هي مريم بن عمران، وهو من نسل داود عليه السلام، ويرجع أصله إلى إبراهيم عليه السلام، وكان عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه 1.
وكان رجلًا صالحًا، وكانت له زوجة صالحة طيبة طاهرة خيرة تقية وفية مطيعة لزوجها، ومطيعة لربها، «واختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض» 2.
وذكر ابن كثير نقلًا عن ابن عساكر نسب مريم إلى داود عليه السلام، قال: «ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها وهي حنة بنت فاقوذ بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور، وقيل زوج خالتها أشياع، فالله أعلم» 3.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) } [آل عمران:33 - 34] .
هاتان الآيتان الكريمتان تمهيد للحديث عن مريم رحمها الله، وابنها نبى الله عيسى عليه السلام، وبيان أنه بشر رسول خلقه الله -عز وجل- من أم دون أب كما خلق آدم عليه السلام من غير أب ومن غير أم. وفى ذلك رد على النصارى الذين زعموا كذبا وزورا أن عيسى إله وابن إله، وهاتان الآيتان الكريمتان جزء من الآيات التى نزلت لترد على كثير من مزاعم النصارى، وذلك أن وفدًا من نصارى نجران جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة فأحسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استقبالهم وأكرم نزلهم ودار حوار بينه وبينهم أقام فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حججا ظاهرة وأدلة دامغة تدحض مزاعمهم وتدل على فساد معتقداتهم، وأنزل الله تعالى في هذا الشأن صدر سورة آل عمران 4.
وآل عمران من الذين اصطفاهم الله، وهم من آل إبراهيم، وخصوا بالذكر من باب ذكر الخاص بعد العام، تشريفًا وتكريمًا، وتمهيدا للحديث عنهم بشيء من التفصيل.
وردت قصة مريم الصديقة رضي الله عنها في سور كثيرة ولمناسبات متعددة نذكر منها ما يلي:
في سورة آل عمران: ورد الحديث عنها في سياق الحديث عن عيسى عليه السلام وبيان أنه بَشَرٌ رَسَوُلٌ خلقه الله -عز وجل- من غير أبٍ، كما خلق آدم من غير أب ولا أُمٍّ.
قال تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران: 59] .
وعيسى عليه السلام فرعٌ طيب من شجرة طيبة مباركة، فأمه مريم رضي الله عنها خير نساء العالمين، اصطفاها الله تعالى وطهرها وآثرها وأنعم عليها بنعم كثيرة وأكرمها بكرامات ظاهرة، وأمها امرأة صالحة صادقة وفية تقية، نذرت حملها لله تعالى محررا فتقبل الله منها نذرها.
وأبوها عمران -عليه السلام- العابد والحبر الزاهد صاحب المكانة السامية في قلوب العباد المخلصين الذين تسابقوا وتنافسوا على كفالة مريم -رضي الله عنها- تقربا إلى الله تعالى، ووفاء وعرفانا وبرا وإحسانا إلى معلمهم وإمامهم عمران عليه السلام الذي مات دون أن تكتحل عيناه برؤية ابنته مريم رضي الله عنها، التي خلدت ذكره في العالمين، وسميت هذه السورة بهذا الاسم تكريما لعمران عليه السلام ولأصله الطاهر ولذريته الصالحة الطيبة.
ويأتي ذكر جانب آخر من قصة مريم رضي الله عنها في سورة تحمل اسمها تكريما لها وهى سورة مريم التي ورد فيها الحديث عن مجيء جبريل -عليه السلام- لها في صورة بشرية وهى في خلوتها تعبد الله عز وجل، واستعاذتها بالله -تعالى- منه، وإخباره إياها بحقيقته ومهمته التي كلفه الله بها والتي جاء من أجلها، وتعجبها من تلك البشارة العجيبة وجواب جبريل -عليه السلام- على استفهامها التعجبي، ونفخه فيها وحملها بعيسى عليه السلام ومدة الحمل وساعة المخاض، تلك الساعة العصيبة العسيرة التي مرت بمريم النذيرة، والتي تمنت الموت من شدة ما مر بها، ومولد عيسى عليه السلام، وما صحبه من رحمات ونفحات وإرهاصات، وقدوم مريم إلى قومها ومعها وليدها عيسى عليه السلام وموقفهم من ذلك ونطق عيسى عليه السلام وهو في المهد.
وتأتي إشارة لمريم في سورة المائدة فيها منقبة عظيمة لها.
قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) } [المائدة: 75] .
فذكر الله تعالى صفة كريمة من صفات مريم وهي الصدق، والصديقية مقام من أسمى المقامات، فالنبوة أعظم درجات الكمال في الرجال، والصديقية تأتي في المرتبة الثانية بعد النبوة كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء: 69] .
وفي سورة الأنبياء يرد ذكرها رضي الله عنها وابنها نبي الله عيسى عليه السلام في سياق الحديث عن نعم الله عز وجل ورحمته بأنبيائه وأصفيائه.
قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) } [الأنبياء: 91] .
قال صاحب الظلال: «ولا يذكر هنا اسم مريم؛ لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها عيسى عليه السلام، وقد جاءت تبعا له في السياق، وإنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أحصنته فصانته من كل مباشرة والإحصان يطلق عادة على الزواج بالتبعية؛ لأن الزواج يُحَصِّنُ من الوقوع في الفاحشة، أما هنا فيذكر في معناه الأصيل وهو الحفظ والصون أصلا من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية، وذلك تنزيها لمريم عن كل ما رماها به اليهود» 5.
كما يأتي ذكرها رضي الله عنها في سورة المؤمنون مع ابنها نبي الله عيسى عليه السلام في سياق الحديث عن رحمة الله بأنبيائه وعنايته بهم وحفظه لهم.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) } [المؤمنون: 50] .
جعلهما الله آية للناس تدل على قدرته تعالى ورعايته لأنبيائه وأوليائه، وآواهما إلى {رَبْوَةٍ} : مكان مرتفع من الأرض، {ذَاتِ قَرَارٍ} أي: مستوية وصالحة للعيش عليها وذات خصبٍ، وماء طيبٍ جارٍ تراه العيون، وهو بيت المقدس 6.
ويتكرر ذكرها أيضا في سورة التحريم مع آسية بنت مزاحم كمثل طيب ونموذج رائع، وصورة مشرقة متألقة للمرأة الصالحة الصادقة المؤمنة المحسنة التقية النقية، بعد أن ضرب الله تعالى مثلا للمرأة الكافرة فيكون ذكرها وقبلها آسية رضي الله عنهما مسك الختام لهذه السورة الكريمة التي استفتحت بالحديث عن أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) } [التحريم: 10 - 12] .
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 35 - 37] .
بدأت قصة مريم رضي الله عنها في بيت صالح هو بيت أبيها عمران ذلك التقى النقي الذي أكرمه الله عز وجل بزوجة طيبة صالحة، وكان من نتاج هذا الزواج المبارك ومن ثمراته الطيبة: مريم رضي الله عنها، ربيبة بيت الطهر والعفاف وسليلة آل العلم والعبادة.
وكانت امرأة عمران رضي الله عنها تدعو المولى عز وجل أن يرزقها ولدا ذكرا تقر به عينها وتبتهج به نفسها وينشرح له صدرها، فلما تحرك الحمل في أحشائها نذرت ما في بطنها محررًا أي خالصا لوجه الله تعالى منقطعا لعبادته وخدمة بيت المقدس، أملا ورجاء أن توهب ذكرا يحمل اسم زوجها عمران ويخلفه في الفضل.
طلبت امرأة عمران أن يتقبل المولى عز وجل نذرها ويقبل نذيرها قبولا حسنا.
أولًا: حملها ونذرها
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) } [آل عمران: 35] .
أجاب الله دعاء امرأة عمران، تلك المرأة الصابرة الصادقة الصالحة التي توجهت إلى المولى عز وجل بالدعاء والرجاء أن يرزقها الولد الصالح، فاستجاب الله لها، وآتاها سؤلها، فشعرت بالجنين يتحرك بين أحشائها، فأشرقت الدنيا في عينها وغمرتها وزوجها نشوة من السرور.
فالبنون قرة العيون، وثمرة الفؤاد، وبهجة النفوس وريحانة القلوب وفلذات الأكباد.
ولكن لم تطل فرحتها ولم تتم بهجتها فلقد مات زوجها عمران عليه السلام، وقد كانت تتمنى بقاء زوجها حتى ينعم برؤية فلذة كبده وتكتحل عيناه برؤية ولده، ويشاركها فرحتها، ولكن قضاء الله حل، ولقد استقبلت هذه الأمور بالصبر الجميل، والإيمان واليقين، فلما تحرك الحمل في أحشائها نذرت ما في بطنها محررا أى خالصا لوجه الله تعالى منقطعا لعبادته، والمحرر هو الخالص ومنه: الذهب الحر: أى الخالص من الشوائب، وطلبت امرأة عمران أن يتقبل المولى عز وجل نذرها ويقبل نذيرها قبولا حسنا، فهو تعالى سميع لقولها مجيب لدعائها وتضرعها عالم بحالها ونيتها 7.
ثانيًا: وضعها ووفاؤها بنذرها
ومضت الأيام وجاءت ساعة الوضع، ووضعت امرأة عمران وليدها فإذ به أنثى، فتبادر إلى الاعتذار لربها، لأنها كانت ترجو أن يكون المولود ذكرا لتهبه لخدمة بيت المقدس كما نذرت، والأنثى لا تصلح لهذه المهمة، كما جرت العادة بذلك، فتوجهت امرأة عمران إلى ربها قائلة: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] .
قال ابن كثير: «وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم» 8.
أدركت امرأة عمران أن لله في ذلك حكمة يعلمها، فالله -عز وجل- يدبر أحوال الخلق وفق قدرته وإرادته وعلمه وحكمته، ولعل هذه الأنثى عند الله خير من الذكر؛ لأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه، فهو سبحانه لا يقع في سلطانه إلا ما أراده، لكن المولى جل وعلا يعلم مكانة هذه المولودة وقدرها، فهي سيدة نساء العالمين، اصطفاها الله وطهرها، واجتباها وآثرها، وجعلها وابنها آية للعالمين.
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} : قالت امرأة عمران معتذرةً لربها: وليس الذكر الذي طلبته ونذرته كالأنثى التي وضعتها، فالذكر يتمكن من الوفاء بالنذر بخدمته في المسجد، أما الأنثى فإنها لا تقدر على القيام بما يقوم به الذكر، كما أنه يعتريها من الأحوال ما يَحُوْلُ بينها وبين البقاء في المسجد، وذلك حين يأتيها الحيض، أو النفاس عند الولادة، فضلا عن تفاوتهما في القوة والجلد.
{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} انفردت امرأة عمران بتسمية مريم وما ذلك إلا لوفاة زوجها عمران عليه السلام أثناء حملها، وسمتها مريم تقربا إلى المولى عز وجل بهذه التسمية الحسنة، فمريم -رضي الله عنها- تعنى في لغتهم: العابدة والخادمة، وللاسم علاقته بالمسمى، فهي ترجو أن يكون لها حظ وافر من اسمها 9.
وفى هذه التسمية إشارة إلى عزمها على إمضاء نذرها، ورجائها أن يكون عند الله مقبولا.
{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} : تضرعت امرأة عمران لربها أن يقبل وليدتها ويجعلها مباركة، ويحفظها من الشيطان الرجيم، فالمولى عز وجل خير حافظ، وهو سبحانه أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين.
وسر تكرار {إِنِّي} هنا للتأكيد، ولتغير المخبر به، ولأنه قد يشعر كلامها السابق أنها كارهة لما جاءها، فأكدت في كلامها هذا؛ إظهارا لرضاها بما قدر الله تعالى، ولذلك انتقلت للدعاء لها الدال على الرضا والمحبة 10 ولقد جاءت أفعال ثلاثة بصيغة الماضى {نَذَرْتُ} {وَضَعَتْهَا} ، {سَمَّيْتُهَا} للدلالة على التحقق والثبوت وفى التعبير بـ {نَذَرْتُ} و {سَمَّيْتُهَا} ما يفيد عزمها ومضيها على الوفاء بما نذرت به بلا تردد ولا تراجع، وفى التعبير بـ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا} ما يدل على التجدد والاستمرار المستفاد من التعبير بالفعل المضارع، لأن الاستعاذة مطلوبة في كل وقت وحين 11.
ثالثًا: تقبل الله تعالى نذرها
بعد هذه المناجاة الصادقة، والدعوات الخالصة من امرأة عمران رضي الله عنها والتي طلبت من ربها أن يتقبل منها نذيرها، وأن يبارك لها في وليدتها ويعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، أجاب الله لها الدعاء وحقق لها الرجاء، وكانت الإجابات الإلهية والنفحات الربانية والمواهب اللدنية التي تنتظر هذه الوليدة السعيدة، حيث تقبلها ربها قبولا حسنا، وأنبتها نباتا حسنا حتى نمت وترعرعت وأزهرت وأينعت، وأثمرت كلمة من الله وروحا منه هو عبد الله ونبيه عيسى عليه السلام، الذي جعله الله وأمه آية للعالمين.
قال عز وجل: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} والفاء هنا للتعقيب، لبيان سرعة استجابة المولى عز وجل لدعائها وسرعة تحقيقه لرجائها، فهو عز وجل من المؤمن قريب ولدعائه مجيب.
وقال {بِقَبُولٍ} ولم يقل (بتقبل) ؛ «للجمع بين الأمرين: التقبل الذى هو الترقى في القبول، والقبول الذى يقتضي الرضا والإثابة» 12، هذا مع معهود القرآن الكريم في عذوبة الألفاظ وسلاستها.
{وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} : مع قبولها عند الله قبولا حسنا، فقد أكرمها الله وأنعم عليها بأن أنبتها نباتا حسنا، فجمعت بين كمال الخلقة وجمال الخلق، وحسن التربية.
قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) } [آل عمران: 37 - 41] .
قيض الله تعالى لمريم نبيه زكريا عليه السلام ليتعهدها ويرعاها، ويعنى بأمرها ويهتم بإصلاحها، فكان كفالته لها نعمة من الله ورحمة، وقد تمت تلك الكفالة بتوفيق من الله عز وجل بعد أن تنافس الأحبار والرهبان وتنازعوا على كفالة مريم، كلٌ يرجو ويطلب لنفسه أن ينال هذا الشرف وأن يحظى بذاك المقام، فمريم -رضي الله عنها- بنت إمامهم ومعلمهم عمران عليه السلام الرجل الصالح الذي مات دون أن تكتحل عيناه برؤية ابنته، وحرصًا على هذا الشرف، ووفاء للمعلم والمربي والمصلح، وكان تنافسهم وتسابقهم الذي وصل إلى حد النزاع والاختصام على كفالة مريم رضي الله عنها.
قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) } فلقد كان كل واحد منهم شديد الحرص على كفالة تلك اليتيمة، ولما لم تجتمع لهم كلمة، ولم يتفق لهم رأي، فكل واحد يريد أن يستأثر بهذه المكرمة، وكان أولى بهم أن يتركوا كفالتها لنبي الله زكريا عليه السلام، ولما طال جدالهم حول من يكفلها اتفقوا على أن يقترعوا فيما بينهم، فمن فاز في القرعة فقد فاز بكفالة مريم.
قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ، قال ابن عباسٍ اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم زكريا الجرية فكفلها زكريا 13.
{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} لم يحمله إليها، ولا هو مما يعهد في هذا الوقت من الزمن، وهو يعلم أنه لا يدخل عليها غيره؛ فهو القائم على كفالتها، حتى أثار ذلك الأمر دهشته وعجبه، وهذا الرزق الرباني يشمل غذاء الأجساد وغذاء الأرواح، فهو يشمل الطعام والشراب، وغير ذلك من ضرورات الحياة، من كل ما ينتفع به الإنسان وما يحصله، كما أنه يشمل: غذاء الأرواح من علم وغيره، فهو أعم من الفاكهة في غير حينها المعهود؛ ولذلك جاء بصيغة التنكير التي تفيد التعظيم والتعميم والتكثير، فهو رزق حسي ورزق معنوي، وهذا الرزق كرامة من سلسلة الكرامات التي أظهرها الله لمريم، وتمهيدًا للآية العجيبة التي تنتظرها، وهى خلق عيسى عليه السلام من غير أب، فالكرامة تكريم لها وتشريف وتمهيد وإعداد لها، حتى تكون مهيأة لما ينتظرها من كرامةٍ.
{قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
سأل زكريا مريم متعجبًا ومنبهرًا بما يقع لها، سألها وقال لها من أين لك هذا؟ وكيف وصل إليك ولا يدخل عليك غيري؟
{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فعطاء الله ممدود، لا تحده حدود، ولا تقيده قيود، وفضل الله عظيم وخزائنه ملأى، فالله سبحانه يعطى العبد من حيث لا يحتسب العبد.
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} : نبي الله زكريا عليه السلام بلغ من الكبر عتيًّا، وزوجه كانت لا تلد، فأسلمت أمرها لله ورضيت بقضاء الله، وعاشت مع زوجها حياة هادئة هانئة، ولقد أكرم المولى عز وجل زكريا عليه السلام بإكرامه لمريم تلك اليتيمة صاحبة المنزلة العظيمة، وكانت تلك الكرامة التي حدثت لمريم سببًا مباشرًا في توجه زكريا عليه السلام إلى الله ودعائه بأن يرزقه ذرية طيبة.