلا الإنسان والفأر والنمل، أما الحمار مثلًا مع قدرته على الحمل لا يحمل رزقه؛ لذلك تراه إن شبع لا يدخر شيئًا، وربما يدوس الأكل الباقي، أو يبول عليه، وكذلك كل الحيوانات 71.

إن البيوت المذكورة في القرآن الكريم على أنواع، منها: بيوت الله تعالى، وبيوت الأنبياء عليهم السلام، وبيوت المؤمنين، وبيوت الظالمين، وبيوت المخلوقات من غير بني آدم، وسيكون بيانها في المطالب الآتية:

أولًا: بيوت الله تعالى:

إن بيوت الله تعالى المذكورة في القرآن هي: البيت المعمور، والبيت الحرام، والمسجد الأقصى، وعامة المساجد، ويمكن بيانها بإجاز في الفقرات الآتية:

1.البيت المعمور.

من بيوت الله تعالى المذكورة في القرآن الكريم: البيت المعمور، وقد ورد ذكره في قوله تعالى: {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) } [الطور:4] .

وفي البيت المعمور فيه قولان:

القول الأول: أنه بيت في السماء، وفي أي سماء هو؟ فيه ثلاثة أقوال:

أولًا: إنه في السماء السابعة، وهذا هو مذهب جمهور المفسرين 72، وهو الصحيح، ويدل على ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه) ، قال: (فركبته حتى أتيت بيت المقدس) ، .... ، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه) 73.

ويدل عليه كذلك حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في «الصحيحين» قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا عند البيت بين النائم، واليقظان فأتينا السماء السابعة، قيل من هذا؟ قيل: جبريل، قيل من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه، مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبي، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) 74.

ثانيًا: إنه في السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه 75.

ثالثًا: إنه في السماء الدنيا، روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقال: هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى الضراح 76.

القول الثاني: أنه البيت الحرام، وعمارته بالحج والطواف، قاله الحسن 77.

ووصف هذا البيت بأنه معمور لكثرة غاشيته، وقاصديه 78.

قال الماوردي: «وفي {الْمَعْمُورِ} وجهان: أحدهما: أنه معمور بالقصد إليه، والثاني: بالمقام عليه» 79.

وقال ابن كثير: «ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخر ما عليهم) 80، يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة» 81.

ولعظمة هذا البيت فقد أقسم تعالى به مع ما ذكر في الآية من غيره من مخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة على أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم 82.

2.البيت الحرام.

إن البيت الحرام هو: أول بيت وضع في الأرض، وأعظم المساجد وأفضلها، وأهم موضع في مكة، وهو اسم لمسجد الكعبة، وقد يمتد إلى حدود الحرم، وهو قبلة المسلمين، وإليه يحجون من كل فج عميق 83.

وقد ورد ذكر البيت في القرآن الكريم في عشرة مواضع، منها قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) } [آل عمران:96 - 97] .

وقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة:125] .

كما ورود بلفظ المسجد الحرام في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) } [البقرة:144] .

وقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) } [المائدة:2] وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الإسراء:1] 84.

3.المسجد الأقصى.

من بيوت الله تعالى: المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس، وهو أولى القبلتين، ومسرى الرسول الكريم، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الإسراء:1] .

وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام 85 أو لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويبتغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام 86.

وقد بارك الله حوله بالماء والأنهار والأشجار والثمار، قال مجاهد: سماه مباركًا؛ لأنه مقر الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة 87.

وقد ذكر المسجد الأقصى في القرآن مرتين مرة باللفظ الصريح كما سبق في الآية السابقة والثانية بلفظ المسجد في قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) } [الإسراء:7] .

والمعنى: وليدخلوا المسجد، أي: بيت المقدس كما دخلوه أول مرة، أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، وليتبروا أي: يدمروا ويخربوا ما علوا أي: ما ظهروا عليه تدميرًا 88.

اختلف المفسرون في من بنى المسجد الأقصى؟ على قولين:

القول الأول: ذهب بعض المفسرين إلى أن أول من بناه هو إبراهيم عليه السلام ويدل على ذلك الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أي؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه) 89، وقدر بعض المفسرين أن ما بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام من الزمان عشرة قرون 90.

القول الثاني: إن أول من بناه هو سليمان عليه السلام 91.

واستدلوا بما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالًا ثلاثة: سأل الله عز وجل حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) 92.

الراجح: الجمع بين القولين فقد جمع بعض المفسرين بين القولين: بأن الذي بنى المسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام لحديث أبي ذر السابق، وهو يدل على أنه قد كان بني أيضًا زمن إبراهيم أو إسحاق ويعقوب عليهما السلام، ولكن بنيانه على التمام وكمال الهيئة كان على عهد سليمان عليه السلام 93.

وهو أحد المساجد التي تشد إليها الرحال دون غيرها؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى) 94.

4.عامة المساجد.

أما عامة المساجد المنتشرة في بقاع الأرض فهي بيوت الله تعالى التي أمر بأن ترفع، ويذكر فيها اسمه، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) } [النور:36] .

قال الماوردي: «في هذه البيوت قولان:

أحدهما: أنها المساجد، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد.

الثاني: أنها سائر البيوت، قاله عكرمة.

وفي قوله: {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} أربعة أوجه:

أحدها: أن تبنى، قاله مجاهد، كقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة:127] . أي: يبني.

الثاني: أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي، حكاه ابن عيسى.

الثالث: أن تعظم، قاله الحسن.

الرابع: أن ترفع فيها الحوائج إلى الله» 95.

كما ذكر الله تعالى هذه البيوت باسم المساجد في آيات، منها قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) } [الجن:18] .

فقد ذكر المفسرون أن المراد بالمساجد: بيوت الله التي وضعت للصلاة على أحد المعاني الواردة في الآية، قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله أن يخلص المسلمون له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، أي: أن هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغيره، وقال الحسن: أراد البقاع كلها، يعني: أن الأرض كلها مواضع للسجود، وجعلت مسجدًا لهذه الأمة 96.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة:18] .

وفي هذه المساجد قولان:

أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: بالمحافظة على إقامة الصلاة.

والثاني: بترك الرياء.

والثالث: بالخشوع والإعراض عما ينهى.

والقول الثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات.

فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى.

والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى.

والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت