فهرس الكتاب

الصفحة 1602 من 2431

ثالثًا: إن السلطة تفويضية نيابة عن الشعب، في القيام بمصالح الجماعة 49.

وأما سيادة الدولة، فقد أثيرت مسألة السيادة في الحديث عن مقومات الدولة وأركانها، وتعددت وجهات النظر في هذه السيادة وتعريفها ومصدرها. وهي في أصلها نظرية غربية نشأت عندهم لاعتبارات سياسية وقانونية، و الذي ينبغي أن نشير إليه -باختصار- هو التفريق بين مصدر السيادة وبين من له حق ممارسة السيادة أو السلطة، ولعل ذلك يرفع الخلاف بين الفقهاء المعاصرين من المسلمين في هذه المسألة.

أما مصدر السيادة في الدولة الإسلامية، فإنه الشرع الإسلامي؛ لأن الله تعالى هو الحاكم المشرع باتفاق علماء الإسلام. وسيأتي تفصيل لهذا إن شاء الله تعالى.

وأما حق ممارسة مظاهر السيادة في الدولة الإسلامية: فهم جميع المحكومين، وليس هذا حقًا لفرد معين. وحيث إن المحكومين لا يستطيعون القيام جميعًا بهذا الدور، فإن الشارع أوجب قيام سلطة عامة لتحقيق ما أوجبه الشرع. و مؤدى هذا أن يكون الإمام أو الخليفة نائبًا عن الأمة في ممارسة السلطة العامة ووكيلًا عنها كما تقدم آنفًا 50.

إن الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية. فهي تقوم بوظيفتين أساسيتين:

الأولى: إقامة الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه.

والثانية: القيام بسياسة أمور الدنيا التي رسمها الإسلام.

على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الدولة هي إقامة الإسلام؛ لأن الإسلام دين ودولة، فإقامة الإسلام هي إقامة للدين، وقيام بشئون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام. وقد تنوعت هذه الغاية أنواعًا، وظهرت بصور مختلفة باختلاف العصور والأمكنة والحاجة، واختلفت تبعًا لذلك ضيقًا وسعة.

وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة تبين أن وظيفة الدولة الإسلامية هي: إقامة المآثر والمكارم التي يجب أن تتحلى بها الحياة البشرية، وتبث الخير، وتبذل جهد المستطاع في رقيها وتعميم ميراثها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات، وتطهرها من شوائبها وأدناسها، وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله تعالى؛ ليقوم الناس بالحق والعدل والقسط 51. كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41] .

وفي النقاط الآتية إيجازٌ لأهم الوظائف التي تقوم بها الدولة، ويمكن أن ينطوي فيها وظائف أخرى، فالقضية اصطلاحية:

أولًا: تحقيق العبودية لله تعالى:

يقوم الإسلام على عقيدة التوحيد النقية الصافية، وفيها تتحدد علاقة الإنسان بربه تبارك وتعالى، وهذه العلاقة هي علاقة العبودية أو العبادة. وتتمثل بالعبودية المطلقة لله وحده، بكل مقتضيات هذه العبودية وأولها الائتمار بأمره سبحانه وحده في كل أمور الحياة. فالعبودية لله تعالى تتمثل في اتخاذه وحده إلهًا، عقيدة وعبادة وشريعة، فلا حاكمية لأحد إلا لله تعالى وحده.

وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله نظرية العبودية شرحًا وافيًا في رسالته «العبودية» ، وبين فيها أن المخلوقين كلهم عباد لله، الأبرار منهم والفجار المؤمنون منهم والكفار؛ إذ هو ربهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أمورهم، لا رب غيره، ولا مالك لهم سواه، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه.

فهناك نوعان من العبودية؛ عبودية قسرية وعبودية اختيارية، وكل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره، فإن الإنسان يتحرك بالإرادة، ولابد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فالإنسان على مفترق الطريقين، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله، وفي العبودية لله تمام للحرية، وفي الحرية منها تمام العبودية. ومن مقتضيات هذه العبودية ألا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، وألا يعبد الله إلا بما شرع 52.

ومظاهر العبودية لله تعالى تتجلى في جانب الشعائر التعبدية التي تعبر عن كمال الحب لله تعالى مع كمال الانقياد والطاعة له، كما تتجلى في الجانب الاجتماعي والتشريعي في كل مجالات الحياة ونواحيها الفردية والأسرية وفي علاقة الأمة بغيرها، وتتجلى أيضًا في الجانب الأخلاقي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والإيمان الذي جعله الإسلام أساسًا للبناء الديني كله وسببًا لقبول الأعمال ودخول الجنة، وبذلك تتكامل هذه المظاهر؛ لتكون هذا الدين عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا ومنهجًا للحياة تقوم الدولة الإسلامية عليه، كما تقوم برعايته والالتزام به؛ ليكون له أثره في حياة الفرد والأسرة والجماعة المسلمة، بل ويمتد؛ ليشمل الجماعة البشرية كلها؛ لأنها تنعم بخيراته وأحكامه المتسقة مع الفطرة البشرية ومع سنن الله الكونية.

وهذه العبودية لله تعالى وتحقيقها في الحياة هي غاية وجود الإنسان؛ إذ عندما ينظر المرء حوله يجد كل شيء في هذا الكون قد خلقه الله تعالى لحكمة كبرى وغاية يسعى إليها، وإلا كان وجوده عبثًا، وقد تنزه الله سبحانه وتعالى عن العبث والباطل، فقال في كتابه الكريم: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ? ذَ?لِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ? فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [ص: 27] .

والمؤمن يناجي ربه تعالى قائلًا عندما يتفكر في خلق السموات والأرض:(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى? جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَ?ذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ?191? [آل عمران: 191] .

والإنسان ليس بدعًا بين هذه المخلوقات، فلابد أن يحدد الغاية التي أوجد من أجلها، وهو يسعى لها؛ كي تستقيم حياته من خلالها ويعرف سر وجوده: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115] .

وغدت العبادة غاية الوجود الإنساني كله، بل إن الجن كذلك خلقوا من أجل عبادة الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ?56?مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ?57?إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ?58? [الذاريات: 56 - 58] .

وبهذا النفي في أول الآية الكريمة والاستثناء في آخرها يحصر الله تعالى مهمة الإنس والجن ويقصرها على وظيفة واحدة ومسئولية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فليس لهم وراء ذلك وظيفة أو غاية، وما ينبغي أن يكون! فكيف يستطيع الإنسان أن يكون دائمًا في عبادة لله تعالى، فلا تنقضي لحظة من لحظات حياته -بعد التكليف- إلا وهو في عبادة؟ وكيف يستطيع أن يقوم بهذا التكليف الرباني؟

هنا نجد أنفسنا أمام فهم صحيح للعبادة كما أرادها الله تعالى، لا تقتصر على ركعات خاشعة يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، ولا على أيام من العام يصومها المسلم طاعة لله سبحانه، ولا على جزء من المال يدفعه زكاة يطهر بها نفسه وماله، ولا على حج البيت الحرام عند الاستطاعة. فإن هذه العبادات كلها لا تستغرق من حياة الإنسان إلا جزءًا يسيرًا، فهل يترك سائر أيام حياته وساعاتها دون عبادة، فيخالف -عندئذ- أمر الله تعالى، وهو سبحانه لم يخلقه إلا للعبادة؟ إن المسلم يستطيع أن يجعل حياته كلها في الساعات الأربع والعشرين في اليوم والليلة عبادةً لله تعالى وحده؛ إذ إن الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة.

فالزارع والصانع والتاجر، والطبيب والمهندس والعامل، والموظف، والمعلم والتلميذ وغيرهم من أصحاب الأعمال تعتبر أعمالهم عبادة إذا قصد بها كلٌ منهم نفع عباد الله، والاستغناء عن الحاجة إلى الناس، وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله سبحانه وتعالى وخضوعًا له، والتزامًا وتحقيقًا لمقاصد الشريعة التي أنزلها الله تعالى لمصالح الناس، وليقوموا جميعًا بالحق والقسط.

والقرآن الكريم -كتاب الله الخالد- لم يقصر وصف الصلاح -عندما أمرنا بالعمل الصالح- على العبادات المخصوصة، وهي أركان الإسلام وشعائره ومبانيه الأساسية، «أو العبادة بمعناها الخاص» ، بل جعله شاملًا لأعمال أخرى، كقوله تعالى: (ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [التوبة: 120 - 121] .

والآيات في ذلك كثيرة تعز على الحصر.

وبعد، فما أصدق وما أجمل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتحدث عن العبادة وفروعها حيث يقول: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك كله من العبادة» . وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه هي من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق لها الخلق فقال: (. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] 53.

وعن هذا المعنى الواسع والمفهوم الشامل للعبادة في الإسلام، بما يشمل الشعائر والمعاملات وغيرها، يتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله فيقول 54:

«إن تقسيم النشاط الإنساني إلى «عبادات» و «معاملات» مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة «الفقه» ، ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم الفني، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارًا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله فقه المعاملات!

وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي، ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولًا وأخيرًا.

وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم العبادات وخصوصا بهذه الصفة -على غير مفهوم التصور الإسلامي- حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها، وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم المعاملات إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي باعتبار هذه كتلك شطرًا من منهج العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني، وتحقيقًا لمعنى العبودية، ومعنى إفراد الله سبحانه بالألوهية.

وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ويريد في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني، آثار هذا المفهوم الشامل للعبادة: إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني -وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله-، بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق، فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله، وحين يصبح كل نشاط فيها -صغر أم كبر- جزءا من هذه العبادة أو كل العبادة متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه، وهو إفراد الله سبحانه بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه، وهو المقام الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى حالاته التي ارتقى إليها؛ حالة تلقي الوحي من الله، وحالة الإسراء والمعراج أيضًا: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان: 1] .

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُٹ) [الإسراء: 1] .

ولذلك فإن أول الوظائف التي تقوم بها الدولة وتسعى لتحقيقها هي تحقيق هذه العبودية الشاملة، بل إن إقامة الدولة نفسها وظيفةٌ دينية، يقوم بها مجموع الأمة الإسلامية، والمقصد الأول من إنزال الشريعة هو حفظ الدين، يقول الشاطبي رحمه الله: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:

أحدها: أن تكون ضرورية.

والثاني: أن تكون حاجية.

والثالث: أن تكون تحسينية.

والضرورية معناها: أنه لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ومجموع الضروريات خمسة، وهي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قال العلماء: إنها مراعاة في كل ملة من الملل» 55.

ويقول حجة الإسلام الغزالي: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم» 56.

فالاتفاق حاصلٌ بين العلماء على أن الدين له المرتبة الأولى بين هذه الضروريات، ولما كان واجب الدولة أن تحقق المصلحة بحفظ هذه الضروريات كان من أول وظائفها تحقيق العبودية وحماية الدين ونشره، وذلك بنشر عقيدة التوحيد التي تحرر البشرية من الوثنية والعبودية لغير الله تعالى، بكل صورها. كما سيأتي قريبا -إن شاء الله تعالى-.

وليس معنى هذا أن سائر الوظائف لا علاقة لها بالدين؛ لأن الإسلام يمزج بين الدين والحياة، وبين الوظيفة الدينية وغيرها من الوظائف مزجًا رائعًا متكاملًا، حتى إن كل الوظائف التي تقوم بها الدولة أصبحت وظائف دينية.

يقول ابن القيم رحمه الله 57: «جميع هذه الولايات، في الأصل ولايات دينية ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلمٍ وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأمراء الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهلٍ وظلم فهو من الظالمين المعتدين: (( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ?13?وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ?14?) [الانفطار: 13 - 14] » .

ثانيًا: الدعوة إلى الله ونشر الإسلام:

إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دعوة عامةٌ عالميةورسالة خاتمة للرسالات السابقة، أراد الله تعالى لها أن تكون دعوة إنسانيةموجهة للبشر جميعًا، لا تخاطب أقوامًا بأعيانهم ولا جنسًا بذاته، رضيها الله تعالى للناس دينًا، فكانت هي الدين الكامل الذي أتم الله تعالى به علينا النعمة فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ?) [المائدة: 3] .

وقد تواردت النصوص الشرعية بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام وعالميتها، منذ بداية الدعوة وهي لا تزال محصورة في شعاب مكة المكرمة، وأصحابها لا يزالون يتخفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم وسط المجتمع الجاهلي الواسع؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس كافة.

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [سبأ: 28] .

والخطاب موجهٌ للناس جميعًا: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?158?) [الأعراف: 158] .

والقرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون ذكرًا للعالمين جميعًا، وليس لأمة بعينها: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [ص: 87] .

بل هو بلاغ لكل من يبلغه خبره وينتهي إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَ?ذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ?) [الأنعام: 19] .

وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود -وفي لفظ: إلى الناس عامة-، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة) 58.

ومما يشير إلى عالمية دعوته عليه الصلاة والسلام وعموم رسالته: أن المعجزة الكبرى التي أيده الله تعالى بها -مع ما أيده به من معجزات- كانت معجزة خالدة دائمة، تختلف عن معجزات الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام حيث كانت تنقضي معجزاتهم المادية بوقوعها، ولا يبقى أثرها قائمًا، ولهذا كانت الشرائع قبل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إنما خص بها قوم دون قوم، وكانت شريعته عامة لجميع الناس، ولما كان هذا كله إنما فضل فيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فضلهم في الوحي الذي استحق به اسم النبوة 59.

ولذلك قال عليه الصلاة والسلام منبهًا على هذا المعنى الذي خصه الله تعالى به: (ما من نبيٍ من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 60.

فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة، رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للقريب والبعيد، لكل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعًا يشهد 61.

وقد قام الرسول عليه الصلاة والسلام بإبلاغ هذه الدعوة، فصدع بالأمر ودعا الناس جميعًا إلى دين الله تعالى؛ امتثالًا لأمره سبحانه وتعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ?94?) [الحجر: 94] .

(قُلْ هَ?ذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ? عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ? وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108] .

وهذه الدلائل كلها تقوم شاهدًا عدلًا وحجة قاطعة على أن الإسلام دعوة للناس جميعًا منذ اللحظة الأولى التي بعث الله تعالى فيها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمره بالقراءة باسم ربه (الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] ؛ إذ موضوعها هو (الإنسان) وهي موجهة كذلك للإنسان بما أنه إنسان، والكل في هذا سواء، واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في القيام بهذه الدعوة؛ إنفاذًا لأمر ربه تبارك وتعالى حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وحمل الرسالة خلفاؤه من بعده، وأعلى الله كلمته وأظهر دينه على الأديان كلها 62.

ولذلك أمر الله تعالى بالدعوة وإبلاغها، وهو مما تقوم به الدولة الإسلامية وتجعله غاية لها، فقال الله تعالى: ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] .

وفي هذا بيان لأهم وظيفة تقوم بها الدولة الإسلامية وأجهزتها المتنوعة، وهي الدعوة إلى الإسلام والحرص على هداية الناس؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث مصعب بن عمير بن هاشم القرشي -أحد السابقين إلى الإسلام وصاحب الهجرتين- إلى أهل المدينة، بعد بيعة العقبة؛ ليعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، فنزل على سعد بن معاذ -وقيل: على أسعد بن زرارة-، فكان يأتي الأنصار في دورهم وقبائلهم، فيدعوهم إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، فيسلم الرجل والرجلان، حتى ظهر الإسلام وانتشر في دور الأنصار كلها.

فلا عجب أن يلقب بـ «مصعب الخير» ؛ لما كتب الله على يديه من الخير والدخول في الإسلام 63.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبًا، فقد أخرج الإمام مسلم عن أنسٍ (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبارٍ يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم) 64.

فكان أول رسول بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، فأسلم النجاشي وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه.

وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث معه كتابًا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر، فقرأه وسأل قومه أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فأبوا، وخافهم على ملكه ونفسه فلم يؤمن، وأظهر أنه فعل ذلك اختبارًالدينهم.

وبعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى وكتب معه كتابًا، وهو الذي مزق الكتاب فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم مزق ملكه) . وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية عظيم القبط بمصر يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابًا، فقرأه وقال له خيرًا وأكرم رسول النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معه بهدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت