فهرس الكتاب

الصفحة 1652 من 2431

قال الطبري بعد أن ذكر هذه الأقوال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مالٍ أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب مستحقٌ وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل، إذا كان مما يجب فيه الزكاة» 47.

والوعيد منوط بالكنز وعدم الإنفاق، فليس الكنز وحده بمتوعد عليه، بل الوعيد على الأمرين مجتمعين، لا على أمر واحد منهما، فليس الوعيد على الكنز لذات الكنز، وإنما الوعيد على الأمرين معًا، على الكنز وعدم الإنفاق في سبيل الله، فإذا وجدا معًا كان التبشير بالعذاب الأليم، وكان الوعيد الشديد لمن يمنع الإنفاق مع أنه يكنز المال؛ ولذا تضاربت الروايات على أن من يعطي الزكاة لا يكون عليه إثم الكانزين، بل إنه لا يعد كانزًا من يخرج حقه في سبيل الله، وإنما الكانز هو الجامع للمال الذي يمنع حقه.

وقد ورد أن الإنفاق يمنع إثم الكانز الذي يجمع المال، بل قد ورد في الأثر الصحيح: (نعم المال الصالح للمرء الصالح) 48.

كما أن في الآية إشارة إلى أن المال من الذهب والفضة ينبغي ألا يكنز، بل يجب أن يخرج للاستغلال الحلال، بالاتجار والصناعة والزراعة، ولا يبقى في الخزائن، كالماء العطن الذي لا ينتفع به.

وقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وضع الوعيد لهم بالعذاب موضع البشارة بالتنعم لغيرهم، وهذا على سبيل التهكم عليهم 49؛ لأن العذاب الأليم لا يبشر به، بل يهدد به، فلأنهم كانوا يرتقبون خيرًا في الآخرة من تكاثرهم في المال واكتنازه، فجاءت العقبى غير ما يرتقبون.

وقوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} أي: أنها تحول إلى صفائح ويحمى عليها، ثم تكوى بها جباههم، والحمي: شدة الحرارة، يقال: حمي الشيء إذا اشتد حره.

والضمير المجرور بـ (على) عائد إلى (الذهب والفضة) باعتبار أنها دنانير أو دراهم وهي متعددة، وبني الفعل للمفعول لعدم تعلق الغرض بالفاعل، فكأنه قيل: يوم يحمي الحامون عليها، وأسند الفعل المبني للمفعول إلى المجرور لعدم تعلق الغرض بذكر المفعول المحمي لظهوره؛ إذ هو النار التي تحمى، وعدي بـ (على) الدالة على الاستعلاء المجازي لإفادة أن الحمي تمكن من الأموال بحيث تكتسب حرارة المحمي كلها، ثم أكد معنى التمكن بمعنى الظرفية التي في قوله: {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فصارت الأموال محمية عليها النار، وموضوعة في النار، وبإضافة النار إلى جهنم علم أن المحمي هو نار جهنم التي هي أشد نار في الحرارة، فجاء تركيبًا بديعًا من البلاغة والمبالغة في إيجاز 50.

وقوله: {فَتُكْوَى بِهَا} الكي: أن يوضع على الجلد جمر أو شيء مشتعل.

وقوله: {جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسلك في التعبير عن التعميم مسلك الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم تهويلًا لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم فقط، وإنما أطنب 51.

وقيل: إنما تكوى هذه الأعضاء دون غيرها؛ لأن الغني إذا رأى الفقير الطالب للزكاة كان يعبس جبهته، وإذا بالغ في السؤال يعرض عنه بجنبه، وإذا بالغ يقوم من موضعه ويولي ظهره، ولم يعطه شيئًا غالبًا، أو لأن مقصود الكانز من جمع المال لما كان طلب الوجاهة بالغنى فتعلق الكي بأعلى وجهه وهو الجبهة، ولما قصد به أيضًا التنعم بالمطاعم الشهية التي ينتفخ بسببها جنباه، وبالملابس البهية التي يلقيها على ظهره تعلق الكي بالجنوب والظهور أيضًا 52.

والمقصود أن الآيتين فيهما تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين من التشبه بالأحبار والرهبان في أكل أموال الناس بالباطل وكنز المال، وذكر الله في هاتين الآيتين انحراف الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين: إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي عليه نفعًا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، وإخراجها للصد عن سبيل الله، وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، والنهي عن الشيء أمر بضده، وكلا الأمرين مذموم.

ومن الآيات التي تدل على الوعيد لمن يبخل عن الإنفاق في سبيل الله قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] .

أي: لا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلًا منه من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده: أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌ لهم؛ لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالكم جميعها، وسيجازي كلًا على قدر استحقاقه.

ومدلول هذه الآية عام، فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله، ويحسبون أن هذا البخل خير لهم، يحفظ لهم أموالهم، فلا تذهب بالإنفاق.

أما شمولها لمنع الزكاة فإن لم يكن بعموم صلة الموصول إن كان الموصول للعهد لا للجنس فبدلالة فحوى الخطاب، وقوله: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} تأكيد لنفي كونه خيرًا، وجملة: {سَيُطَوَّقُونَ} واقعة موقع العلة لقوله: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} و (يطوقون) يحتمل أنه مشتق من الطاقة، وهي تحمل ما فوق القدرة، أي: سيحملون ما بخلوا به، أي: يكون عليهم وزرًا يوم القيامة، والأظهر أنه مشتق من الطوق، وهو ما يلبس تحت الرقبة، فوق الصدر، أي: تجعل أموالهم أطواقًا يوم القيامة، فيعذبون بحملها، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) 53.

والعرب يقولون في أمثالهم: تقلدها -أي: الفعلة الذميمة- طوق الحمامة، وعلى كلا الاحتمالين، فالمعنى أنهم يشهرون بهذه المذمة بين أهل المحشر، ويلزمون عقاب ذلك.

وقوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} تذييل لموعظة الباخلين وغيرهم بأن المال مال الله، وما من بخيل إلا سيذهب ويترك ماله، والمتصرف في ذلك كله هو الله، فهو يرث السماوات والأرض، أي: يستمر ملكه عليهما بعد زوال البشر كلهم، المنتفعين ببعض ذلك، وهو يملك ما في ضمنها تبعًا لهما، وهو عليم بما يعمل الناس من بخل وصدقة، فالآية موعظة ووعيد ووعد؛ لأن المقصود لازم قوله: {خَبِيرٌ} 54.

ومن الوعيد ما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] .

ونظيرها: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] .

وفي هذا بيان لمن لا يحبهم الله وهم أهل الكبر والفخر، بذكر صفتين قبيحتين لهم، وهما البخل الذي هو منع الواجب، والأمر بالبخل والدعوة إليه، فهم لم يكتفوا ببخلهم، فأمروا غيرهم بالبخل الذي هو منع الواجب، وعدم بذله، والعياذ بالله من هذه القبائح 55.

فيكون قوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} أي: الذين يمتنعون عن الإنفاق والعطاء مما رزقهم الله، ويأمرون غيرهم بالبخل، أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كافٍ في الشر، البخل وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم، وتوليهم عنها.

واختلف العلماء في نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبينوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة.

وقال السدي: هي في المنافقين، الذين قد قالوا: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ} [المنافقون: 7] .

وقيل: في مشركي مكة، المتفقين على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم 56. والصواب أن المراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بماله أو بعمله، فكأنه تعالى يقول: والله لا يحب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلًا يجعلهم لا ينفقون شيئًا منه في وجوه الخير؛ لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها، ويشحون بها شحًا شديدًا، ولا يكتفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح.

وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله تعالى المنافقون، فقد كانوا يبخلون بأموالهم عن إنفاق شيء منها في سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم، فقد قال سبحانه في شأنهم: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون: 7] .

تعددت أنواع الإنفاق ومجالاته التي تحدث عنها القرآن، وهذا ما سنتحدث عنه فيما يأتي:

أولًا: الإنفاق الواجب:

ذكر القرآن الكريم أنواعًا من الإنفاق الواجب، وبينت السنة شيئًا منه، وينحصر الإنفاق الواجب في الأنواع الآتية:

والزكاة في اللغة: النماء والزيادة، وفي الشرع: هي دفع مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، تعبدًا لله عز وجل، وسميت زكاة لأنها تزكي الإنسان وماله 57.

وهي ركن من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وقد قرنت بالصلاة، وأمر الله بأدائها في آيات كثيرة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .

والخطاب في قوله: {خُذْ} للرسول صلى الله عليه وسلم، ولمن جاء بعده من خلفاء الإسلام، وفي الآية إشارة إلى أن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم هم نوابه، وقائمين بما كان يقوم به، فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب.

وفي الآية دلالة على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام، ومن يلي من قبله، والدليل عليه: أن الله تعالى جعل للعاملين سهمًا فيها؛ وذلك يدل على أنه لابد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات، وتأكد هذا النص بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} 58.

وقال: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ولم يقل: خذ أموالهم؛ لأن المراد بعض المال لا كله، فـ (من) للتبعيض، مما يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها.

ومقدار ذلك البعض غير مذكور هاهنا بصريح اللفظ، بل المذكور هاهنا قوله: {صَدَقَةً} ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخذ أي جزء كان وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة، أو الجزء الحقير من الذهب، بل المراد صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} أمرًا بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذٍ يزول الإجمال، ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين كيفيتها 59.

فيكون المراد بالصدقة هنا: الزكاة المفروضة، فالصدقة تطلق على الفرض والنفل، كما هاهنا، وكما في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] ... الآية.

بينما الزكاة لا تطلق إلا على الفرض فقط، ومن امتنع عن أداء الزكاة أخذها الإمام كرهًا، ووضعها موضعها.

والظاهر في قوله: {أَمْوَالِهِمْ} العموم، فتجب الزكاة في جميع المال حتى في الديون، وفي مال الركاز، وفي مال الضمان.

وقوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} معنى التطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: المبالغة في التطهير، والمقصود أن الزكاة تزكي الإنسان في أخلاقه وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد والكرماء، وتكفر سيئاته، فهي تطهر ظاهره وباطنه، يتزكى أولًا من الشرك بالنسبة لمعاملة الله، فيعبد الله مخلصًا له الدين، لا يرائي ولا يسمع ولا يطلب جاهًا ولا رئاسة، فيما يتعبد به الله عز وجل، وإنما يريد بهذا وجه الله والدار الآخرة، ويتزكي في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، بحيث لا يبتدع في شريعته، لا بقليل ولا كثير، لا في الاعتقاد ولا في الأقوال ولا في الأفعال 60. وكون إخراج الزكاة فيها تطهيرًا لهم وتزكية لأن المال مادة الشهوات، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس، وتضعف أهواؤها وصفاتها، فتتزكى من الهيئات المظلمة، وتتطهر من خبث الذنوب، ورجس دواعي الشيطان 61.

فتكون الحكمة في إيجاب الزكاة هو أن المال محبوب بالطبع وهو سبب لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب، لكن الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله، وعن التأهب للآخرة، فاقتضت الحكمة الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسرًا للنفس، ومنعًا من انصبابها بالكلية إليه، فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، وهو المراد من قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} أي: عن دنس الاستغراق في حب المال، وأيضًا إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة، فتصير المسألة دورية لا مقطع لها، ولا آخر، فأثبت الشرع لها مقطعًا وآخرًا، وهو صرف طائفة من المال في طلب مرضاة الله؛ ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له، ويفضي في الأغلب إلى الطغيان، وقساوة القلب 62.

فإن قيل: إن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام، وصدور الآثام لا يمكن حصولها إلا من البالغ دون الصبي، فوجب أن تجب الزكاة في مال البالغ دون الصبي، فالجواب: أنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقًا.

ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 60] .

فقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} قيل: المراد بالصدقات هنا: الزكاة الواجبة؛ بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد لا يخص بها أحد دون أحد، فيجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية، كبناء المساجد والمدارس وغير ذلك.

ولأن (أل) في الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة، التي أشار إليها القرآن بقوله قبيل هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 58] .

التي جاءت في المنافقين الذين عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات، فإن نالهم نصيب منها رضوا وسكتوا، وإن لم يصبهم حظ منها سخطوا عليه وعابوه؛ ولهذا جاء خص مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها.

ويبدو أن لفظ الصدقات في الآية عام، بحيث يتناول كل صدقة، إلا أن الزكاة المفروضة تدخل فيه دخولًا أوليًا.

والمراد: إنما الصدقات لهؤلاء المذكورين دون من عداهم؛ لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف ... ، وهذه الأصناف الثمانية ترجع إلى أمرين:

أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه، كالفقير والمسكين، ونحوهما.

والثاني: من يعطى للحاجة إليه، وانتفاع الإسلام به، فأوجب الله هذه الحصة في أموال الأغنياء؛ لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي لم يبق فقير من المسلمين، ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار، وتحصل به جميع المصالح الدينية 63.

فهؤلاء الثمانية هم أهلها، فإذا دفعت إلى جهة من هذه الجهات أجزأت، ووقعت موقعها، وإن دفعت في غير هذه الجهات لم تجز؛ لأن هذه القسمة فريضة، فرضها الله وقدرها، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره وشرعه؛ ولهذا ذيل الآية بقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .

وكأنه لما ذكر تعالى من يعيب الرسول صلى الله عليه وسلم في تقسيم الصدقات بأنه يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، وكانوا يسألون فوق ما يستحقون، بين تعالى مصرف الصدقات، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما قسم على ما فرضه الله تعالى، قال ابن كثير: «لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين» 64.

ولفظه: (إنما) إن كانت وضعت للحصر، فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف؛ إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه.

ويستفاد الحصر بالثمانية الأصناف أيضًا من الاقتصار عليها في مقام البيان؛ إذ لا تكون صيغة القصر مستعملة للحقيقي والإضافي معًا إلا على طريقة استعمال المشترك في معنييه 65.

وعموم قوله: {لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} يتناول الكافر والمسلم، إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين، ولعل مرجع الضمير في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) 66 يشهد لذلك، بخلاف صدقة التطوع.

ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي: المفروضة، والأمر للوجوب، وقد تكرر هذا الأمر في عدة آيات من القرآن المكي والمدني، والمخاطب فيها قد تعدد أيضًا، فجاء للمسلمين، ولبني إسرائيل، وهذا دليل على جوب الزكاة على من كان قبلنا، ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم.

ومن يتتبع آيات القرآن الكريم يجد أن الزكاة قد قرنت بالصلاة في أكثر من موضع، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما؛ لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.

حتى استنبط أبو بكر رضي الله عنه من ذلك أن مانع الزكاة يقاتل عليها، فقال لعمر رضي الله عنه: لأقاتلن بين من فرق بين الصلاة والزكاة 67.

ومن أدلة فرض الزكاة في القرآن: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] .

وهذا وإن كان خبرًا في سياق المدح كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] .

إلا أنه يفهم منه الوجوب؛ لأنه سماه حقًا، فيكون المقصود به الزكاة، ولا يمنع ذلك من أن تكون السورة مكية، فقد يكون أصل مشروعية الزكاة بمكة، ثم أتى تفصيل أحكامها بالمدينة، عن طريق السنة النبوية المطهرة.

وقد قيل في المراد بالحق المعلوم هاهنا: ما أوجبوه على أنفسهم من دفع جزء من أموالهم للمحتاجين على سبيل التقرب إلى الله تعالى، وشكره على نعمه، وتسمية ما يعطونه من أموالهم من الصدقات باسم (الحق) للإشارة إلى أنهم جعلوا السائل والمحروم كالشركاء لهم في أموالهم، من فرط رغبتهم من مواساة إخوانهم، ومعنى كون الحق معلومًا: أنه يعلمه كل واحد منهم ويحسبونه، ويعلمه السائل والمحروم بما اعتاد منهم.

إلا أن القول الأول: وهو أن المراد بالحق الزكاة- أصح؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، والمعلوم هو المقدر، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت