فالحرية المنضبطة حقٌ للناس، فإكراههم على أمر انتقاصٌ لهم، وبخسٌ لحقوقهم، وقد نهى الله تعالى إكراه الناس على أجل الأمور وأنفعها، وهي الإيمان بالله، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ?) [البقرة: 256] .
وقال جل شأنه: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى? يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99] .
المراد بالحقوق المدنية تلك الحقوق التي كفلها له القانون الوضعي، والتي تتيح له المشاركة في بناء مجتمعه ودولته، نحو حق الترشح لمنصب إداري، وحق الانتخاب، وحق تكافئ الفرص، فمنعه من تلك الحقوق بخس له.
ثانيًا: البخس في ثواب الأعمال:
تضافرت نصوص الكتاب والسنة على ربط الجزاء بالأعمال في الدنيا والآخرة، فمن عمل خيرًا، ٍ وفاه الله أجره، وقد تنزه الحق -جل شأنه- أن يبخس عاملًا أجره في الدنيا أو الآخرة، فمن عمل خيرًا وفاه أجره غير منقوص.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ، أي: إن الله لا يبخس عاملًا أجره وثوابه بأقل ما يمكن أن يتخيله عقل من بخس، ولو بمقدار مثقال ذرة؛ فإن ذلك ظلم، والله تعالى منزه عنه، والآية عامة في كل من عمل خيرًا، مؤمنًا كان أو كافرًا.
فأما الكافر فيوفى أجره في الدنيا، ولا نصيب له في الآخرة، وأما المؤمن فيوفى أجره في الدنيا والآخرة، قال ميمون بن مهران: «ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها، فإن كان مسلمًا مخلصًا وفي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرًا وفي الدنيا» 92.
الدليل على أن الكافر يوفى أجره في الدنيا قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) } [هود: 15 - 16] .
فمن عمل من الكفار خيرًا -مما لا تشترط فيه النية كالابتكارات العلمية النافعة، ونصرة المظلومين، وإعانة المحتاجين، وإكرام الضيفان، والرفق بالحيوان، وكل ما يسمى اليوم بالأعمال الإنسانية- فإن الله سبحانه وتعالى يعجل لهم في الدنيا ثمرات أعمالهم وافية غير منقوصة، وهو المراد بقوله: {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} . يقول أبو السعود: «وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه ... بناء للأمر على ظاهر الحال، ومحافظة على صور الأعمال، ومبالغة في نفي النقص، كأن ذلك نقص لحقوقهم، فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلا» 93.
أما في الآخرة فلا نصيب لهم إلا النار؛ إذ لم تكن أعمالهم مصحوبةً بالإيمان.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) } [الشورى: 20] .
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الكافر إذا عمل حسنةً أطعم بها طعمةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته) 94.
قال القاضي عياض: «والأصل أن الكافر لا يجزى في الآخرة على خير عمله في الدنيا، ولا يكتب له حسنة؛ لأن شرط الثواب والجزاء عدم، وهو الإيمان، لكن أخبر في هذا الحديث أنه من عدل الله أنه قد جازاه بها في الدنيا بما أعطاه ورزقه وأطعمه» 95.
وذهب بعض العلماء إلى أن ما يعمله الكافر من خير يخفف به عنه من عذاب غير الكفر، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «ونحن لا نرى في ذلك خروجًا عن حكم الإسلام، وهو معقول في ذاته يتفق مع عموم النصوص، وإن كنا نميل إلى الأول» 96.
وأجر الكافر في الدنيا يتمثل فيما يغبطه من زيادة في رزقه، وصحة في بدنه، ودفع المكاره عنه، فلم يكن الكفر مانعًا من حصولهم على نتائج سعيهم، فإن الله تعالى أجرى سنته في خلقه بربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها شرعًا وقدرًا، فمن أخذ بأسباب الرزق وسع له في رزقه، ومن أخذ بأسباب الصحة عوفي في بدنه، ومن أخذ بأسباب القوة قوي واشتد.
يقول سيد قطب: «إن للجهد في هذه الأرض ثمرته، سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به إلى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فعمل لها وحدها، فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا ويتمتع بها كما يريد» 97.
وذلك منوط بمشيئة الله تعالى وإرادته، لقوله جل شأنه: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء: 18] .
فليس كل مؤملٍ ينال، ولا كل مطلوب يدرك.
ولا يخفى ما في هذا العطاء من استدراج لهم وإملاء؛ إذ يغترون بما هم فيه من نعمة فيزدادون عصيانًا وعتوًا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) } [الأعراف: 182، 183] .
أما المؤمن فإن الله يجمع له بين خيري الدنيا والآخرة جزاء على ما قدم من عمل يبتغي به وجه الله، والدليل على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة) 98.
يقول النووي: «أما المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة، ويجزى بها مع ذلك أيضًا في الدنيا، ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة، وقد ورد الشرع به، فيجب اعتقاده» 99.
فإن قلت: ما الفرق بين جزاء المؤمن وجزاء الكافر على ما قدم كلاهما من خير في الدنيا؟
فالجواب: أن كلا العطائين خاضع لسنة الله الجارية في خلقه من ربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، إلا أن ما يناله الكافر من نصيب الدنيا هو نقمة في صورة النعمة؛ لأنه استدراج وإملاء -كما سبق بيانه-، وما يوفاه المؤمن من نصيب الدنيا هو نعمة حقيقية، إذ هي مطيته لطاعة الله.
أما في الآخرة فإنه الله يجزيه على عمله لا ينقص من أجره شيئًا، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) } [الجن: 13] .
والمعنى: أن المؤمن يخاف أن ينقص من حسناته، وهو المراد بالبخس، أو يحمل عليه غير سيئاته، وهو المراد بالرهق 100.
وقوله جل شأنه: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) } [طه: 112] .
1.للبخس أسباب لعلها تتمثل فيما يلي:
المراد بالوازع الديني: ملكة في النفس تحمل على فعل المأمورات واجتناب المنهيات، فكلما كانت تلك الملكة قوية كانت دواعي الامتثال أوفر، ولعل ذلك هو السر في تصدير الأوامر والنواهي بنداء الإيمان: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، حيث تكرر هذا النداء في القرآن العظيم تسعًا وثمانين مرة، وفي كل مرة يعقبه أمر بفضيلة، أو نهي عن رذيلة، فإن فيه استنهاضًا للهمم، وشحذًا للعزائم، للامتثال لما أمروا به، أو نهوا عنه، وتذكير أخذه الله من عهد أن يؤمنوا به، فضلًا عما فيه من تشريف للمنادى؛ إذ هو نداء بأجل السمات وأشرف الصفات، وهي صفة الإيمان بالله تعالى.
كذلك اقتران الأوامر والنواهي بالتقوى أمرًا وتعليلًا، فمن الأول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) } [البقرة: 278] . وقوله جل شأنه: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .
ومن الثاني قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة: 183] .
كذلك ما اشتمل عليه الإلهاب والتهييج-وهو: كل الكلام دال على الحث على الفعل لمن لا يتصور منه تركه، وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه فعله 101 - من تقوية هذا الوازع، كما في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2] .
فقوله: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ذكر على سبيل الإلهاب والتهييج، إذ الإيمان متحقق من المخاطبين.
وكلما ضعفت تلك الملكة، كانت الدواعي إلى المعاصي بوجه عام والبخس بوجه خاص أوفر، ومن باب أولى إذا عدمت تلك الملكة، وحل محلها الشرك بالله.
وإذ تبين أن سبب الوقوع في بخس الناس حقوقهم هو ضعف الوازع الديني، أدركنا سر اقتران النهي عنه بالأمر بالتقوى في قوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .
وأدركنا حكمة تعليل الأمر بإيفاء المكيل والميزان والنهي عن البخس والإفساد في الأرض بالإيمان بالله تعالى في قوله تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف: 85] .
واقتران النهي عن التطفيف بالإيمان بالبعث في قوله جل وعلا: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) } [المطففين: 1 - 6]
كذلك من أسباب البخس الحرص على المال، فإنه يحرك داعي الشهوات في قلب صاحبه بالتنعم في الحلال -ولا حرج فيه-، إلا أنه لا يلبث أن ينسيه ذكر الله، فيقع في براثن المعاصي، ويجمع المال من الحلال والحرام تلبيةً لدواعي شهواته، فيفسد دينه ودنياه، وذلك هو الشح المذموم في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) } [الحشر: 9] . فالشح هو: الحرص الشديد الذي يحمل المرء على ارتكاب المحارم. فمن وقي نفسه أن يكون الشح خلقا لها فقد أفلح؛ إذ يسلم من أسباب الذم، ومن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وقيه 102.
يقول إسماعيل حقي: «واعلم أن بخس الناس أشياءهم في المكيل والموزون من خساسة النفس ودناءة الهمة وغلبة الحرص ومتابعة الهوى والظلم، وهذه الصفات الذميمة من شيم النفوس، وقد ورد الشرع بتبديل هذه الصفات وتزكية النفس، فان الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها» 103.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مغبة الحرص على المال، فقال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) 104.
والمعنى: أن حرص المرء على المال والجاه أشد إفسادًا لدينه من ذئبين جائعين أرسلا في غنم غفل عنها راعيها. يقول المباركفورى: «أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوات ويجر إلى التنعم في المباحات، فيصير التنعم مألوفًا، وربما يشتد أنسه بالمال ويعجز عن كسب الحلال، فيقتحم في الشبهات مع أنها ملهية عن ذكر الله تعالى، وهذه لا ينفك عنها أحد. وأما الجاه فيكفي به إفسادًا أن المال يبذل للجاه ولا يبذل الجاه للمال، وهو الشرك الخفي، فيخوض في المراءاة والمداهنة والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة، فهو أفسد وأفسد» 105.
الاستبداد هو: حكم أو نظام يستقل بالسلطة فيه فرد أو مجموعة من الأفراد دون خضوع لقانون أو قاعدة ودون النظر إلى رأس المحكومين.
وعرفه الكواكبي بأنه: تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة 106. فالمستبد لا يراعي لأحد حقًا من مال أو كرامة أو حرية؛ إذ لا رادع له من دين أو ضمير أو قانون، فديدنه بخس الناس حقوقهم. يقول الغزالي: «إن الحاكم المطلق يتشهى ما يشاء، فلا ينقطع شيء دون أمانيه الحرام، والحلال عنده ما حل في اليد، أما الدين وتعاليمه ففكاهة النهار وسمر الليل» 107.
فإذا كان الاستبداد سبيلًا لبخس الناس أشياءهم، فإن الشورى في الحكم واتخاذ القرار هي السبيل لنيل كل ذي حق حقه إنصافًا وعدلًا وتمتعه به، وهو ما أسسه الإسلام بتعاليمه الخالدة، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران: 159] .
وقال جل وعلا: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) } [الشورى: 38]
وقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في أمره كله إلا فيما أنزل بشأنه وحي، وسار على دربه الخلفاء الراشدون من بعده، والصالحون من حكام الأمة.
1.أحكام الشريعة الإسلامية كلها قائمة على المصلحة، سواء أدركنا وجه المصلحة في تشريع الحكم، أو خفي عنا وجه المصلحة فيها، فجهلنا بها لا يعني خلو الحكم عنها، ومن ثم يقرر العلماء أنه: متى تحققت المصلحة فثم شرع الله. والمصالح التي تدور الأحكام الشرعية حول تحقيقها تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
إن انتشار البخس في مجتمع من المجتمعات يؤدي إلى كوارث إنسانية واجتماعية واقتصادية، تتمثل فيما يلي:
إن بخس الناس أموالهم سبيلٌ لنشأة طبقة مترفة في المجتمع، تمتص عرق الناس، وتحصل ما في أيديهم، وتسرف في التنعم به، وأخرى كادحة بائسة، تلتقم العيش كدًا، ولا تكاد تجده في كثير من الأحايين مع بذل أقصى ما في وسعهم من طاقة، فتحرم ثمار جهدها، ويضيع عليها نتاج كدها.
ومن ثم كانت هذه الطبقة على مر العصور هي العدو الألد لكل دعوة إصلاحية، تهدف للمساواة بين الناس، ولا تفاضل بينهم إلا على أساسٍ من العقيدة الصحيحة والعمل الصالح، فيسعون جاهدين لإطفاء نورها، فها هي دعوة رسل الله وأنبيائه قد وقفوا أمامها موقف المكذبين، وتغنوا بأموالهم وأولادهم، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?34?وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ?35?) [سبأ: 34، 35]
وقال جل شأنه:(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ?34?
) [المؤمنون: 33، 34] .
كما أن هذه الطبقة هي منبع كل فتنة، ومصدر كل فساد في الأرض، وما استؤصلت أمة من الأمم إلا بسبب ترفها، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: 16] .
والمعنى: إذا أراد الله أن يهلك قرية من القرى أرسل إليها رسولًا من عنده، فيأمرهم وينهاهم بما أوحى الله إليه، فيعصيه مترفوها -وهم من أبطرتهم النعمة وسعة العيش- فيفسقون عن أمر ربهم، فيحل بها عذاب الله. فقوله: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) يشير إلى أن الترف أودى بهؤلاء إلى الفسق؛ ذلك لأن المترف لا هم له إلا إشباع رغباته واتباع شهواته.
يقول العلامة محمد أبو زهرة: «والمترف يختص بثلاث خصال: ضعف في الإرادة، واندفاع وراء الأهواء والشهوات، وأثرة تجعله يعيش في محيط نفسه ولا يخرج عن دائرتها، ولذا كان المترفون دائمًا هم أعداء الأنبياء؛ لأنهم أوتوا أثرة مقيتة» 108.
التدمير في الآية الكريمة هو الهلاك، وذلك يشمل عذاب الاستئصال الذي حل بالأمم السابقة، ويشمل ضعف الأمة ووهنها، حتى تكون طعمة سائغة في أفواه أعدائها، كما هو حال الأمة الإسلامية اليوم 109.
كذلك من الآثار السلبية للبخس أنه يؤدي إلى تعطيل قوى العمل لدى الباخسين والمبخوسين على حد سواء، فأما الباخسون فلأنهم تعودوا حصول ما في أيدي غيرهم من غير بذل مجهود، وأما المبخوسون فإنه متى ضاع جهدهم هدرًا دون أن يعود عليهم بثمرة، فإنه يبطئون في العمل ويقل إنتاجه، سواء كان عالمًا في مختبره ومعمله، أو عامل في مزرعته، أو صانع في مصنعه، وذلك له أخطر الآثار على المجتمعات الإنسانية بوجه عام، وعلى الأمة الإسلامية بصفة خاصة، فهو يعد بمثابة القنبلة الموقوتة في وجه المجتمع.
يقول الشيخ الغزالي: «التعطل نوعان: تعطل المترفين، أصحاب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، .... وهناك تعطل آخر منتشر بين الطبقات الفقيرة، وينتظم الألوف المؤلفة من أبنائها، وتأوي إليه جرائم التسول والتشرد، والفساد والعدوان. وحاجة هؤلاء إلى العمل الشريف لا ريب فيها، وفائدة الدولة من استغلال هذه القوى المضيعة لا ريب فيها» 110.
وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة البطالة بدعوة القادرين إلى العمل والإنتاج؛ ليحفظوا حياتهم وكرامتهم، وأن يوفى صاحب الحق حقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمةً على ظهره، خيرٌ له من أن يسأل أحدًا، فيعطيه أو يمنعه) 111.
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط، خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) 112.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجف عرقه) 113.
فلو بذل كل واحد من أبناء المجتمع طاقته، وأعطي كل ذي حق حقه -كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم - لدارت عجلة الإنتاج سريعة، ولنشطت الحياة العلمية والاقتصادية، ونعم المجتمع كله برغد من العيش. يقول الطاهر ابن عاشور: «وما جاء في هذا التشريع (وهو النهي عن البخس) هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمة؛ لأن المعاملات تعتمد الثقة المتبادلة بين الأمة، وإنما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط الناس للتعامل، فالمنتج يزداد إنتاجًا وعرضًا في الأسواق، والطالب من تاجر أو مستهلك يقبل على الأسواق آمنًا لا يخشى غبنًا ولا خديعة ولا خلابة، فتتوفر السلع في الأمة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويعيش الناس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختل حال الأمة بمقدار تفشي ضد ذلك» 114.
إن بخس الناس أموالهم يسبب اضطرابًا نفسيًا في النفوس، فهو بالنسبة للباخسين يولد حالة من الجشع في نفوسهم والطمع فيما في أيدي غيرهم، وبالنسبة للمبخوسين فإنه يتسبب في حالة من الأسى والأسف على ما ضاع من أموالهم وأهدر من جهدهم.
إن تلك الحالة لدى هؤلاء وهؤلاء تورث في نفوسهم جميعًا الشحناء والعداء، وما يلبثون أن يشيع بينهم التقاتل وسفك.
ومن أجل ذلك اقترن في القرآن الكريم أكل أموال الناس بالباطل بسفك الدماء، فقال جل شأنه: (?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29] .
فالقتل وتدمير الحياة العامة هو النتيجة الحتمية الذي يؤول إليه شيوع المعاملات الباطلة وأكل أموال الناس بغير وجه مشروع؛ ومن ثم اقترن به في الذكر.
قال العلامة محمد أبو زهرة: «قال بعضهم: إن المعنى: لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض وبارتكاب المعاصي، فإن ذلك مفرق لجماعتكم، مفسد لأمركم، مذهب لوحدتكم، وبذلك تقتل الأمم والجماعات، وقد ارتضى هذا ابن بشير فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، أي: بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه، وأكل أموالكم بينكم، وإن هذا هو الذي نرتضيه» 115
ونجد هذا الاقتران بينهما في شائعًا في السنة النبوية، منه قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا) 116.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيدٌ) 117.
يقول الطاهر ابن عاشور: «فكما أن إهراق الدماء بدون حق يفضي إلى التقاتل والتفاني بين الأمة، فكذلك انتزاع الأموال بدون وجهها يفضي إلى التواثب والتثاور فتكون معرضة للابتزاز والزوال» 118.
من الآثار التي تترتب على بخس الناس حقوقهم هلاك المجتمع، والمراد بالهلاك أحد أمرين: