فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 2431

يعني: «علم داوود عليه الصلاة والسلام أن الله ابتلاه ليختبره، فسأل ربه المغفرة، {وَخَرَّ رَاكِعًا} وخرّ ساجدًا لله، {وَأَنَابَ} وتاب من خطيئته، فغفر له ذنبه» 41.

رابعًا: الثناء على الساجدين لله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

وردت في آية واحدة هي:

قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29] .

أخبر الله سبحانه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم «ركعًا أحيانًا لله، سجدًا له أحيانًا، وهذا دليلٌ على كثرة صلاتهم، ومداومتهم عليها؛ والتي من أجلّ أركانها الركوع والسجود» 42.

لقد ذكر الله جلّ وعلا عباده المؤمنين بأنهم ساجدون له طواعيةً وعبادةً، طمعًا في المغفرة، وزيادةً في الإحسان، غير مستكبرين عن عبادة ربهم في الليل والنهار، مسبحين له في كل وقت، يخرون سجدًا باكين متذللين عند تلاوة آيات القرآن الكريم، يرجون رحمته ويخافون عذابه.

وسنرى هذه الصفات للساجدين واضحة جليّة في الموضعين التاليين:

الموضع الأول: قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:112] .

لقد عدّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية صفات للمؤمنين، فكانت صفة السجود السادسة من بين هذه الصفات التسع الآتية:

1.التائبون من الذنوب، الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات، طمعًا في المغفرة.

2.العابدون لله تعالى، المتصفون بالعبودية لله، القائمون بفعل الواجبات والمستحبات في كل وقت.

3.الحامدون لربهم في السراء والضراء، الشاكرون لله على نعمه الكثيرة، والمثنون عليها دومًا.

4.السائحون، في عبادة الله، من صيامٍ، وطلب علمٍ، وجهادٍ، وحجٍ وعمرةٍ، وصلة أرحامٍ، ونحوها.

5.الراكعون في صلاتهم له عزّ وجلّ، المكثرون منها.

6.الساجدون في الصلاة لله تذللًا وقربةً.

7.الآمرون بالمعروف، أي: الأمر بكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال الواجبة والمستحبة.

8.الناهون عن المنكر، أي: النهي عن كل ما نهى الله ورسوله عنه، من الأقوال والأفعال السيئة.

9.الحافظون لشرع الله في جميع أقوالهم وتصرفاتهم الظاهرة والباطنة؛ إخلاصًا لله، وخوفًا من عذابه.

فمن اتصف بهذه الصفات فهو مؤمن ببشارة الله له، وقد جمعت هذه الصفات كل وجوه العبادة والخير والسعادة في الدارين.

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله: «لم يذكر الله ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن. أما مقدارها وصفتها؛ فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم (قوةً، وضعفًا) ، وعملًا بمقتضاه» 43.

الموضع الثاني: قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:113 و 114] .

فقد وصف الله الساجدين في هاتين الآيتين بست صفاتٍ هي:

1.الإيمان بالله واليوم الآخر: وهذا وإن تأخر حتى صدر الآية الثانية، لكنه الأصل في قبول العمل، فإن الحساب يكون يوم القيامة على أساس الاعتقاد.

2.يتلون القرآن الكريم في صلواتهم: وبالأخص في صلاة العشاء؛ التي انفردت بها أمة الإسلام عن غيرها من الأمم.

3.ساجدون لله: يؤدون صلاتهم، وهم ساجدون لله فيها تقربًا وطاعةً.

4.يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: يقولون ويفعلون كل ما يحبه الله ورسوله، ويتركون كل ما يبغضه الله ورسوله.

5.يسارعون في الخيرات: حتى لا يصرفهم صارفٌ عن فعلها، وهذا كناية عن مبادرتهم في فعل الخير، ومسابقتهم في الخيرات.

6.وصفهم الله بأنهم من الصالحين: وهذه تشمل الصفات الستة مما يتحلى بها المتقون الصالحون، المستحقون لهذا الوصف من رب العزة والجلال 44.

تحدث القرآن الكريم عن أصناف من الساجدين.

نتحدث عنهم في النقاط الآتية:

أولًا: الساجدون لله تعالى وحده:

أولًا: سجود المؤمنين:

قال تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .

قصد بهذه الآية: «جماعة القوم الراكعين والساجدين في البيت الحرام لله تعالى» 45.

«وقدّم الطواف في الآية لاختصاصه بالمسجد الحرام، ثم الاعتكاف؛ لأنه من شرط المسجد مطلقًا، ثم الصلاة؛ لأن القيام والركوع والسجود هيئة المصلي، مع أنها الأفضل لهذا المعنى» 46.

وقال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .

«قرن الله الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في أغلب الأحوال» 47.

وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] .

وقد وردت عدة أقوال في المراد بالسجود هنا:

«تلاوة القرآن في صلاة العشاء؛ لأنها صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب، فوصف الله جلّ ثناؤه أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله، وهذا الذي رجحه الإمام الطبري رحمه الله.

ونقل عن الفراء رحمه الله: أن معنى السجود في هذه الآية، اسم للصلاة لا للسجود؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع، فكأن معنى الكلام كان عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم - يقصد: بإقامة صلاة العشاء-.

وقد ردّ على الفرّاء بأن المعنى ليس ما ذهب إليه؛ وإنما معنى الكلام: «من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، فالسجود هنا هو السجود المعروف بالصلاة» 48.

وقال سفيان الثوري رحمه الله: «هي الصلاة بين المغرب والعشاء» 49.

وقال الشيخ ابن السعدي رحمه الله: «هذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاواتهم لكتاب الله، وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له سبحانه وتعالى» 50.

ولعل هذا الرأي الأخير أشمل وأقرب إلى ظاهر نص الآية التي تفيد العموم لكل صلاة تكون في الليل، من الصلاة النافلة (بين العشائين) ، أو صلاة الفرض (العشاء) ، أو قيام الليل (التهجد) .

وقال تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102] .

هذا يكون في تعليم صلاة الخوف أثناء الجهاد في سبيل الله تعالى، «والضمير في: {سَجَدُوا} يعود للطائفة المصلية، والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا» 51.

وقال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:112] .

«أي: المكثرون من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود» 52،

وقال ابن عطية رحمه الله: «هم المصلون الصلوات الخمس، ويدخل في وصف {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} الذي يكثر من النوافل أيضًا» 53.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64] .

يقول تعالى ذكره بأن من صفات المؤمنين أنهم: «يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام» 54.

وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله: «يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم، متذللين له، والبيتوته هي: خلاف الظلول، بأن يدركك الليل نمت أو لم تنم. وقالوا: من قرأ شيئًا من القرآن في صلاته وإن قلّ فقد بات ساجدًا وقائمًا» 55.

وقال ابن عباس: «من صلّى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا» 56.

وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر: 9] .

يعني: «أن المؤمن مطيع لله، يقنت آناء الليل ساجدًا طورًا، وقائمًا طورًا، خوفًا من عذاب اليوم الآخر» 57.

وقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29] .

يعني: أن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، تراهم ركعًا وسجدًا لله في صلاتهم 58.

وقال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة:15] .

أي: «أن المؤمنين بآيات الله تعالى إذا وعظوا بها لا يستكبرون عن السجود والتسبيح لله، ويخرون ساجدين له، غير مستنكفين عن التذلل لربهم» 59.

ثانيًا: سجود سحرة فرعون:

قال الله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الأعراف:120] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «وألقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله في معجزته لموسى عليه الصلاة والسلام، ساقطين على وجوههم، سجدًا لربهم قائلين: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:121] .

أي: صدقنا بما جاءنا به، {مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 122] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر السماء وليس بسحرٍ، فخروا سجدًا لله، وقالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف:121 - 122] 60.

وزاد صاحب الكشاف قائلًا: «وخروا سجدًا كأنما ألقاهم ملقٍ لشدة خرورهم، وقيل: لم يتمالكوا ما رأوا فكأنهم ألقوا.

وعن قتادة رحمه الله: «كان السحرة أول النهار كفارًا سحرة، وفي آخره شهداء بررة» 61.

وقال عزّ وجلّ: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه:70] .

يقول الإمام الطبري رحمه الله: «وفي هذا الكلام متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه، وهو: فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا، فألقي السحرة سجدًا، وقالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه:70] .

وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحوّل ثعبانًا، فالتهم كل ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي، ثم جاء إليها فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدًا» 62.

وقال سبحانه: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الشعراء:46] .

«فألقى موسى عصاه حين ألقت السحرة حبالهم وعصيهم، {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء: 45] .

فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو مخاييل وخدعة، وتبين للسحرة أن الذي جاءهم به موسى حقٌ لا سحرٌ.

وعن عكرمة رحمه الله تعالى، أن الفرق بين الإلقاءين هو لما خروا سجدًا، أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة» 63.

ثالثًا: سجود الملائكة:

قال تعالى: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206] .

وتعتبر هذه الآية أول سجدة تلاوة في القرآن الكريم بالإجماع 64.

{لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} ، أي: «لا تستكثر أيها المستمع المنصت للقرآن عن عبادة ربك، واذكره إذا قريء القرآن تضرعًا وخفية ودون الجهر من القول، فإن الذين عند ربك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع والتخشّع له سبحانه وتعالى.

{وَيُسَبِّحُونَهُ} ، يعني: يعظمون ربهم بتواضعهم له وعبادتهم، {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ، ولله يصلون، وهو سجودهم، فصلوا أنتم أيضًا- أيها المؤمنون- له وعظموه بالعبادة كما يفعله من عنده من الملائكة. وهذا تعريض بمن سواهم من المكلفين» 65.

وقال تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص:73] .

لما خلق الله عزّ وجلّ أبو البشر آدم عليه الصلاة والسلام ونفخ فيه من روحه، امتثلت الملائكة كلهم أمر الله بالسجود له، منفذين لأمر الله تعالى، إلا إبليس لم يسجد تكبرًا وحسدًا، وأكّد الله سجود الملائكة لآدم عليه الصلاة والسلام بمؤكّدين اثنين (كلهم، أجمعون) ؛ لقطع أي احتمال أو شك 66.

رابعًا: سجود المخلوقات عامة:

قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد:15] .

ومعنى ذلك: فإن امتنع هؤلاء -المشركون- من إفراد الطاعة وإخلاص العبادة لله، فلله يسجد من في السموات من الملائكة الكرام طوعًا بلا خوفٍ، ومن في الأرض من المؤمنين به طوعًا، أما المنافقون فيسجدون كرهًا.

وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: كان الربيع بن خثيم (أبو يزيد الثوري الكوفي) رحمه الله، إذا تلا هذه الآية: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد:15] .

قال: بلى يا رباه، أو طوعًا ربنا، بلى طوعًا 67.

وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: «يسجد من في السموات طوعًا، ومن في الأرض طوعًا وكرهًا» 68.

وقال عزّ شأنه: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل:48] .

يقول الإمام الطبري نقلًا عن ابن جريج رحمهما الله، في قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} ، قال: «فإذا فاءت الظلال - ظلال كل شيءٍ- بالغدو سجدت لله، وإذا فاءت بالعشي سجدت لله.

وقال الضحاك رحمه الله: تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفيء الظل، ثم تسجد لله تعالى إلى الليل ...

وقال آخرون: بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال.

ورجح الإمام الطبري رحمه الله قول من قال: «إن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب، ومن ناحية إلى ناحية، كما قال به ابن عباس رضي الله عنهما، ويقال في اللغة: سجدت النخلة، إذا مالت. وسجد البعير، وأسجد، إذا ميّل للركوب» 69.

وزاد ابن كثير رحمه الله: «أنزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم» 70.

وقال عزّ وجلّ: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل:49] .

معنى الآية: «ولله يخضع ويخشع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة، والذين لا يؤمنون بالآخرة، قلوبهم منكرة، وهم لا يستكبرون، وظلالهم تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدًا لله، وهم داخرون.

وكان بعض نحويي البصرة يقول: اجتزئ بذكر الواحد من الدواب عن ذكر الجميع، وعليه فإن معنى الكلام: ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من الدواب والملائكة، كما يقال: ما أتاني من رجلٍ، بمعنى: ما أتاني من رجالٍ» 71.

وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18] .

يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ألم تر يا محمد بقلبك وعقلك، فتعلم أن الله يسجد له {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} من الملائكة، {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} من الخلق، من الجنّ والإنس وغيرهما، {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} في السماء، {وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظلّ كل شيءٍ فهو سجوده، {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} أي: ويسجد كثير من بني آدم، وهم: المؤمنون بالله، يسجدون لله سجود طاعة وعبادة، {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} أي: وكثيرٌ أبى السجود فلم يوفقه الله للإيمان؛ فاستحق العذاب بذلك.

وعن أبي العالية الرياحي رحمه الله، قال: «ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.

وقيل سجودها: بمعنى الطاعة، فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله، يسبح له» 72.

قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن:6] .

أي: «ما قام على ساقٍ- كالشجر ونحوه- وما لم يقم على ساقٍ -مما ينبت من الأرض- يسجدان، وسجودهما: انقيادهما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان تشبيهًا بالساجدين المكلفين في انقياده، وقيل سجودهما: سجود ظلهما» 73.

وقال مجاهد رحمه الله: «النجم هو الكوكب، وسجوده طلوعه» 74.

خامسًا: سجود الأنبياء:

قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] .

أخبر الله في هذه الآية: «إذا تليت على هؤلاء الأنبياء الذين أنعم الله عليهم آيات الله خروا لله سجدًا، استكانة له، وتذللًا وخشوعًا لأمره وانقيادًا له، وهم باكون» 75.

«و {سُجَّدًا} : جمع ساجد، وتعرب حالًا. {وَبُكِيًّا} : جمع باكٍ، أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا» 76.

«وأجمع العلماء على شرعية السجود هنا اقتداءً بالأنبياء، واتباعًا لمنوالهم» 77.

و قال تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:219] .

يعني: «أن الله يرى تقلبك في صلاتك حين تقوم، ثمّ حين تركع، وحين تسجد، وقال آخرون: يرى تصرفك في أحوالك، كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله» 78.

وقال تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «خرّ داوود ساجدًا؛ شكرًا لله تعالى، وقال في سجدة (ص) : ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها» 79.

سادسًا: سجود أهل الكتاب:

قال الله عزّ وجلّ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] .

قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: «لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم - بأداء صلاة العشاء - أي: يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب» 80.

وقال سفيان الثوري: «المقصود هنا الصلاة بين المغرب والعشاء» 81.

ويفسر الشيخ ابن السعدي قوله تعالى: « {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} ، بأن هذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب الله وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له» 82.

وقال سبحانه وتعالى: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107] .

يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: «قل يا محمد لهؤلاء القائلين لك: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء:90] .

آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله، ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك، وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون- تعظيمًا له، وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند الله- لأذقانهم سجدًا بالأرض» 83.

وقد اختلف أهل التفسير في معنى: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت