فهرس الكتاب

الصفحة 1171 من 2431

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} أي: لقينا له ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعده من الأنبياء والأمم. وقيل: أن يصلى عليه إلى يوم القيامة 159.

قال الماوردي في قوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} » فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين، قاله قتادة. الثاني: لسان صدق للأنبياء كلهم، قاله مجاهد، الثالث: هو قوله: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} ، قاله الفراء» 160.

وعلل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنًا، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا؛ ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه 161.

وقال في إبراهيم عليه السلام: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) } [الصافات: 108 - 111]

وقوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} يقول تعالى ذكره: وأبقينا عليه فيمن بعده إلى يوم القيامة ثناء حسنًا 162.

قال الإمام الماوردي: «فيه قولان: أحدهما: الثناء الحسن، قاله قتادة. الثاني: هو السلام على إبراهيم، قاله عكرمة» 163.

وقال تعالى في إل ياسين:، {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) } [الصافات: 127 - 132] .

أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده 164.

وقال في موسى وهارون: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) } [الصافات: 114 - 121] .

أي: وتركنا عليهما في الآخرين بعدهم الثناء الحسن عليهما: وذلك أن يقال: سلام على موسى وهارون.

ثم جعل سبحانه ذلك الذكر والثناء عامًا لكل محسن، وذلك في قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .

أي: هكذا نجزي أهل طاعتنا، والعاملين بما يرضينا عنهم {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) } [الصافات:122] يقول: إن موسى وهارون من عبادنا المخلصين لنا الإيمان 165.

أي: مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من انقاد لأمر الله؛ إنه من عبادنا المؤمنين أي: الذين أعطوا العبودية حقها، ورسخوا في الإيمان بالله وتوحيده 166، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على حسب إحسانهم 167.

قال ابن عاشور: «والمعنى: إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين. وفي هذا تنويه بنوح عليه السلام بأن جزاءه كان هو المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم وتفاوت تقاربها من إحسان نوح عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة. فهو أول من أوذي في الله فسن الجزاء لمن أوذي في الله، وكان على قالب جزائه، فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد على صبره إذا أوذي في الله، فثبت لنوح بهذا وصف الإحسان، وهو النعمة السابعة. وثبت له أنه مثل للمحسنين في جزائهم على إحسانهم» 168.

أخبر الله تعالى في آيات كثيرة أنه لا يضيع أجر المحسنين، قال تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) } [هود: 115] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاء جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثواب عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوفره أحوج ما يكون إليه» 169.

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) } [يوسف: 56] .

وكذلك قوله تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) } [يوسف: 90] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض، يعني: أرض مصر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} ، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلًا حيث يشاء، بعد الحبس والضيق {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ} من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار، وبعد الإلقاء في الجب {وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ، يقول: ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله» 170.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) } [الكهف: 30] .

أي: أن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار 171، كما في الآية التي بعدها: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) } [الكهف: 31] .

قال ابن الجوزي: «ومعنى: {لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} أي: لا نترك أعماله تذهب ضياعًا، بل نجازيه عليها بالثواب» 172.

إن البشارة هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالمًا مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره 173، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإخبار بالخير المنتظر في المستقبل 174.

فقد جعل الله تعالى القرآن الكريم بشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم.

قال تعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) } [الأحقاف: 12] .

{وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} الأجود أن يكون (بشرى) في موضع رفع على الابتداء، والمعنى: وهو بشرى للمحسنين، ويجوز أن يكون بشرى في موضع نصب على المصدر على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر المحسنين بشرى 175.

أي: وهذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها، وقد أنزلناه بلسان عربي مبين، امتنانًا مِنَا على من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهم العرب.

وجعل الله تعالى من وظيفة هذا الكتاب: الإنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم 176.

وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يبشر المحسنين بالخير.

قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) } [الحج: 37] .

قال الطبري: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} : «يقول: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة» 177.

وقال الماوردي: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالقبول. والثاني: بالجنة 178.

إن من جزاء الإحسان في الدنيا المجازاة بأحسن ما كانوا يعملون.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) } [التوبة: 120 - 121] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} ، وسائر ما ذكر {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} ، في سبيل الله {وَلَا يَقْطَعُونَ} ، مع رسول الله في غزوه {وَادِيًا} إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاء لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم» 179.

وقال الرازي: ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون وفيه وجهان:

الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب، دون المباح.

والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء، أي: يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل، وهو الثواب 180.

{أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيرًا لأجرهم 181.

وخلاصة ذلك إنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر جزاء أحسن من جزائهم على أعمالهم الجليلة في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من أنواع المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكبيرة فما عداه من الأعمال الصالحات 182.

وقوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل:96 - 97] .

أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص: 80] .

وقال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) } [آل عمران: 198] .

وقال تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) } [الأعلى: 17] 183.

{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة، دون المباح منها، الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن، كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] 184.

وقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) } [الزمر: 33 - 35] 185.

ثانيًا: جزاء المحسنين في الآخرة:

إن جزاء المحسنين في الآخرة هي الجنة ونعيمها.

قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) } [الزمر: 33 - 35]

وقوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم {ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} أي: هذا الذي لهم عند ربهم، جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها، وائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.

وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} يقول: ويثيبهم ثوابهم {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} في الدنيا (يعملون) مما يرضى الله عنهم دون أسوئها 186.

{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] لهم عند الله من الجزاء والكرامة ما يشاءون، {ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] في أقوالهم وأعمالهم. {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ} [الزمر: 35] أي: أعطاهم ما شاءوا، {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [الزمر: 35] يسترها عنهم بالمغفرة، {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر: 35] .

قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوي 187.

ذلك هو جزاؤهم، وجزاء المحسنين كلهم، والمحسنون هم: الذين أحسنوا الاعتقاد والقول والعمل.

وقوله تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} أي: من الذنوب والآثام والخطايا والسيئات، أي: وفقهم للإحسان ويسره لهم، ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا وسيئه ويجزيهم أجرهم على إيمانهم وتقواهم وإحسانهم في ذلك بأحسن ما كانوا يعملون وحسنه أيضًا، وإنما يضاعف لهم الأجر، فتكون الحسنات الصغيرة كالكبيرة، فأصبح الجزاء كله على الأحسن، والذي كانوا يعملون هو كل ما شرعه الله تعالى لعباده وتعبدهم به من الإيمان وسائر الطاعات والقربات 188.

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) } [المرسلات: 41 - 44] .

قال الطبري في قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} : «يقال لهم: كلوا أيها القوم من هذه الفواكه، واشربوا من هذه العيون كلما اشتهيتم، {هَنِيئًا} يقول: لا تكدير عليكم، ولا تنغيص فيما تأكلونه وتشربون منه، ولكنه لكم دائم، لا يزول، ومريء لا يورثكم أذى في أبدانكم، وقوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، أي: هذا جزاء بما كنتم في الدنيا تعملون من طاعة الله، وتجتهدون فيما يقربكم منه.

وقوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يقول: إنا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا، كذلك نجزي ونثيب أهل الإحسان في طاعتهم إيانا، وعبادتهم لنا في الدنيا على إحسانهم لا نضيع في الآخرة أجرهم» 189.

أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل 190.

وقال سبحانه في جزاء من أحسن الاعتقاد والعمل: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) } [المائدة:84 - 85] .

أي: فكافأهم الله تعالى بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، {جَنَّاتٍ} تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار، {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه، {وَذَلِكَ} العطاء الجزيل الذي منحه الله لهم {جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} أي: المؤمنين المخلصين في أقوالهم وأعمالهم 191.

قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) } [يونس: 26] .

قال الماوردي: «قوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} يعني: عبادة ربهم. {الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري. والثاني: أن الحسنى واحدة من الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس، الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زيد. والخامس: أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر، ويحتمل سادسًا: أن الحسنى ما يتمنونه، والزيادة ما يشتهونه» 192.

قال أبو جعفر الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} ، لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار، {وَلَا ذِلَّةٌ} ، ولا هوان {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} ، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، هم أهل الجنة وسكانها ومن هو فيها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، يقول: هم فيها ماكثون أبدًا، لا تبيد، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم» 193.

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] .

قال ابن عباس: «للذين قالوا: لا إله إلا الله الجنة» ، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله في قول أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي.

ونحو ذلك فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي عن صهيب، قال: عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) . ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] » 194 195.

قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، قالت فرقة وهي الجمهور: الحسنى: الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وحذيفة وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «الزيادة» غرفة من لؤلؤة واحدة.

وقالت فرقة: الحسنى: هي الحسنة، و الزيادة: هي تضعيف الحسنات إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، وتفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت