فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 2431

لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: 98 - 100]

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] .

فقال المشركون: الملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله؟ فقال: لو كان هؤلاء الذين يعبدون آلهة ما وردوها، قال: فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] .

عيسى وعزير والملائكة» 1.

فهذه الرواية توضح لنا سبب النزول، والمحاورة التي جرت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين على لسان مبعوثهم «عبدالله ابن الزبعرى» في شأن المعبودات التي عبدت من دون الله، والتي من بينها عيسى عليه السلام والملائكة الكرام، حيث فهم أن هؤلاء سيكونون مع عابديهم في النار مخلدين، لكن جاء الرد في الآية التالية بأن هؤلاء الذين عبدوا من دون لا يدخلون النار مع العابدين؛ لأنهم لم يكونوا راضين بعبادتهم لهم، بل الشيطان هو الذي سول لأنفسهم هذا الشرك من دون الله تعالى.

فضلًا عن أن التعبير في الآية بقوله: {وَمَا تَعْبُدُونَ} ولم يقل: «ومن تعبدون» ومعلوم أن «ما» تقع على غير العاقل، فيكون مقصود الآية واقعًا على غير العقلاء.

والمعنى: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره {حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي: وقودها وحطبها.

والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم بها؛ فلهذا قال: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} وهذا كقوله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 39] .

وكل من العابدين والمعبودين فيها، خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها 2.

موضوعات ذات صلة:

الإلحاد، الإيمان، الشرك، الكفر

الإيمان

أولًا: المعنى اللغوي:

الإيمان مصدر الفعل الرباعي آمن وأصله أأمن، وأعلت الهمزة الثانية بالقلب ألفًا؛ لكونها ساكنة والتي قبلها متحركة بالفتح، وهو أصل يدل على معنيين:

الأول: إعطاء الأمن والأمان والطمأنينة؛ الذي هو ضد الخوف، وآمنته ضد أخفته.

الثاني: التصديق الذي هو ضد التكذيب.

وإذا قال العبد: آمنت بالله تعالى ربًا، أي: صدقت به، واطمأننت لأمره.

فالإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان 3.

ويرى ابن تيمية أن الإيمان بمعنى الإقرار؛ فيقول: ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الإيمان: «التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به، والانقياد له ظاهرًا وباطنًا» 5.

فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية 6، «ويشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله» 7.

وهو تصديق القلب واعتقاده، المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح 8.

ورد الجذر (أمن) في القرآن الكريم (879) مرة، يخص موضوع البحث منها (811) مرة 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 342 ... {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة:9]

الفعل المضارع ... 175 ... {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس:100]

فعل الأمر ... 19 ... {وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الأحقاف:17]

المصدر ... 45 ... {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22]

اسم فاعل ... 230 ... {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة:221]

وجاء الإيمان في الاستعمال القرآني على وجهين 10:

الأول: التصديق: ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) } [يوسف:17] .

الثاني: الإسلام والتوحيد: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } [البقرة:62] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة:5] .

الإسلام:

الإسلام لغة:

الاستسلام، والانقياد 11.

الإسلام اصطلاحًا:

الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله 12.

الصلة بين الإيمان والإسلام:

لم يفرق أهل العلم بين الإيمان والإسلام حال افتراقهما، وإنما كان التفريق بينهما حال اقترانهما، فقالوا: إذا افترقا اتفقا، وإذا اقترنا اختلفا، فقالوا: إن الإسلام هو القيام بشرائع الإسلام الظاهرة، والإيمان هو التصديق الجازم بالغيب، وهذا كما جاء في حديث جبريل، حيث فسرهما النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ومن هذه الحيثية نجد أن الإسلام أعم من الإيمان، وحقيقة الأمر: أن العبد لا يكون مسلمًا إلا إن كان مؤمنًا، و لا يكون مؤمنًا إلا إن كان مسلمًا.

الإحسان:

الإحسان لغة:

الإحسان من أحسن يحسن إحسانًا، وهو ضد الإساءة 13.

الإحسان اصطلاحًا:

هو إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه 14.

الصلة بين الإيمان والإحسان:

الإحسان أعلى درجات الدين، وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا انفرد الإحسان دخل فيه الإسلام والإيمان.

تكررت جملة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} في القرآن (51) مرة.

وهذه الجملة هي الصيغة، وهي معظم ما اقترن به الإيمان مع العمل الصالح في صيغ الاقتران بينهما، والتي بلغت (69) مرة 15.

وهذا الاقتران يدل على ارتباطهما الوثيق وتلازمهما المستمر، فلا إيمان بدون عمل صالح يعبر عنه ويبرهن عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان يقوم عليه ويركن إليه، فالإيمان بدون عمل كالشجر بلا ظل ولا ثمر، والعمل الصالح بدون إيمان كالجسد بلا روح 16.

المقصود بالعمل الصالح: ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع المسنون.

ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا» 17.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «العمل الصالح: هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحًا لا يشوبه فساد، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين» 18.

«والعمل الصالح واسع الدائرة إلى حد يشمل كل شيء في الحياة تباشره باسم الله، ولقد عد الإسلام أعمالًا كثيرة صالحة لم تكن تخطر ببال الناس أن يجعلها عملًا صالحًا وقربة إلى الله تعالى، فجعل كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يهدي حائرًا أو يعلم جاهلًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعًا إلى كل ذي كبد رطبة .. جعل كل ذلك عملًا صالحًا ما دامت النية فيه خالصة لوجه الله الكريم» 19.

ومما يستنبط من اقتران الإيمان والعمل الصالح:

-أن الإيمان علم وأس والعمل بناء، ولا غناء للأس ما لم يكن بناء، كما لا بناء ما لم يكن له أس، فإذًا حقهما أن يتلازما لذا قرن بينهما.

-أن الغالب في اقتران الإيمان والعمل الصالح، الحديث بصيغة الجمع (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وهذه الصياغة جاءت جمعًا في المتحدث عنهم وعن أعمالهم، فهم جماعة تبنوا تصورًا واحدًا، وأسسوا على هذا التصور أعمالًا صالحات في جميع مناحي الحياة، يصح أن تقوم عليها نهضة حضارية، يقود بها أهل الإيمان والعمل الصالح الأمة إلى الخير والصلاح.

-ترتب على الإيمان والعمل الصلاح الفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (أَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى? أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) [القصص 67] . أي: الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب 20، الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين 21.

سمى الله تعالى نفسه الكريمة بالمؤمن، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) } [الحشر: 23] .

من معاني المؤمن في حق الله تعالى:

1.شهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد.

قال الزجاج رحمه الله: سمى الله نفسه مؤمنًا؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 18] . كما شهدنا نحن 22.

2.الذي أمن عباده من ظلمه.

قال الطبري رحمه الله: «المؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه» 23.

وقال الزجاج رحمه الله «ويقال إنه في وصف الله تعالى يفيد أنه الذي أمن من عذابه من لا يستحقه» 24.

3.الذي صدق رسله عليهم السلام.

قال السعدي رحمه الله: «المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة ماجاؤا به» 25.

معنى المؤمن في حق المخلوقين:

سمى سبحانه وتعالى بعض عباده بالمؤمن، فقال: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) } [السجدة: 18] .

ومعنى المؤمن إذا وصفنا به المخلوقين: هو الواثق بما يعتقده المستحكم الثقة 26.

وبمعرفة الإنسان المؤمن لمعاني هذا الاسم في حق الله يطمئن قلبه إلى ربه سبحانه وتعالى، وما وعده من سعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة، ويوجب عليه أن يثق بما يعتقده.

1.للإيمان ستة أركان، أربعة منها مذكورة في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ? وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285] .

روى الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأحق له أن يؤمن) 27.

قال ابن عطية رحمه الله: «سبب هذه الآية أنه لما نزلت: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة: 284] .

أشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر على أن قالوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى» 28.

وقال ابن كثير رحمه الله: «أخبر سبحانه وتعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين، فقال: فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين» 29.

«إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين، الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة وموكب الرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري، الإيمان الذي يتمثل البشرية كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين: صف المؤمنين وصف الكافرين، حزب الله وحزب الشيطان، فليس هنالك صف ثالث على مدار الزمان» 30.

ويستفاد من هذه الآية: ثناء الله تعالى على رسوله وعلى المؤمنين في إيمانهم إيمانًا خالصًا يتفرع عليه العمل، وأن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

والركن الخامس من أركان الإيمان هو: الإيمان باليوم الآخر، ذكر في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } [النساء: 136] .

والركن السادس من أركان الإيمان هو: الإيمان بالقدر خيره وشره، ذكر في الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل النبي عن الإيمان فقال: ( ... فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت) 31.

وهذه الأركان الستة هي التي بعث الله بها الرسل وأنزل بها الكتب، ولا يقبل إيمان عبد إلا إذا آمن بها جميعًا على الوجه الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وسوف نتناول هذه الأركان فيما يلي:

أولًا: الإيمان بالله تعالى:

الإيمان بالله: هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه 32.

والإيمان بالله يتضمن توحيده في ثلاثة: ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته، ومعنى توحيده في هذه الأمور: اعتقاد تفرده بالربوبية والألوهية وصفات الكمال وأسماء الجلال.

وسوف نتكلم عن الإيمان بالله تعالى 33 في النقاط الآتية:

فالقرآن الكريم يحدثنا عن الله تبارك وتعالى من حيث هو ذات حقيقية، وله وجود حقيقي لا يشبهه شيء، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

وهو سبحانه وتعالى الأول قبل كل شيء، وهو الآخر بعد كل شيء، كما قال سبحانه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] .

وكما قال تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص 88] .

وهو سبحانه وتعالى بذاته وجود غيبي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ولكنه يعرف بآثاره في كل شيء، وتقوم كل دروب الأدلة على وجوده وتفرده، واستحقاقه لكل صفات الكمال.

ودليل وجوده سبحانه وتعالى: هو العقل والفطرة والشعور الباطني، وكل ما خلق الله.

أما دليل العقل: فقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) } [الطور: 35] .

وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم.

«وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن الأمر لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:

1.إما أنهم خلقوا من غير شيء، أي: لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال.

2.أم أنهم خلقوا أنفسهم، وهذا أيضًا محال، فإنه لا يتصور أن يوجدوا أنفسهم. فإذا بطل هذان الأمران، وبان استحالتهما، تعين:

3.أن الله خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى.

وقوله: (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الطور: 36] .

وهذا استفهام يدل على تقرير النفي، أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمر واضح جدًا. ولكن المكذبين (لَا يُوقِنُونَ) أي: ليس عندهم علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة الشرعية والعقلية» 34.

فبداهة العقل عند كل إنسان تقضي أن لكل مصنوع صانعه، وأن لكل حادث موجده؛ ولذلك ذهب القرآن الكريم ودأب على حثهم على التفكر، وعلى تقليب النظر في ملكوت السماوات والأرض، وملاحظة جانب الإبداع في هذا الخلق؛ فإن ذلك يقتضي من صاحبه أن يوقن يقينًا مطلقًا، وأن يؤمن الإيمان الوثيق بهذه الذات العليا التي تقوم على هذا الخلق العظيم، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) [الأعراف: 185] .

ويقول تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ?6?وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?7?تَبْصِرَةً وَذِكْرَى? لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ?8?) [ق: 6 - 8] .

أما دليل الفطرة المركوز في النفس فمقرر في قوله تعالى: (. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30] .

يقول تعالى: «فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره» 35.

«وهذه الدلائل يصل بها الإنسان إلى معرفة قوة عليا مهيمنة، لكنه لا يستطيع بنفسه الوصول إلى معناها الصحيح، ولا إلى معرفة حقوقها وأوصافها على وجه صادق، ولذلك كان الطريق الوحيد لهذه المعرفة الصحيحة، هو الوحي الإلهي، وقد علم الله تعالى- عباده ذلك منذ خلق آدم، ثم أرسل رسله تترى لمقارعة الجاهليات ولتصحيح المعتقدات، فلم يزل اسمه سبحانه وتعالى ومسماه شائعًا معروفًا بين الأمم في كل العصور حتى في أوساط المشركين، كما قص القرآن علينا ذلك عنه مرارًا سبحانه وتعالى ويقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [الزخرف: 9] .

ولذلك كان الاعتراف بهذه الذات العليا حقيقة عالمية لم يشذ عنها إلا المكابرون، المعاندون من الطواغيت كالفراعنة، أو آحاد من الطبيعيين والدهريين» 36.

هذه الصفة تعني تفرده سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس له في ذلك شريك، ولا نظير ولا مقارب، أو مثيل، وهذه الحقيقة جعلها الله سبحانه وتعالى فاتحة التكليف ومحور الدين، وعليها تتأسس كلياته وجزئياته، ولم يكن الوجود الإلهي قضية بين الوحي والأمم لشيوعه بينهم، ولتسلميهم به، ولكنهم كانوا يتخذون معه سبحانه وتعالى شركاء، تحت مختلف الدعاوى والأسماء، حتى قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى? إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌہ) [الزمر: 3] .

ويقولون كما قال ربنا عنهم: (وَيَقُولُونَ هَ?ؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه) [يونس: 18] .

لذلك كان الأصل والأساس الذي بعثت به الرسل، ونزلت من أجله الكتب هو: تقرير وحدانية الله تعالى، وتنزيهه عن الشركاء، والأنداد، والنظراء والصاحبة، والأبناء، وصرف وجوه العباد إليه وحده سبحانه، وتفريده وحده في الاعتقاد والعمل، والعبادة والطاعة بالذكر والدعاء، وسائر ما لا يليق إلا به وحده سبحانه وتعالى، لذلك كان لصفة الوحدانية الصدارة في الصفات الإلهية جميعًا، فهي حقيقة الحقائق الواقعية من حيث الوجوب، ثم هي أصل الحقائق التشريعية من ناحية الورود، ومن ثم فقد جاءت أدلتها دالة بالطريق الأولى على الوجود الإلهي، وهي دلائل متعددة، ولهذا كله أبرزها القرآن الكريم إبرازًا، وقص علينا من أنباء الرسل ما يؤكد أمرها، وأنها كانت محور دعواتهم جميعًا ولب رسالتهم، ومدخلهم إلى استتباع الناس لدين الله تعالى، فجاء على لسان كل من نوح وهود وصالح وشعيب ألفاظ واحدة (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59، 65، 73، 85] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت