(أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعامٍ يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوتٍ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت) ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قومٌ بهتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي رجلٍ عبد الله فيكم) . قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلامٍ) . فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله) 37.
والشاهد من الحديث الشريف أن اليهود كانوا يعادون جبريل عليه السلام من الملائكة، ومن المعلوم أن معاداة الملائكة إنما هي معاداة لله تعالى؛ وذلك لأن الملائكة لا تقوم بشيء حتى يأمرها ربها جل وعلا.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [النحل:49 - 50] .
وبالتالي فإن البر يقتضي الإيمان بالملائكة لا بإنكارها، أو وصفها بما لا دليل من القرآن أو السنة عليه، أو مناصبتها العداء خصوصًا وأن مناصبة الملائكة العداء من أعمال الكافرين الباطلة.
4.البر في الإيمان بالكتب.
الإيمان بالكتب السماوية هو الركن الثالث من أركان الإيمان، وتعتبر الكتب السماوية المصدر الأساس لمعرفة أعمال البر المطلوب من العباد لزومها سواءً بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل، وذلك نظرًا لما تحويه من قواعد وتشريعات إلهية يعد الالتزام بها من أعمال الخير والبر التي تقرب العباد من ربهم جل وعلا، وقد جاء تصديق ذلك في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 1 - 2] .
ومعنى قيمًا: أي مستقيمًا بذاته فلا اعوجاج فيه، مقومًا لغيره ممن لزمه واقعًا تطبيقيًا 38، كما جاء في قوله تعالى أيضًا: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1 - 2] .
وبالتالي فإن الإيمان بالقرآن من أعمال البر وهو النتيجة التي أدت إليها دعوة القرآن إلى الرشد كما يتضح من الآيتين الكريمتين، ويقال في باقي الكتب السماوية ما قيل في القرآن الكريم فالكل صادر عن الله تعالى، ولو لم يكن الإيمان بجميع الكتب من البر لما دعا إلى ذلك ربنا جل وعلا في كتابه العزيز في قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] .
5.البر في الإيمان بالرسل.
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان، ويعد الرسل هم الأساتذة الذين يعلمون البشرية الاستقامة على طريق الهدى والرشاد، وهم القدوة الحسنة التي يجب على العباد السير على خطاهم، ولو لم يكونوا كذلك لما أمر الله تعالى بطاعتهم وحسن اتباعهم في غير موضع من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] .
وهذا يدل على وجوب الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام فيما اتفقوا عليه من الأصول التشريعية والخلقية والتعبدية 39.
ومما يدلل أيضًا على وجوب اتباع الأنبياء والاقتداء بهم قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 41 - 42] .
وكلمة رسول هنا اسم جنس 40، وبالتالي فالمقصود بها كل رسول يرسله الله تعالى إلى قوم من الأقوام.
ولو لم يكن الإيمان بالرسل واتباعهم من أعمال البر لما أثاب الله تعالى الرجل الداعية الذي دعا قومه للإيمان بالرسل واتباعهم بالجنة كما جاء في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 20 - 27] .
ولما وعد الله تعالى المؤمنين بالرسل بالمغفرة والرحمة 41، كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28] .
6.البر بملازمة التقوى.
من أكثر ما حثت عليه الشريعة الإسلامية تقوى الله تعالى في السر والعلن، ففي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
وجاء في السنة المطهرة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأجوفان: الفرج والفم، وأكثر ما يدخل الجنة؟ تقوى الله وحسن الخلق) 42.
وتكمن أهمية التقوى في كونها الضابط الذي يلزم العباد بالقيام بأعمال البر التي تقرب صاحبها من نعيم الله تعالى وتبعده عن عذابه.
وبالتالي يكون المراد بالأمر الإلهي بالوقاية من عذاب النار الوارد في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
هو الإقبال على أعمال البر وحث الأهل عليها، والحذر من أعمال الفجور وتحذير الأهل منها 43.
كما أن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] . فيه الدعوة إلى ضرورة أن يتلازم كل من التقوى وأعمال البر في كل عمل يقوم به المؤمن، وكذا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .
وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرةٍ، فإن لم تجد فبكلمةٍ طيبةٍ) 44، فيه الدعوة إلى لزوم التقوى من خلال أعمال البر المتمثلة بالصدقة وإن كانت قليلة، وبالكلام الطيب.
كما بيَن الله تعالى أن حقيقة البر تكمن في سلامة المعتقد، بيَن أنها تكمن أيضًا في حسن العبادة.
فقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
وقد ذكرت الآية الكريمة أن البر يكون في صنفين أساسيين من أصناف العبادات هما الصلاة والزكاة، وتفصيل ذلك كما يأتي:
1.البر في إقامة الصلاة.
الصلاة هي عمود الدين والركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة وذلك كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال لي: (إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد) 45.
وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) 46.
ولهذا كانت الصلاة من أعظم أعمال البر التي تقرب العبد من ربه جل وعلا، وقد اهتم القرآن الكريم بعبادة الصلاة اهتمامًا بالغًا فأوجب إقامتها على وقتها، فقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] .
وشرع الطهارة قبل أدائها، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] .
وجعلها الواقي من اتيان الفواحش والمنكرات، فقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] .
وما كان لهذا الاهتمام أن يكون إلا لأن الله تعالى عالم بما للصلاة من كبير أثر على من أقامها، كيف لا يكون ذلك وهي عبادة جامعة للعديد من أوجه البر التي دعا إليها الإسلام الحنيف كقراءة القرآن، والدعاء، والذكر وغير ذلك.
2.البر في إيتاء الزكاة.
كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الركن الثاني من أركان الإسلام الصلاة، وبين الركن الثالث الزكاة، وذلك في آيات من الذكر الحكيم، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .
كما قرن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك بين الصلاة والزكاة، في عدة مواطن منها ما جاء عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلمٍ) 47.
ويفهم من الآية الكريمة أن العبد إذا أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولازم جماعة المؤمنين فإنه يكون بذلك ملك الأسس التي من شأنها أن تقوده إلى الالتزام بباقي متطلبات الدين، كما يفهم من الحديث الشريف أن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة على ثلاثة أمور منها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة دليل على عظم مكانة هاتين العبادتين عند الله تعالى، ومدى تأثيرهما على حياة العباد، فالصلاة تطهر الأبدان، والزكاة تطهر الأموال، ولعل هذا من أبرز ما أدى إلى اقتران الصلاة بالزكاة في كثير من النصوص الشرعية.
ومن المعلوم أن الزكاة بتطهيرها للأموال تعين أيضًا على تطهير القلوب من البخل والكبر والحقد والحسد، ولهذا عظيم الأثر في توطين النفوس على طاعة الله تعالى وبره في اتيان كل ما أمر، واجتناب كل ما نهى، ولكي يتحقق البر في إيتاء الزكاة لابد من الالتزام بشروطها، وانفاقها في مصارفها الثمانية التي حددها القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
وكذلك أن تحقق الغرض الذي شرعت من أجله وهو تحقيق التكافل والتعاضد، والحث على صدقة التطوع، وعلى غيرها من أعمال البر.
3.البر في الصيام.
صوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين ليكون بابًا من أوسع أبواب البر والطاعة، يدل على ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
فقوله تعالى في فاصلة الآية الكريمة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فيه بيان الغاية المرجوة من تشريع صيام شهر رمضان وهي الوصول بالعباد إلى درجة التقوى 48.
ومما يدلل على أن الصيام من أعظم أبواب البر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث منها ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) 49.
ومنها ما جاء أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) 50.
فهذان الحديثان وغيرهما من الأحاديث مما يبرز قيمة الصوم في تقريب العباد من رضوان الله تعالى، وابعادهم عن سخطه، ولو لم يكن الأمر كذلك لما خصص الله تعالى أحد أبواب الجنة الثمانية للصائمين، وسماه باب الريان.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان) 51.
ومما يعزز مكانة الصيام كأحد أبرز أعمال البر ارتباطه بأوجه أخرى عظيمة من أوجه البر، ومن هذه الأوجه العظيمة الاجتهاد في قراءة القرآن الكريم.
والسر في ارتباط الصيام بقراءة القرآن هو أن نزول القرآن الكريم كان في شهر رمضان المبارك، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] .
ومن الأوجه أيضًا الصدقة، ومن المعلوم أن زكاة الفطر واجبة في شهر رمضان، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حث المسلمين على التبرع للمحتاجين من خلال جوده في التصدق خلال شهر رمضان على ذوي الفاقة والعوز، حتى أن ابن عباس رضي الله عنهما وصفه قائلًا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) 52.
ومن أوجه البر المرتبطة بالصيام العمرة، وصلة الأرحام، وقيام الليل وغير ذلك من الأوجه المباركة الخيرة.
4.البر في الحج.
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وله عند الله تعالى من القدر والجلال ما له؛ وذلك لأهميته في تقوية الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتكفير الذنوب والخطايا، وهذا الذي أهل هذه العبادة العظيمة لأن تكون من أهم وأعظم أوجه البر التي يتقرب بها المؤمن من ربه جل وعلا.
وتأصيلًا لذلك يقول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .
فقول الله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} بعد نهيه عن فعل الشر لحث العباد على اغتنام الحج للاستزادة من الخير بفعل الخيرات، واجتناب المعاصي 53.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) 54.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (رجع كيوم ولدته أمه) يعني أن الحاج الذي خلا حجه من الرفث والفسق يعود من حجه وقد حط الله تعالى عنه سائر ذنوبه وخطاياه 55.
ويعد الحج من الأعمال التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على تكرارها بقوله: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة) 56.
وبما أن ما ذكر في الحديثين الشريفين من الوعد بالمغفرة والنعيم هو الغاية الأسمى التي يسعى عباد الله تعالى الأبرار للوصول إليها من خلال محافظتهم على أعمال البر التي شرعها الله تعالى لهم.
ثالثًا: البر في الأخلاق:
يتميز الدين الإسلامي باهتمامه بالتحلي بالأخلاق الحميدة؛ وذلك لما لها من عظيم الأثر على الفرد في ضبط سلوكه وتقويمها، وعلى المجتمع في رقيه وزيادة تماسك أفراده، وقد مدح الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بسمو أخلاقه.
فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] .
كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية التحلي بالأخلاق الحسنة بقوله: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا) 57.
كما فسر صلى الله عليه وسلم البر بأنه هو حسن الخلق بقوله: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) 58.
ومن الأخلاق الرئيسية التي لابد للبر أن يتوجها ما يأتي:
الوفاء بالعهد من الأخلاق التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
والعقود هي أوثق العهود 59 كما جعل الله تعالى هذه صفة من الصفات التي يتحلى بها المؤمنون السائرون على طريق الصلاح والفلاح، فقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 1 - 8] .