فهرس الكتاب

الصفحة 1845 من 2431

التفكر

أولًا: المعنى اللغوي:

يحدد ابن فارس الجذر الثلاثي لمصطلح التفكر بقوله: «الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء، يقال: تفكر إذا ردد قلبه معتبرًا» 1.

أما عند ابن منظور: «الفكر والفكر: إعمال الخاطر في الشيء، قال سيبويه: ولا يجمع الفكر ولا العلم ولا النظر» 2.

ويذكر صاحب القاموس: «الفكر -بالكسر ويفتح-: إعمال النظر في الشيء» 3.

وفي المعجم الوسيط: « (فكر) في الأمر فكرًا: أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم؛ ليصل به إلى مجهول ... (التفكير) : إعمال العقل في مشكلة؛ للتوصل إلى حلها ... (الفكر) : إعمال العقل في المعلوم؛ للوصول إلى معرفة مجهول» 4.

هذه خلاصة ما جادت به كتب اللغة في هذا المصطلح، ومن خلال التمعن في هذه التعريفات يلاحظ أنها تشترك في المعاني التالية وهي أن التفكر:

يعتمد على إعمال القلب والعقل والنظر والخاطر، ويكون بالتردد والتكرار، ويكون في المعلوم طلبًا للمجهول.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

اعتمادًا على ما جاء في التعريفات اللغوية اختلفت تعاريف المفسرين والعلماء لمصطلح التفكر على أن أغلبها لم تخرج عن إطار المعاني اللغوية، وفيما يأتي عرض لبعض التعريفات:

يقول الراغب الأصفهاني: «الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جولان تلك القوة بحسب نظر العقل؛ وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ... ، ورجل فكير كثير الفكرة، قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها» 5.

ويقول الجرجاني: «التفكر تصرف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب» 6.

وخلاصة القول: أن هذه التعريفات اتفقت على ما يأتي:

-الفكر قوة أو ملكة، والتفكر إعمال لتلك الملكة، فليس كل من يملك تلك القوة هو متفكر، بل يمكنه ذلك بحسب إرادته.

-التفكر حالة خاصة بالإنسان دون الحيوان، كما أشار إلى ذلك الراغب.

-التفكر عملية يشترك فيها العقل مع القلب، فهي حالة ذهنية وجدانية.

-التفكر عملية هدفها استثمار المعارف للوصول إلى حقائق جديدة مطلوبة، ولا معنى للتفكر بدون تحقيق هذا الهدف.

ومن مجموع هذه التعاريف يمكن استخراج تعريف عام للتفكر بأنه:

عملية عقلية وجدانية، تعمل على استثمار المعارف والدلائل للتوصل إلى حقائق الأمور، بالنظر فيها، والاعتبار بنتائجها.

وردت مادة (فكر) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (8) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) } [المدثر:18]

الفعل المضارع ... 17 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [الجاثية:13]

وجاء التفكر في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: إعمال الخاطر في الشيء 8.

العقل:

العقل لغةً:

جاء في لسان العرب: العقل: الحجر والنهى ضد الحمق، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، وسمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي: يحبسه 9. إذًا فمعنى العقل في اللغة يدور حول المنع والإمساك والإحكام، كما يستخدم أيضًا في الفهم.

العقل اصطلاحًا:

قيل: هو «القوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة: عقل» 10.

وقيل: «العقل: العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها» 11.

ويمكن تعريفه بأنه هو: الإدراك المانع من الخطأ لحقيقة الأشياء والعلم بصفاتها عن طريق استعمال الحواس. فأساسه الاعتماد على المعنى اللغوي الذي يعود إلى المنع والحبس للإدراك.

الصلة بين التفكر والتعقل:

يظهر الفرق بينهما من خلال أن التعقل هو ربط المعلومات الناتجة عن الإدراك الحسي لها في صورة منظمة، وأن التفكر هو تعميق الفكر في هذه الصورة، فالتعقل من المراحل الأساسية في عملية التفكر.

التدبر:

التدبر لغةً:

«هو آخر الشيء ... ، والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره؛ وذلك أنه ينظر إلى ما تصير عاقبته وآخره، وهو دبره» 12. ويعرفه الفيومي بقوله: «دبرت الأمر تدبيرًا فعلته عن فكر وروية» 13.

التدبر اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني بقوله: «عبارة عن النظر في عواقب الأمور» 14.

الصلة بين التفكر والتدير:

يظهر الفرق بينهما في أن «التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل» 15.

التذكر:

التذكر لغةً:

«ذكرت الشيء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان» 16.

فالتذكر في اللغة يدور حول حفظ الشيء، والذي قد يكون بالقلب أو باللسان.

التذكر اصطلاحًا:

«وهو محاولة النفس استرجاع ما زال من المعلومات، ثم الذكر وهو رجوع الصورة المطلوبة إلى الذهن» 17، فهو يجعل من التذكر عملية للقيام بالذكر.

الصلة بين التفكر والتذكر:

1.يجعل الإمام ابن عاشور الفرق بينهما دقيقًا فهو يجعل التذكر من العمليات العقلية التي تستلزم وجود المعلومات المسبقة، حتى إذا أصاب العقل سهو، جاءت عملية التفكر؛ لتفتح لها الآفاق من جديد وتبقيها عالقة في الذهن 18.

2.التذكر في القرآن ليس فيه إعمالٌ للعقل بالتحليل والتركيب والاستنتاج، لكنه عبارة عن استحضار لما هو منسي، ومن ثم توظيفه لاستخراج الحكم والعبر أو طلب معاني أخرى منه، لذلك فمعنى التذكر دائمًا يرتبط بدلائل التوحيد والبراهين الواضحة من «الأشياء المبثوثة في الكون والنفس الإنسانية والتاريخ الإنساني وآيات القرآن الكريم» 19.

التفقه:

التفقه لغةً:

أصل الفقه في اللغة: «العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم ... ، وفقه الشيء: علمه ... ، والفقه: الفطنة» 20. فالفقه في اللغة هو الفهم والعلم بالشيء وحسن إدراكه.

التفقه اصطلاحًا:

يأتي بمعنى: «التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم» 21. ويرى البقاعي أنه «العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة فطنة وجودة قريحة» 22.

ويمكن تعريف الفقه بأنه: إعمال العقل للتوصل للمعاني الخفية، اعتمادًا على الفهم الدقيق للأمور والنظر في أعماق الأشياء.

الصلة بين التفكر والتفقه:

«التفقه هو خطوة عقلية أبعد مدى من التفكير، فالتفقه هو الحصيلة التي تنتج عن عملية التفكير، وتجعل الإنسان أكثر وعيًا لما يحيط به، وأعمق إدراكًا لأبعاد وجوده وعلائقه في الكون، كما تجعله متفتح البصيرة دومًا» 23. وهذا المعنى وارد إن كان المقصود به عملية التفكير التي تختلف في أصلها عن عملية التفكر التي قد تشير إلى مرحلة تعقل الأشياء فقط.

بهذا يكون مصطلح الفقه يعبر عن مرحلة الفهم الدقيق والعميق لخفايا الأمور والمعاني.

الاعتبار:

الاعتبار لغةً:

جاء عند ابن منظور «عبر الكتاب يعبره عبرًا: تدبره في نفسه ... ، العبر جمع عبرة، وهي كالموعظة مما يتعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر؛ ليستدل به على غيره» 24. فمعنى الاعتبار في اللغة هو النظر في الأمور المتساوية والانتقال فيها من حال إلى حال عن طريق الاستدلال على غيرها والاتعاظ بها.

الاعتبار اصطلاحًا:

قال الرازي: «الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها» 25. وجاء في التحرير والتنوير: «الاعتبار: النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها، وهو افتعال من العبرة، وهي الموعظة» 26. فالاعتبار اصطلاحًا يعني: النظر في حقائق الأشياء المعلومة ودلالتها على أسبابها ونتائجها والاتعاظ بها.

الصلة بين التفكر والاعتبار:

إذا كان التفكر هو عملية عقلية وجدانية، تعمل على استثمار المعارف والدلائل؛ للتوصل إلى حقائق الأمور بالنظر فيها، فإن الاعتبار هو نتيجة هذه العملية العقلية، وما تم التوصل إليه من نتائج من خلال التفكر.

1.تنوعت أساليب القرآن في الحث على التفكر، وسوف نتناول هذه الأساليب بالبيان فيما يأتي:

أولًا: سرد القصص والتعقيب عليها:

القصة هي أحد أساليب الهداية في القرآن الكريم؛ لما فيها من سحر يطغى على النفوس؛ ولأن الإنسان بطبعه مولع بتتبع الأخبار ومعرفة الأحوال، فهي تجعل الإنسان يعيش وقائعها وكأنه يحضرها، فيعيش بإحساسه وعقله الموقف القصصي، ما يرسخ نتائجه وعبره ويطبعها داخل النفس، فالاتعاظ والاعتبار هو الغرض الأساس الذي سيقت من أجله القصة في القرآن لا مجرد الاطلاع على قصص الأمم السابقة والشخصيات الماضية.

وتمتاز صياغة القصة في القرآن بإيصال المعنى في قالب سهل، يشد القارئ فيثير انتباهه ويرسخ المعنى في الذهن، كما تعمل على هز العقول ودغدغة المشاعر، وتغيير السلوك عن طريق تجديد الهمم، وزيادة خبرات الإنسان والانتفاع بخلاصة تجارب السابقين، فهي أسلوب رقيق دقيق يأخذ بالألباب يلخص المعنى في أسمى صورة وأبدع عبارة؛ لأنها تعتمد على أسلوب المشاركة الوجدانية للأحداث، واستعمال أسلوب الإقناع العقلي من خلال الدعوة للتفكر فيها، وأخذ العبرة منها وتذكر الدروس الإيمانية والحياتية، ما يجعل قارئها لا يمل منها، ويستشف في كل مرة معنى جديدًا؛ لأجل هذا كانت القصة القرآنية مدعاة للتفكر فيها، فالاعتبار لا يكون إلا بعد النظر في الدلائل.

ويلخص سيد قطب هدف القصة بقوله: «يتمثل في إثارة الفكر البشري ودفعه للبحث عن الحق، وتقديم خلاصات للتجارب البشرية، والخروج بالعبر والعظات والسنن التي تحكم حركة الإنسان ومصيره، وإزاحة ستار النسيان عنه، وإمداده بطاقات تضيء له الطريق، وتساعده على مقاومة الإغراءات؛ تجنبًا للمصير السيئ، فتساعده على الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة» 27.

ومن القصص التي وردت في موضوع التفكر قصة تابع الهوى الذي آتاه الله الآيات، لكنه انزوى عنها، ورضي بسفاسف الأمور، وقد وردت قصته في سورة الأعراف التي جاءت؛ لتبين أسباب الهداية والضلال، فوافق أن ترد فيها قصة المنسلخ من آيات الله.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175 - 176] .

جاء في التفاسير أن قصة هذا الرجل تخص عالمًا من العلماء آتاه الله آياته، وقد اختلفوا على تسميته، فقد أورد الطبري 28 عن ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهما أنه بلعم بن باعوراء، وهو من بني إسرائيل، كما ذكر رواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنها نزلت في أمية بن أبي الصلت 29.

وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره 30 رواية عن ابن عباس أنها في زوج البسوس، وهي من بني إسرائيل أعطي ثلاث دعوات مستجابات أذهبها على زوجته، وروايات أخرى ملئت بها كتب التفسير أغلبها من الإسرائيليات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لعدم ثبات صحتها، والمختار أن هذه الآية عامة في كل من كانت هذه حاله وصفته، فالإبهام بصلة الموصول (الذي) يدل على أن لا حكمة في معرفة اسمه ونسبه، بل هي حال عام لكل من يسلك دربه ويتبع هواه.

بدأت القصة بالأمر الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ على قريش قصة ذلك العالم الذي آتاه الله تعالى العلم وحججه فأصبح عالمًا ربانيًا، وهذا من فضله تعالى وحسن توفيقه له، ولم يكن بتحصيله لها وجهده كما ظن، ما جعله يكفر بها وينبذها وراء ظهره، وقد شبه الله هذا الإعراض عن آياته بالانسلاخ كانسلاخ الجلد من الشاة، «وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئًا على أتم وجه: انسلخ منه، وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة» 31.

وإسناد فعل السلخ للعالم {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175] .

يدل على أنه كان باختيارٍ منه، ما سهل وصول الشيطان له بعد أن كان محجوبًا عنه ببركة آيات الله وعلمه، فأصبح من الغاوين، والغواية بمعنى الانهماك في الغي والضلال.

ويذكر الله في الآية التي بعدها أنه لو كان في هذا العالم خير لرفعه الله بتلك الآيات إلى المقام الأعلى، {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} [الأعراف 176] .

وأسند الرفعة له جل وعلا؛ لأنه هو الموفق لها والهادي إليها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] .

لكن لسبق علمه تعالى بأنه سيختار الخلود والميل والنزول إلى الأرض انحطاطًا وهوانًا، وقد رضي بالدنيا لما تزينت له وسار وفق هواه فيها، فاجتمع عليه الشيطان والهوى، فضاع في الدنيا، وأضاع الآخرة.

هذه هي القصة التي تتكرر في كل زمان ومكان، ومع كل عالم لم ينفعه علمه؛ إذ لم يقده إلى العمل؛ وليبين الله عظم الظلم الذي ارتكبه هذا العالم الجاهل في نفسه، ويوضح صورته ومكانته، مثل له بحيوان هو الأكثر خسة في مجموع الحيوانات، وهو الكلب ومن يقبل أن يشبه به، ثم بين محل التشابه بينهما {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف 176] .

فهو حيوان دائم اللهاث في حال التعب أو الراحة، والعالم الجاهل دائم اللهفة على الدنيا والحرص على ما يطيب له هواه فتراه لا يشبع منها أبدًا، ثم ختم الآية بالتعميم وضربها مثلًا للمكذبين بآيات الله {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 176] .

فمشركي مكة جاءهم نور الله، ودعاهم داعي الهدى، فأبوا واتبعوا أهواءهم، فكانوا بمنزلة الكلب، ويذكر أن حالة اللهاث طبيعية في الكلب؛ لضيق في مجاري تنفسه إلا أنها في المكذبين حالة مكتسبة تخالف ما فطروا عليه من العهد الذي واثقوا الله به، وفي فاصلة الآية «تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكرًا وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم؛ لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنًا عظيمًا في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة؛ لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس» 32.

ومن جميل القصص التي سردها القرآن على الناس والتي تستحثهم معانيها على التفكر في ملكوت الله قصة سيدنا إبراهيم مع عبدة الكواكب الواردة في سورة الأنعام، رغم أنه لم يرد فيها التفكر كمصطلح إلا أن معانيها تشير إليه وتبرز دوره في هداية البشر.

يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ لَمْ يَهْدِنِي فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 75 - 79] .

وهذا المنهج الحكيم الذي سار عليه سيدنا إبراهيم عليه السلام في نقض دعوى قومه؛ من أن الكواكب آلهة تعبد هو من فيض التفكر في ملكوت الله؛ ليجعلها سنة باقية في قومه ومن بعدهم، لمن أراد السير في طريق البحث الجاد الموصل إلى الحقيقة، فأراه الله سبيل التفكر في الكون؛ ليقوى إيمانه ويصل إلى «درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى، وهذا لا يقتضي سبق الشك كما لا يخفى» 33.

والقصة تبدأ بانتظار إبراهيم الليل، ومسايرته لقومه في عبادة الكواكب، فلما تبدى له أحد الكواكب أظهر أمام قومه اعترافه له بالربوبية، لكن هذا الكوكب ما لبث أن اختفى، هنا سلك سيدنا إبراهيم طريق العقل؛ ليبين لقومه كيف يعقل أن يعبد إله يأفل ويختفي، وأين يذهب إذا أفل؟ ومن سيخلفه ويسير الكون في هذه الحال؟ ما يدل على ضعف هذا المعبود وعجزه، وهو ما أراد سيدنا إبراهيم أن يوصل قومه إليه بقوله: {لَا أُحِبُّ} ثم عاد يبحث عن كوكب آخر يصلح؛ لأن يعبد، فرأى القمر وضاءً بنوره باهي الجمال، فأظهر لقومه استحقاقه للربوبية، لكن وجد أنه كسابقه يختفي، هنا كان على عقول البشر بمبادئها البسيطة أن تعي خطأ عقيدتها ومنهجها، وتنقض منهج العبادة، ما أقام عليهم الحجة بضلالهم.

نقل الألوسي عن ابن المنير أنه قال: «وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك؛ لأن الخصوم قد أقامت عليهم بالاستدلال الأول حجة، فأنسوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ولا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود، واستماعهم له إلى آخره» 34.

ومجاراةً لقومه، واستدراجًا لهم؛ ليكملوا بقية الاستدلال، وجه نظره إلى الشمس وقال: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] .

فالنظر فيها يدل على أنها أكبر الكواكب وأعظمها نورًا، إذًا هو الرب الذي يجب أن يعبد بلا شك، ومع أفولها ظهرت البراءة التامة من عبادة هذه الكواكب، وتحقق إعلان الخضوع التام لخالق هذه الكواكب والسموات والأرض دون إشراك لأي شيء في فرض العبودية له.

بهذا التدرج وهذه المرونة وباستعمال طريق التفكر اهتدى إبراهيم عليه السلام إلى محاججة قومه وإبطال دعاويهم ومعتقداتهم، مشيرًا أن الإله الأعظم يجب أن يتقبله العقل والحس معًا، وهذه الكواكب تخالف بديهيات العقل في تصور عظمة الإله، ولا تتوافق مع مقتضيات الإحساس بالربوبية، فكيف يليق بكم أن تعبدوه؛ لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) 35.

إن التفكر في قصة المنسلخ من الآيات، وقصة إبراهيم عليه السلام، هما نموذجان من مجموع قصص القرآن، يوحي بهدف القرآن من الدعوة للتفكر في قصصه، واستخلاص العبر منه، كي يلامس الإيمان القلوب الضالة، ويزين اليقين القلوب المسترشدة، ولم يكن هدفها التثقيف فقط.

ثانيًا: ضرب الأمثال والتعقيب عليها:

اعتمد القرآن أسلوب ضرب المثل كلون من ألوان الهداية الربانية، وأسلوب من أساليب البيان الإلهي، يعالج فيها قضايا التوحيد وأحكام الشريعة، وإقامة الحجة عليها، ويعرض الحقائق؛ ليقربها من الأفهام، ويوضح خفاياها، بما يحفل به من حكم ومواعظ مجملة ومختصرة ذات طابع عقلي وجداني؛ لأنه: «تمثيل المعاني المعقولة بالصور الحسية وعكسه» 36.

وأورد صاحب البرهان أنه سمي مثلًا؛ «لأنه ماثلٌ بخاطر الإنسان أبدًا، أي: شاخص، فيتأسى به ويتعظ ويخشى ويرجو» 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت