فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 2431

وفي هذه الحالة اتفق جمهور العلماء على أن القتال أو الجهاد فرض عين على كل قادر مستطيع من المكلفين بالجهاد، لأن المقصود من الجهاد -وهو دفع الكفار- لا يحصل إلا بهم جميعًا، فالقادر على الجهاد يباشر الجهاد بنفسه، وغير القادر من المكلفين يخرج مع المجاهدين لتكثير سوادهم وإرهاب العدو. وعندئذ يخرج الابن بغير إذن والديه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن الخروج في مثل هذه الحال فرض عين على كل أحد.

وما يفوته بترك هذه الفريضة لا يمكنه استدراكه، أما ما قد يفوته بالخروج لها بغير إذن الوالدين -مثلًا- فيمكن استدراكه بعد هذا، فيشتغل بما هو الأهم. ولأن الضرر في تركه الخروج للجهاد أعم، فإن ذلك يتعدى إليه وإلى والديه وإلى غيرهم من المسلمين. ولأنه لا يحل لوالديه أن ينهياه عن هذا الخروج، فيكون له أن يخرج ليسقط به الإثم عنه وعنهما، ولا طاعة لهما عليه فيما كانا عاصيين فيه.

ويدل على ذلك كثير من الآيات الكريمة منها قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] ، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .

وأما شروط القتال التي يجب أن تتحقق حتى يكون واجبًا على المكلفين المخاطبين بهذه الأحكام فهي شروط التكليف بعامة، ويختص القتال ببعض الشروط. وهي بجملتها: الإسلام والبلوغ والحرية والذكورة والقدرة البدنية والمالية للنفقة أو انتفاء العذر. وفيما يأتي إيجاز سريع لها استنباطًا من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وقواعد الأصول 74.

1.الإسلام.

فإن الخطاب القرآني الكريم توجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه من المؤمنين المسلمين. فقال الله تعالى:. فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ? وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ? عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ? وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) [النساء: 84] .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ?) [الأنفال: من الآية 65] .

وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122] .

2.البلوغ والعقل.

وهما من شروط التكليف والمخاطبة بالأحكام الشرعية، فإن الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الرجال، و المجنون الذي اختل عقله، كلاهما غير مخاطب لأنه فاقد الأهلية للخطاب، والمجنون كذلك لا يتأتى منه الجهاد. فقد قال عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم) 75.

3.الحرية.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الأحرار على الإسلام والجهاد، ويبايع العبيد على الإسلام دون الجهاد 76.

والعبد لا يملك المال و النفقة للجهاد، وهو مشغول بأمر سيده المالك له، فلا يجب عليه القتال. ويلاحظ أن الرق في عصرنا هذا انتهى وجوده -بعامة- فالبحث في هذا بحث تاريخي فقط.

4.الذكورة.

فلا يجب القتال إلا على الرجال، ولا يلزم النساء، إلا أن يتطوعن فيه للحاجة، أو عندما يكون فرض عين لا فرض كفاية. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: (استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال:(جهادكن الحج) 77.

5.القدرة وسلامة البدن.

فلا يجب القتال على من فقد القدرة بسبب المرض أو العمى أو غير ذلك مما يتعذر معه القتال، أو يعجز صاحبه عنه كالعاجز و الشيخ الكبير في السن، وضعيف البنية، والمقعد والأعرج.

والله تعالى يقول: (ھلَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى? وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ? مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 91] .

وقال سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى? حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ?17?ڑ) [الفتح: 17] .

6.وجود النفقة.

فلا يجب القتال على من تعوزه النفقة للجهاد 78، فلا يجدها ولا يقدر عليها، وقد كان المجاهدون يخرجون للجهاد وينفقون على انفسهم ويشترون أدوات القتال والسلاح. وأما عندما تتكفل الدولة بالنفقات والأدوات و الأسلحة فإن فقد هذا الشرط لا يؤثر في الحكم.

وإلى هذا الشرط الإشارة في الآيات الكريمة كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) } [التوبة: 91 - 93] .

ثانيًا: حكم الاعتذار والتخلف عن القتال:

ألمحت فيما سبق إلى بعض الآيات الكريمة التي تعلي من مكانة الجهاد، فهو ذروة سنام الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وهو طريق العزة و الكرامة. وفي هذا المطلب إشارات إلى ما يقابل ذلك، حيث تنزلت آيات كثيرة فيها تحذير من التخلف عن القتال أو الاعتذار عنه مالم يكن للمرء عذر، وتنوعت أساليب القرآن الكريم في ذلك. وفيما يأتي طائفة منها.

قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 166 - 168] .

فهؤلاء المتخلفون عن القتال والجهاد بالنفس لم يحملهم على التخلف والتقاعس إلا النفاق والكذب والمراوغة، فإذا دعاهم الرسول والمؤمنون للجهاد والقتال، وقيل لهم: تعالوا قاتلوا ودافعوا عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن قالوا: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا، فقد علموا وتيقنوا، وعلم كل أحدٍ أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصًا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل.

ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر، يروج على المؤمنين، فقال تعالى عنهم: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ} أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين {أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم 79.

وهذه نماذج أخرى غنية عن التعليق في بيان حكم المتخلفين والمعتذرين والآثار المترتبة على ذلك من وعيد وتهديد وذلة في الدنيا مع ما ينتظرهم من عذاب في الآخرة 80.

قال الله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) } [التوبة: 81 - 84] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } [الأحزاب: 9 - 15] .

وقال الله تعالى أيضًا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) } [النساء: 77] .

ثالثًا: حكم الفيء والغنيمة والأسر والجزية:

إذا قام القتال ونشبت الحرب وظهر المسلمون على أعدائهم، فإن هذا يرتب آثارًا في أموال الحربيين وأشخاصهم، فيتملك المسلمون الأموال والبلاد المفتوحة، وهذه هي الغنائم، وقد يأخذون أموالًا منهم بالصلح كالجزية، أو بدون حرب وهو الفيء، ويكون الأشخاص أسرى وسبايا إذا وقعوا في يد المسلمين بالقتال 81.

وفي هذا يقول العلامة علاء الدين الكاساني: «إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب، فالمستولى عليه لا يخلو من أحد أنواع ثلاثة: المتاع، والأراضي، والرقاب» 82.

ويقول ابن رشد الحفيد: «وأما ما يجوز من النكاية في العدو؛ فإن النكاية لا تخلو أن تكون في الأموال، أو في النفوس، أو في الرقاب، أعني: الاستعباد والتملك» 83.

هذه كلها آثار تترتب على قيام الحرب، ولذلك نتناولها في الفقرات الآتية:

الفيء في اللغة هو الرجوع. وفي الاصطلاح الفقهي: هو ما أخذ من أموال أهل الحرب صلحًا من غير قتال، أو بعد أن تضع الحرب أوزارها، كالخراج والجزية ونحو ذلك. وقد سمي هذا المال فيئًا؛ لأن الله أفاء به على المسلمين، ففاء إليهم -أي رجع- بلا قتال 84.

وقد تنزلت الآيات الكريمة في بيان أحكام الفيء، فقال الله تعالى في بيان مشروعيتها وحكمتها: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 6 - 8] .

قال المفسرون: طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس أموال بني النضير لما أجلوا، فنزلت هذه الآية تبين أنها فيءٌ لم تحصل لهم بمحاربتهم، وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو له خاصة، يفعل فيه ما يشاء. فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منه شيئًا، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة 85.

وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية أنها فيءٌ لم يوجف المسلمون عليها خيلًا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة، ولم يلقوا حربًا، فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة.

وروى البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم، فلبث يرفأ قليلًا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بني النضير- فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر، قال: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟

قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عليٍ وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فقال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} إلى قوله: {قَدِيرٌ} .

وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعمل بها بما عمل به فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ جميع.

وأقبل على عليٍ وعباس فقال: تذكران أن أبا بكر فعل فيه كما تقولان، والله يعلم إنه فيها صادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر والله يعلم إني فيه صادق بارٌ راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة) .

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وبما عملت به فيها منذ وليتها وإلا فلا تكلماني فيها، فقلتما: ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما؟ أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فو الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكما 86.

وقوله عز وجل {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} يعني: من أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . ومال الفيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته يضعه حيث يشاء وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم ويجعل ما بقي مجعل مال الله 87.

وأما مصرف الفيء الذي أشارت إليه الآيات الكريمة، فقد اختلف فيه العلماء.

قال محيي السنة البغوي رحمه الله: واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: قوم هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: هو للمقاتلة، والثاني: لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم فالأهم من المصالح 88.

وأما مقدار ما يعطى وهل يخمس أم لا؟ فيقول فيه البغوي أيضًا 89: واختلفوا في تخميس مال الفيء؛ فذهب بعضهم إلى أنه يخمس، فخمسه لأهل الغنيمة، وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح، وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، قرأ عمر بن الخطاب: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} حتى بلغ: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} . {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، وقال: ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم 90.

وقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً} قرأ العامة بالياء، «دولة» نصب أي: لكيلا يكون الفيء دولة، وقرأ أبو جعفر: «تكون» بالتاء «دولة» بالرفع على اسم كان، أي: كيلا يكون الأمر إلى دولة، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع وحينئذ لا خبر له. «والدولة» اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم {بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} يعني: بين الرؤساء والأقوياء، فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا اغتنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفي منها بعد المرباع ما شاء، فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما أمر به، ثم قال: {وَمَا آتَاكُمُ} أعطاكم من الفيء والغنيمة {فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} الغلول وغيره {فَانْتَهُوا} . وهذا نازل في أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه 91.

أصل الغنيمة في اللغة: الربح والفضل. وفي الاصطلاح الفقهي: هي ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة، والحرب قائمة. وتجمع على غنائم 92.

وقد تناولت الآيات الكريمة أحكام الغنائم وتوزيعها على الغانمين، وربطت ذلك بالإيمان بالله تعالى والخضوع لأحكامه، وأبانت أن الغنائم ليست هي الهدف أو الغاية الأصلية من القتال، ولكن الله تعالى أحلها لهم. فقال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت