وعاشرها: أنه ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولًا أنه نبي بني إسرائيل، وأنه هو موسى صاحب التوراة، وهو الرجل الذي كلّمه الله عز وجل من غير واسطة، وخصّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة، والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيًا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، وهذا هو اللائق به؛ لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد.
والحادي عشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} فأثبت كونه تبعًا له أولًا، ثم طلب ثانيًا أن يعلّمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم.
والثاني عشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ} فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئًا، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا غرض لي إلا طلب العلم» 123.
والمقصود: أنه راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.
وأيضًا مما يدل على تواضعه عليه السلام أنه سقى للفتاتين اللتين أرادتا السقيا فعجزتا، قال جل وعلا: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا} [القصص: 23 - 24] .
فسقى لهما، وأعانهما على سقيهما، فارتاحتا من انتظار من هو أقوى منهن.
ثم هو عليه السلام لما خطب من صاحب مدين ابنته جعل مهر ابنته أن يرعى غنم مدين ثماني أو عشر سنين، كل ذلك من التواضع الذي يتخلق به عليه السلام.
وهذا نبي الله عيسى عليه السلام يقول الله عنه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] .
فتواضع لله بأنه عبد لله، والعبد خاضع لمالكه وسيده.
وفي آية أخرى قال الله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [النساء: 172] .
وعدل عن طريق الإضافة في قوله: {عَبْدًا لِلَّهِ} فأظهر الحرف الذي تقدّر الإضافة عليه؛ لأن التنكير هنا أظهر في العبودية، أي: عبدًا من جملة العبيد، ولو قال: «عبد الله» لأوهمت الإضافة أنه العبد الخصيص، أو أن ذلك علم له، وأما ما حكى الله عنه في الآية السابقة: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] ، فلأنه لم يكن في مقام خطاب من ادعوا له الإلهية 124.
وقال الله تعالى عنه أنه قال: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] .
أي: ولم يجعلني متعظّمًا عاصيًا مستكبرًا عن عبادة ربي، وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.
والجبار: المتعظّم، وهي صفة مقرونة بالشقاء؛ لأنّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهًا، وكان عيسى عليه السلام في غاية التّواضع، يأكل الشجر، ويلبس الشّعر، ويجلس على الأرض، ويأوي حيث جنّه الليل، لا مسكن له، قال قتادة: وكان يقول: سلوني فإني ليّن القلب، صغيرٌ في نفسي 125.
وقوله: {شَقِيًّا} أي: في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك، بل جعلني مطيعًا له خاضعًا خاشعًا متذللًا متواضعًا لعباد الله، سعيدًا في الدنيا والآخرة، أنا ومن اتبعني.
فلما تم له الكمال ومحامد الخصال قال: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33] .
أي: من فضل ربي وكرمه حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة؛ وذلك يقتضي سلامته من الأهوال ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر على أنه رسول الله، وعبد الله حقًا 126.
ومن الأنبياء الذي عملوا بأعمال البشر داود عليه السلام، فقد كان حدّادًا يصنع الدروع، وفي نفس الوقت كان ملكًا، وكان يأكل مما تصنعه يداه، وهذا من كرم أخلاقه، وعظيم تواضعه.
قال الله تعالى عنه: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80] .
يقول تعالى ذكره: وعلّمنا داود صنعة لبوس لكم، واللبوس عند العرب: السلاح كله، درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو رمحًا، يدلّ على ذلك قول الهذليّ 127:
ومعي لبوسٌ للّبيس كأنّه
روقٌ بجبهة ذي نعاجٍ مجفل
وإنما يصف بذلك رمحًا.
وأما في هذا الموضع فإن أهل التأويل قالوا: عني الدروع 128.
قال قتادة: أول من صنع الدروع داود عليه السلام، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها 129.
وبيّن الله تعالى العلة من هذا التعليم، فقال: {لِتُحْصِنَكُمْ} أي: لتحرزكم وتمنعكم {مِنْ بَأْسِكُمْ} أي: من حرب عدوكم 130.
وهذا دليل على جواز اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وهي شهادة للعمال وأهل الحرف والصنائع بأن العمل شرف، واتخاذ الحرفة كرامة، وهذه الآية: فيها إشارة لحث أهل الإيمان على العمل والإبداع، والأخذ بأسباب النصر على الأعداء، ومحاربة الفساد بإعداد الجيوش مقودة بقيم الإيمان، وتعاليم الرحمن، وشريعة الديان 131.
ونتعلم من هؤلاء الأنبياء عدم الاعتماد على أحد إلا على الله سبحانه وتعالى، في مطعمنا ومشربنا وملبسنا، فهو الذي يرزقنا، وقد كانوا عليهم السلام أصحاب حرف وصناعات ... ، يأكلون ويشربون من هذه الحرف، ومما عملت أيديهم ... ، وما من أحد إلا ويعلّمه الله عز وجل شيئًا يصلح له، ويكون فيه معاشه ورزقه، فمن الناس من لا يستفيد مما علّمه الله سبحانه، فيترك العمل ويسأل الناس، ويستسهل أن يأخذ رزقه من الحرام، وما من مخلوق إلا وقد قسم له الله عز وجل رزقه، ولابد أن يأتيه هذا الرزق، فعلى الإنسان المؤمن أن يبحث عن وظيفته بالطرق الحلال، ولا يقول: قد ضيّق الله عز وجل عليّ، ثم يتوجّه إلى الحرام؛ فإن رزقك مقسوم، وكسبك معلوم، ولن يزداد شيئًا على ما قسمه الله عز وجل، فابحث عن الحلال تجد الحلال، ويرزقك الله سبحانه وتعالى، وائتس بهؤلاء الأنبياء الذين كانوا لا تلهيهم صنعتهم ولا كسبهم الرزق عن الدعوة إلى الله عز وجل، ولا تشغلهم عن المرتبة العظيمة التي هم فيها، وهي مرتبة النبوة.
ثانيًا: تواضع الصالحين:
لقد حكى القرآن بعض النماذج من تواضع الصالحين، منها:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12] .
فأخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان بالحكمة، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته، وهي أيضًا العلم بالأحكام ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالمًا ولا يكون حكيمًا، وأما الحكمة فهي مستلزمة للعلم والعمل؛ ولهذا فسّرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح ... ، وهذه الوصايا التي وصى بها لقمان لابنه تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيًا، وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها 132.
فمن حكمته وتواضعه: أنه أوصى ابنه بعدة وصايا.
منها: أنه قال له: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18 - 19] .
أي: ولا تمش في الأرض مختالًا متبخترًا؛ لأن تلك مشية الجبارين المتكبرين الذين يبغون في الأرض، ويظلمون الناس، بل امش هونًا؛ فإن ذلك يفضي إلى التواضع.
وهذه كلمة جامعة من الحكمة والتقوى؛ إذ جمع لابنه الإرشاد إلى فعله الخير، وبثّه في الناس، وكفّه عن الشر، وزجره الناس عن ارتكابه.
وهي وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، بعد أن امتثلها هو فكان حكيمًا متواضعًا لله ولخلقه.
فبعد أن أمر ابنه بأصل الدين وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك ... ، نهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك.
وفي قوله: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان: 18] .
قالوا في معناها: لا تمل خدك للناس كبرًا عليهم، وإعجابًا بنفسك، واحتقارًا للخلق ... ، وقيل في معناها أيضًا: {تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي: أن تولي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، فكل إنسان له قدر عند نفسه، وله قدر عند خالقه سبحانه وتعالى، والله أعلم بهذا الإنسان، فلا تحتقر أحدًا من الخلق، ولكن ادع إلى الله سبحانه وتعالى، وظنّ الخير في غيرك؛ لعل هذا الذي تنظر إليه بازدراء واحتقار يكون أفضل منك في يوم من الأيام.
فعامل الناس بالصورة التي تحب أن يعاملوك بها، وانظر للذي تأمره وتنهاه وضع نفسك مكانه، إذا كنت أنت مكانه في هذه المعصية وهو يأمرك، فإنك تحب أن يأمرك باللين، فكن ليّنًا أنت معه، وأمره بالطريقة التي تحب أن يأمرك هو بها في يوم من الأيام، وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: «فالمعنى: أقبل عليهم -أي: الناس- متواضعًا مؤنسًا مستأنسًا، وإذا حدّثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل» 133.
قال سيد قطب: «ويستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى أدب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس، والتطاول عليهم باسم قيادتهم إلى الخير، ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل.
{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} والصعر: داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها، والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصّعر، حركة الكبر والازورار، وإمالة الخد للناس في تعالٍ واستكبار! والمشي في الأرض مرحًا هو المشي في تخايل ونفخة، وقلة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله، ويمقتها الخلق، وهي تعبير عن شعور مريض بالذات، يتنفس في مشية الخيلاء!
ومع النهي عن مشية المرح بيان للمشية المعتدلة القاصدة {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} والقصد هنا من الاقتصاد، وعدم الإسراف، وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال ومن القصد كذلك؛ لأن المشية القاصدة إلى هدف لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق.
والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب، أو شاكٌّ في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق!
والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبّحه في صورة منفّرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية مع النفور والبشاعة، ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع، ثم يحاول شيئًا من صوت هذا الحمير!» 134.
ذو القرنين هذا الملك الصالح الذي ملك الأرض، وهو أحد أربعة 135 حكموا الناس شرقًا وغربًا، حكى الله قصته في سورة الكهف في عدة آيات، وفي قصته دروس عظيمة، وفوائد جمة، تدل على عقله الراجح، وحنكته السياسية، ومقدرته على الحكم، وعلى الرغم من ذلك فإنه كان في قمة التواضع لربه وخالقه جل وعلا، ولعباده.
حكى الله عنه أنه قال: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87 - 88] .
وقال: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 95 - 96] .
وقال تعالى عنه أنه قال: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98] .
قال سيد: « {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكّنه الله في الأرض، وييسّر له الأسباب، فيجتاح الأرض شرقًا وغربًا، ولكنه لا يتجبّر ولا يتكبّر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخّر أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل في كل مكان يحلّ به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسّرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان، وإحقاق الحق، ثم يرجع كل خير يحقّقه الله على يديه إلى رحمة الله، وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله» 136.
والمقصود: أن التواضع خلق الصالحين في أحوالهم كلها، ولقد كان سلف هذه الأمة لا تغيّرهم المناصب ولا الدنيا، ولا يحتقرون أحدًا صغر عنهم أو كبر، بل كانوا شديدي التواضع والانكسار لله، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.
فهذا ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته يأخذ بركاب زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا» 137. وقال مجاهد: «ربما أخذ لي ابن عمر بالركاب» 138.
وقد كان بكر بن عبد الله المزني رحمه الله آية في التواضع في ملبسه وكلامه وتصرفاته ومعاملته للخلق، يعامل جميع الناس على حد سواء، في الرفق والاحتفاء والبشر والاهتمام بأحاديثهم، فلا يفرّق بين غني وفقير، وبين عالم وجاهل، وشريف ووضيع، لا يعنف أحدًا، ولا يترفع على أحد مع عظم منزلته، حتى إنه يقول: «إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: سبقني بالإيمان والعمل الصالح؛ فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي؛ فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظّمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنب أحدثته» 139.
1.لا شك أن خلق التواضع من أعظم الأخلاق الكريمة، والشمائل الحميدة، التي يتحلى بها المؤمن الكريم، فيضفي على إخوانه المسلمين المحبة والمودة والألفة، ويرضي ربه، ويقتدي برسوله صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين، وللتواضع فوائد عديدة، نذكر بعضًا منها:
أولًا: دخول الجنة.
من أعظم ما يناله المتواضعون هو دخول جنات النعيم.
قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
والمعنى: تلك الدار الآخرة نجعل نعيمها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحقّ في الأرض، وتجبرًا عنه ولا فسادًا، يقول: ولا ظلم الناس بغير حقّ، وعملًا بمعاصي الله فيها 140.
و {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ} إشارة تعظيم، كأنه قال: تلك التي سمعت خبرها، وبلغك وصفها، تعظيم لها، وتفخيم لشأنها 141.
ويراد بالدار الآخرة هنا: الجنة؛ وذلك معهود في إطلاقها على الجنة، ومعلوم أن ما يجعل لهؤلاء هو الجنة ... ، والأحسن أن يكون ذلك على حذف مضاف دل عليه المعنى، أي: نعيم الدار الآخرة وحظوتها وخيرها؛ لأن الدار الآخرة هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا، وسميت آخرة؛ لأنها متأخرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن 142.
ومعنى جعلها لهم: أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها، وأما من عداهم فلهم أحوال ذات مراتب، أفصحت عنها آيات أخرى، وأخبار نبوية 143.
وعن الفضيل: أنه قرأها -أي: هذه الآية-، ثم قال: ذهبت الأماني هاهنا.
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يرددها حتى قبض 144.
وقوله: {لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض على عباد الله، والتكبر عليهم وعلى الحق {وَلَا فَسَادًا} وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد لزم من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، والانقياد للحق، والعمل الصالح 145.
ومعنى: {لَا يُرِيدُونَ} كناية عن: لا يفعلون؛ لأن من لا يريد الفعل لا يفعله إلا مكرهًا ... ، والعلو: التكبر عن الحق وعلى الخلق، والطغيان في الأعمال. والفساد: ضد الصلاح، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة، وقوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} العاقبة: وصف عومل معاملة الأسماء لكثرة الوصف به، وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير 146.
فهؤلاء متواضعون: لا يريدون التكبر على خلق الله، ولا الاستعلاء على عباد الله، ولا يتيهون بأحسابهم ولا بأنسابهم ولا بأمومتهم أو أبوتهم، ولا بأموالهم، ولا بما ملّكهم الله في هذه الدنيا، وإلا لكان ذلك ابتلاءً وفتنة، كما كانت كنوز قارون لقارون، فقد فتن بها وعذّب في الدنيا؛ وعذاب يوم القيامة أشد.
والدار الآخرة إنما جعلها الله للذين لا يستعلون على عباد الله، ولا يتكبرون على الإيمان والمؤمنين ... ، والدار الآخرة وجنتها ورضاها ورحمتها مقصورة على الذين لا يتكبرون، ومن ينازع الله في كبريائه أذله وحقره 147.
وقال في آية أخرى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] .
يعني: بالجنة 148. وعن قتادة في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} قال: «هم المتواضعون» 149.
ثانيًا: محبة الله للمتواضع.
ومن فوائد التواضع العظيمة محبة الله للمتواضع، يقول الله جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .
فأخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضًا عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين؛ وبهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] .
وقوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] 150.
فالتواضع يورث محبة الله للمتواضع، ومحبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأعظم فضيلة تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدًا يسر له الأسباب، وهوّن عليه كل عسير، ووفّقه لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه بالمحبة والوداد.
ومحبة الله حال من أحوال الذات العلية لا نعرف كنهها، ولا ندرك حقيقتها، وهي تليق بذاته الكريمة، وتتفق مع صفات الجلال والكمال التي يتصف بها واجب الوجود، والذي خلق بقدرته كل موجود، وهي غير الإحسان، وإن كانت من فضل الله، وغير الرحمة وغير الرضا؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعلها لبعض عباده، والإحسان والرحمة يعمّان كل موجود، والرضا وإن جعله جزاء أعلى للمحسنين، كما قال في جزاء المؤمنين بعد ذكر الجنات والنعيم المقيم: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] .