وهذا النوع من الغيب هو الذي يشير إليه قول الله تبارك وتعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ? ذَ?لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ? إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [الجن: 26 - 27] .
وقوله سبحانه وتعالى: (وَرَسُولًا إِلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى? بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?49?) [آل عمران: 179] .
والمراد بالاطلاع على الغيب -في الآية الكريمة- علم ما سيقع قبل أن يقع على تفصيله، فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم عن الأمور المغيبة عنهم 48.
فالمدعى في هذا النوع شيئان:
-أنه لا سبيل إلى علمه من غير إخبار الله تعالى.
-أنه لا يصل إلى علمه عن الله تعالى أحدٌ غير الأنبياء.
وعلى هذا الفهم لهذا النوع من الغيب بحصر معرفته بإعلام الله تعالى لمن ارتضى من أنبيائه ورسله ينزل قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37] .
وقوله تعالى عن عيسى عليه السلام فيما أعطاه الله من المعجزات: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49] .
وكذلك إخباره عليه السلام عن أشياء كثيرة مما أطلعه الله تعالى عليه من فتوحاتٍ إسلامية وقعت كما أخبر بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستشهاد بعض الصحابة، والشهادة لبعضهم وبشارتهم بالجنة، وما يكون من علامات بين يدي الساعة، في أمور كثيرة جدًا واردة في الصحاح وغيرها 49.
وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، أو غاب عنهم في حال دون حال، بحيث يمكن التعريف به في الدنيا، إما مطلقًا، أو بشروط واستعدادات لذلك. وهو ينطوي على أربع مراتب.
المرتبة الأولى: أن يغيب الشيء عن حواسك، ولكن يتناوله غيرك بالمشاهدة، كالعلم بالأقطار النائية، والطبقات الأرضية، والأجهزة الداخلية للإنسان والحيوان.
فهذا غيب بالنسبة لبعض الخلق دون بعض، وقد يعلمه الغائب عنه بسماع أخباره المتواترة عمن شاهده وعلمه، فيمكن معرفة هذا النوع مطلقًا، وعندئذ لا يكون غيبًا، أي: بعد هذه المعرفة 50.
المرتبة الثانية: أن يغيب الشيء عن الحواس، ولا يمكن التعريف به في الدنيا بحال من الأحوال؛ إذ تختلف طبيعته عما عرفناه نحن في حياتنا الدنيا، كالحياة البرزخية وما فيها.
فهذا غيبٌ عنا، ولا نستطيع أن نتعرف عليه حاليًا، بل نعقل وجوده بالخبر الصادق، ولم نمر بتجربة أو حال تعرفنا على هذا النوع من عالم الغيب، فهذا يعرفه من يعيش في العالم البرزخي، وكذلك كل ما يعلمه الملائكة عليهم الصلاة والسلام من أمر عالمهم، لا يعلمه البشر مثلًا.
المرتبة الثالثة: أن يغيب الشيء عن حواسنا، ولا يمكننا التعرف عليه في الدنيا إلا على وجه مجمل، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وخمرًا، ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكنه ليس مثله ولا هو حقيقته. والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في عالم الشهادة، و هذه يعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز بينهما، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في عالمنا المشاهد. وفي الغائب ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر 51.
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، فاقرءوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ) 52.
فما لا يخطر بالقلوب، إذا عرفت به لم تعرفه إلا إذا كان له نظير، وإلا لم يمكن التعريف به على وجهه 53.
المرتبة الرابعة: أن يغيب الشيء عن حس الناس جميعًا، ولكنه يكون في متناول عقولهم، يعرفونه بشروط واستعدادٍ لذلك؛ فإن لبعض الغيوب أسبابًا قد يستدل بها عليها.
ومن هذه الشروط والأسباب:
1.التجربة والمقايسة.
كعلم ما سيقع في العام أو الأعوام المقبلة من الكسوف والخسوف، والشروق والغروب، ومنازل الشمس والقمر، ونحو ذلك، استنباطًا من التجارب الكونية، التي أجرى الله تعالى بها سنته في سير الكواكب، وقال في شأنها:. فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ? ذَ?لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام: 96] .
وقال: (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ? وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء: 12] .
2.الاستدلالات العقلية.
كما نعلم حياة الجنين بتجربته، وكما نستدل على عقل الرجل بمنطقه، أو بالخلق على خالقه.
فهذا كله من الغيب الذي يتناوله العلم، بل يتناوله الإيمان الذي هو أخص من العلم؛ فإنه علمٌ يطمئن إليه القلب ويرتاح له الوجدان 54.
مفاتح الغيب:
إن مفاتح الغيب التي سبقت الإشارة إليها، هي الطرق والوسائل التي يتوصل بها للغيب أو على خزائن الغيب؛ لأن علمها كلها خاصٌ به تعالى، وأما الأمور التي لها أمارات، مثل: أمارات الأنواء، وعلامات الأمراض عند الطبيب، فتلك ليست من الغيب، بل من أمور الشهادة الغامضة، وغموضها متفاوت، والناس في التوصل إليها متفاوتون، ومعرفتهم بها من قبيل الظن لا من قبيل اليقين، فلا تسمى علمًا.
وقيل: المفاتح جمع مفتح -بفتح الميم- وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن يغلق على ما فيه ثم يفتح عند الحاجة إلى ما فيه. ونقل هذا عن السدي، فيكون استعارة مصرحة، والمشبه هو العلم بالغيب، شبه في إحاطته وحجبه المغيبات ببيت الخزن تشبيه معقولٍ بمحسوس 55.
وقد جاء النص صريحًا أن هذه المفاتح لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، يقف الإنسان -مهما أوتي من العلم- عاجزًا عن إدراك شيء منها، بل إن أحدًا من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين عليهم الصلاة والسلام لا يعرف عنها شيئًا 56.
فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن رجل من بني عامر أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: (قد علمني الله عز وجل خيرًا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل: الخمس(ان الله عنده علم الساعة) 57.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: (جاء رجل من أهل البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني متى تلد؟ وبلادنا مجدبةٌ فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله عز وجل:(وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ) ) 58.
وفيما يلي إلماعة موجزة إلى كل هذه المفاتح، وبالله التوفيق.
3.علم الساعة.
كانت قضية البعث وقيام الساعة وما فيها أمرًا من أشد الأمور غرابة على حس المشركين الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ابتعدوا عن دين إبراهيم الخليل عليه السلام دين التوحيد، وكانوا يستبعدون وقوعها، ويعجبون لذلك أشد العجب، ويستنكرون ذلك أشد الاستنكار، وقد حكى الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [سبأ: 7 - 8] .
ولقد أنفق الرسول صلى الله عليه وسلم جهدًا كبيرًا في تقرير حقيقة البعث والقيامة في نفوس الناس؛ إذ لا تستقيم حياة أمة من الأمم ما لم يستقم أمر الآخرة، عقيدةً راسخةً في ضميرها.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «إن العقيدة في الآخرة فسحة التصور، وسعة النفس، وامتداد في الحياة ضروريٌ في تكوين النفس البشرية ذاتها لتصلح أن تناط بها وظيفة القيادة للبشرية والشهادة عليها.
كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة، ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة، ولا تقعدها التضحيات الأليمة عن المضي في التبشير بالخير وفعل الخير، والقيادة إلى الخير على الرغم من النتائج القريبة والتضحيات الأليمة، وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة.
والاعتقاد في الآخرة مفرق الطريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس الإنسان، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك الحيوان، وما يصلح إدراك الحيوان في قيادة البشرية والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة» 59.
والساعة غيبٌ اختص الله تعالى به واستأثر بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه جميعًا، بما فيهم الأنبياء المرسلون والملائكة المقربون، رغم ما كان من إكثار المشركين من السؤال عنها، استبعادًا لوقوعها وتعنتًا منهم وجحودًا، فقال سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ?63?) [الأحزاب: 63] .
وقال: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) [فصلت: 47] .
وقال: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى? ?15?) [طه: 15] .
وقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ?42?فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ?43?إِلَى? رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ?44?إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ?45?) [النازعات: 42 - 45] .
وعندما سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم، في البنيان في خمسٍ لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا النبي عليه السلام:(ان الله عنده علم الساعة ) ) 60.
وإذا استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمٍ الساعة، فلا فائدة تتحقق من وراء البحث عن زمن وقوعها؛ لأن هذا خارج عن طوق العلم البشري، فحريٌ بالعاقل أن يكون على استعداد لها وتهيؤ، فما كان إخفاؤها إلا لحكمة كبرى، فلا يتشاغل الناس عنها إذا كانت بعيدة عنهم، ولا ينصرفون عن العمل للحياة الدنيا إذا كانت قريبة لهم. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمن يسأله عن الساعة: (ويحك! إن الساعة آتيةٌ، فما أعددت لها؟) 61.
ولئن حجب الله تعالى علم الساعة عن الخلق، فإن حكمته جل شأنه اقتضت أن يكون بين يدي الساعة أمارات وأشراط، تأتي مقدمة لها بين يديها؛ إيقاظًا للغافلين وحثًا لهم على التوبة والاستعداد، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ?1?يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى? وَمَا هُمْ بِسُكَارَى? وَلَ?كِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ?2?) [الحج: 1 - 2] .
وقال سبحانه وتعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ? فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ? فَأَنَّى? لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ?18?) [محمد: 18] .
وقال سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ?42?فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ?43?) [النازعات: 42 - 43] .
فبعثة الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة و أشراطها؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر عن علامات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه، بما لم يؤته نبيٌ قبله؛ ولهذا جاء في أسمائه عليه السلام: نبي التوبة ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، و العاقب الذي ليس بعده نبيٌ.
وهذه العلامات إما أن تكون علاماتٍ على قرب الساعة ووقوعها، وإما على حصولها.
فمن النوع الأول: الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، والخسف
ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس 62.
وهذه العلامات والعلم بها لا ينافي ما سبق من اختصاص الله سبحانه وتعالى بعلم الساعة؛ لأن علم قربها لا يستلزم علم وقت مجيئها معينًا.
وكذلك فإن معرفة هذه العلامات لا تعطي الإنسان علمًا بوقت وقوعها متى يكون؟ فهي تأتي بغتة تفجأ الناس وتبغتهم، وهم عنها غافلون.
قال الله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ? حَتَّى? إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى? مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى? ظُهُورِهِمْ ? أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ں) [الأنعام: 31] .
وقال سبحانه وتعالى: (أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [يوسف: 107] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) 63.
وروى سهل وأنس وأبو هريرة رضي الله عنهم أن الرسول عليه السلام قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) يشير بإصبعيه) 64.
وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت في نفس الساعة فسبقتها، كما سبقت هذه لهذه) لأصبعيه السبابة والوسطى) 65.
وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرمٍ وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم» 66.
4.إنزال الغيث.
والمفتاح الثاني من مفاتح الغيب بعد علم الساعة هو إنزال الغيث، وهو آية الله في خلقه على إمكانية قيام الساعة حيث يحيي به الأرض بعد موتها.
والله سبحانه وتعالى وحده الذي ينزل الغيث ويختص بالقدرة على إنزاله، ويختص بعلمه علمًا كاملًا شاملًا. فهو ينزله في إبانه من غير تقديم و لا تأخير في بلد لا يتجاوزه به، وبالقدر الذي يريده وتقتضيه حكمته، فهو اختصاص قدرة واختصاص علم.
قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68?أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ?69?) [الواقعة: 68 - 69] .
وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ? لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ?10?) [النحل: 10] .
وقد تجري بعض المحأولًات البشرية، فيما أسموه (المطر الصناعي) ، والمقصود منه حتى الآن هو: عصر السحب الممطرة أو القابلة للإمطار، وذلك بتوليد حالات من فوق التشبع داخلها بطرق صناعية، كقذف بلورات من الثلج الجاف مباشرة بواسطة الطائرات أعلى السحب الركامية، لا تلبث أن تسقط إلى المناطق الوسطى من تلك السحب لتبدأ قصة سقوط المطر الصناعي. أو بقذف مسحوق بدلًا من بلورات الثلج، أو حرقه بحيث يكون سحبًا كثيفة، أو برش نقاط من الماء أسفل السحب وأعلاها. ولكلٍ من هذه الطرق ظروفها الخاصة 67.
وهذا لا يعني أن البشر يستطيعون إنزال الغيث، أو أن ذلك بمقدورهم، فالله تعالى وحده هو الذي خلق الأسباب الكونية لإنزال المطر، وجعل تلك الخصائص للسحب وتركيبها بعامة، والسحب الركامية خاصة، التي خصها الله تعالى بنزول البرد ونشوء الرعد والبرق، وكذلك توفير الظروف المناخية لنزول الغيث، والهواء الصاعد المحمل ببخار الماء، كل هذا خلقه الله تعالى وليس بإمكان البشر ذلك.
فكان إنزال الغيث مختصًا بالله تعالى وحده. وليس هنالك عاقل يزعم أن ذلك بمقدوره، وحتى الكفار قديمًا حكى الله تعالى إقرارهم بذلك فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ? قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 63] .
ولئن حاول بعض الناس التعرف بالتجارب والمقاييس والعادات قرب نزول المطر، ظنًا لا علمًا يقينيًا، إنهم لا يقدرون على علم ذلك يقينًا؛ إذ إن التنبؤات الجوية كثيرًا ما تخيب، والتجارب كثيرًا ما تختلف، والعادة قد تخرق، والظنون تخطئ.
فلا يستطيع البشر أن يجزموا بشيء في موعد نزول المطر وكميته أو عمومه على الأرض، أو خصوصه لبقعة معينة، أو غير ذلك من الصفات في إنزال المطر. ويبقى العلم اليقيني لله وحده. وشتان بين علم الله المحيط الشامل اليقيني وأوهام البشر وظنونهم!
ولكن إن حجب الله تعالى هذا العلم عن الخلق قبل إعلام الملائكة الموكلة بالمطر، فإنه إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن يشاء الله تعالى من خلقه، فلا يكون عندئذ بعد هذا الإعلام غيبًا بالنسبة لمن أعلمه الله تعالى به.
ويلاحظ أن الآية الكريمة عن مفاتح الغيب قال الله تعالى فيها: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) فصيغة الآية لا تنفي أن أحدًا غير الله تعالى يعلم إنزاله، بخلاف أول الآية في قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الذي يفيد الاختصاص. ولكن جاء الحديث الصحيح وفسر ذلك، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الخمس في سورة لقمان بأنها هي مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن هنا جاء التشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم على من يزعم معرفة شيء من ذلك لمعرفته بالأنواء، فينسبه إلى منازل القمر مثلًا، ففي حديث زيد بن خالد أنه قال: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت من الليلة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال:(هل تدرون ماذا قال ربكم؟) . قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (قال أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب) 68.
والخلاصة: أن علم البشر متى يكون نزول المطر هو أمرٌ مستحيل. ولا يرد على ذلك أن بعض الناس يدرك نزول المطر متى انعقدت أسبابه، بحيث يغلب على الظن ذلك، إذا نشأ السحاب الممطر عادة، وهبت الرياح التي يصاحب هبوبها نزول المطر، وتهيأ الجو المشبع بالرطوبة، والذي تعتمد عليه -وعلى غيره من الأسباب الأخرى- الأرصاد الجوية في حدسها وظنونها، وما لم تنعقد هذه الأسباب فلا أحد يعلم متى ينزل المطر.
5.ما في الأرحام.
والمفتاح الثالث من مفاتح الغيب هو علم الأجنة. فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم علمًا يقينيًا محيطًا شاملًا بما في الأرحام، في كل لحظة وفي كل طور، فيعلم قبل تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، يعلم نوع الجنين الذي يقدر الله تعالى خلقه: هل هو ذكر أو أنثى؟ وهل هو تام الخلقة أم ناقص الخلقة؟ وهل هو سليم من التشوهات أو غير سليم؟ هل هو واحد أو أكثر؟ وما هي طبائع هذا الجنين بعد الولادة؟ إلى ما هنالك من اختلاف في المقادير والصفات والطبائع والأخلاق والشمائل والكسب والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر والرزق والأوقات والأماكن، وغير ذلك من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم ومحيي الرمم سبحانه.
ولما كانت للخلق في ذلك -لكثرة الملابسات والمعالجات- ظنون في وجود الحمل أولًا، ثم في كونه ذكرًا أو أنثى ثانيًا، ونحو ذلك بسبب ما أقام الله تعالى من الأمارات الناشئة عن طول التجارب وكثرة الممارسة عبر بالعلم فقال: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? أي: من ذكر أو أنثى، حيٍ أو ميت وغير ذلك، وبصيغة المضارع التي تدل على التجدد وحدوث الفعل شيئًا فشيئًا، ووقتًا بعد وقت 69.
6.الكسب بالمستقبل.
(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا) ، هذا هو المفتاح الرابع، الكسب فيما يستقبل من الزمن، من خير، أو شرٍ، من شقاء أو سعادة، ومن كسبٍ ماديٍ أو معنويٍ، ومن صداقة أو عداوة، ومن صحة أو مرض، ومن أحوال الناس وتقلباتهم في معاملته لهم ومعاملتهم له، وغير ذلك من الأحوال والكسب بعامة، لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وقد جعل الله كل ذلك غيبًا مغلقًا أمام الإنسان، يتطلع المرء لمعرفة شيء منه، ولكنه لن يستطيع أن يعود من ذلك بشيء - إلا أن يكون ذلك الشيء جملة من الأوهام والظنون، مهما حاول بكل وسيلة، ومهما أوسع الحيلة ليتعرف على ما يتشوق إليه من ذلك الغيب المجهول الذي يحيط به.
يقول الإمام البقاعي رحمه الله: «ولكون الإنسان -مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له- لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته، عبر فيه بالدراية؛ لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي -كما تقدم في سورة يوسف عليه السلام أن مادة (درى) تدور على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم فقال: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) أي: من الأنفس البشرية وغيرها (ما) وأكد المعنى بـ (ذا) وتجريد الفعل فقال: (مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ?) أي: في المستقبل من خير أو شرٍ بوجه من الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد -مع كونه ألصق الأشياء به- دليلٌ ظاهر على نفي علم ما قبله عنه؛ لأنه أخفى منه، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على طريق الحصر، وعلم أيضًا أنه لا يسند إلى العبد إلا على طريق الكسب؛ لأنه لو كان مخلوقًا له لعلمه قطعًا، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضًا» 70.
7.مكان الموت.