أي: وجعل لكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا 32.
وفي الآية دلالة على امتنان الله تعالى على عباده بثمار هاتين الشجرتين المباركتين التمر والزبيب كونهما رزقا حسنا.
وقوله تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] .
قال الزمخشري: «النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في وادٍ يبابٍ 33 ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء، لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوة إبراهيم، فجعله حرما آمنا {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} ، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بوادٍ غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد» 34.
وجاء ذكر الثمار بلفظ (الثمرات) معرفة في اثني عشر موضعا حسب ترتيب المصحف منها ما يأتي:
قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة: 22] .
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) } [البقرة: 126] .
لقد ذكرت الثمرات في هذه الآيات معرفة، وإن كان في آيات أخرى قد جاء لفظ الثمرات غير معرف، كما ذكرناها في سورة النحل والقصص وفاطر وفصلت، وكونها غير معرفة، لكونه يفيد التبعيض.
وجاء كذلك بلفظ الجمع بصيغة (ثمره) في أربعة مواضع منها ما يأتي:
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) } [الأنعام: 99] .
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) } [الأنعام: 141] .
ويتضح من الآيات السابقة أن لفظ الثمار جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة ومتنوعة، وهي تدل على معنى واحد كونها تمثل أحمال الأشجار، وتعد الأشجار وثمارها أصل الحياة، فهي مستمرة ومتجددة، ومنافعها كثيرة ومتعددة، فهي نعمة من الله تعالى على عباده حيث سخر كل الأشجار وثمارها لخدمة الإنسان من الغذاء والدواء وغيرها من المنافع، وزينة تتمتع بها الأبصار من حيث تنوع أشكالها وألوانها وروائحها في الدنيا والآخرة، إضافة إلى المنافع الأخرى التي سوف يأتي ذكرها لاحقًا، والثمار هي حصيلة الزرع، ولا يمكن أن يستمر الزرع في الحياة دون وجود الثمار، وتعد قيمة مادية ومعنوية لجهد الإنسان وعمله في الحياة، لذا ينبغي للمؤمن أن يراعي حق الله تعالى فيها بما أوجبه عليه من فرض الزكاة، كما قال تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .
ويجدر بنا هنا أن نعطي مثالًا من القرآن الكريم في بيان منافع الشجر، وذلك في قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) } [المؤمنون: 20] .
فالشجرة المذكورة في الآية هي شجرة الزيتون بإجماع المفسرين 35.
ومعنى الآية الكريمة: وأنشأنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في هذا الجبل بتلك البقعة المباركة، وتثمر زيتونًا تصنع منه الزيوت التي يدهن بها، وتتخذ إداما للآكلين 36.
أي: «تنبت بنباتٍ وثمرٍ فيه الدهن، وهو الزيت، فجاء في هذه الآية إطلاق الدهن مرادًا به النبات والثمر الذي يوجد في داخله الدهن، وهذا من إطلاق الحال في الشيء وإرادة محله، إذ الذي ينبت هي الفروع والورق والثمرات التي يوجد فيها الدهن، وفائدة هذا المجاز الإيجاز، وتوجيه نظر المخاطبين لما في شجرة الزيتون من دهن عظيم النفع للناس، كي يولوا زيت الزيتون اهتمامًا خاصًا، ويشكروا نعمة الله عليهم به» 37.
وقد أكدت السنة النبوية فوائد شجرة الزيتون بأحاديث كثيرة، منها ما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نعمة الزيتون حين قال عليه الصلاة والسلام: (كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة) 38.
أي: إجعلوه إدامًا لخبزكم ولطعامكم، وادهنوا به أجسامكم.
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ما بهذه الشجرة من فوائد جمة جعلت منها شجرة مباركة، لذلك أشاد بها وحث الناس عليها لما فيها من بركة في الغذاء والدواء.
وأما فوائد الزيتون من الناحية العلمية والطبية فسيأتي ذكرها لاحقًا إن شاء الله تعالى في المبحث الثامن في لمسات إعجازية في الشجر.
ثانيًا: إيقاد النار:
ذكرنا فيما مضى أن خلق النار وإيقادها من الشجر الأخضر فيه دليل الوحدانية والبعث، وفي هذا المطلب سنتطرق إلى ما يخص إحدى منافع الشجر كونه مصدرًا أساسيًا للحصول على النار التي لا تستغني عنها البشرية إطلاقا، حيث ترتبط فائدتها في أغراض متعددة، منها الحصول على الطاقة، والدفء، والاستضاءة، والطهي، وما إلى ذلك، فكله يعتمد على النار التي مصدرها الشجر الأخضر.
وبذلك تعد نعمة وجود النار وإيقادها من الشجر من أبرز النعم التي من الله تعالى بها على عباده حين خلق لهم النار المتقدة من الشجر الأخضر الرطب، وذلك في قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) } [يس: 80] .
ومعنى ذلك أن القرآن الكريم قد ربط بين النار والشجر الأخضر وجعل منها إعجازًا علميًا قائمًا إلى يوم القيامة، ودعا البشرية إلى التفكر بخلق النار وإيقادها من الشجر الأخضر بقوله {فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
يقول صاحب الظلال في تفسيره لهذه الآية: «والمشاهدة الأولية الساذجة تقنع بصدق هذه العجيبة التي يمرون عليها غافلين، عجيبة أن هذا الشجر الأخضر الريان بالماء، يحتك بعضه ببعض، فيولد نارا ثم يصير هو وقود النار بعد الاخضرار، والمعرفة العلمية العميقة لطبيعة الحرارة التي يختزنها الشجر الأخضر من الطاقة الشمسية التي يمتصها، ويحتفظ بها، وهو ريان بالماء ناضر بالخضرة التي تولد النار عند الاحتكاك، كما تولد النار عند الاحتراق، هذه المعرفة العلمية تزيد العجيبة بروزا في الحس ووضوحا، والخالق هو الذي أودع الشجر خصائصه هذه، والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، غير أننا لا نرى الأشياء بهذه العين المفتوحة ولا نتدبرها بذلك الحس الواعي، فلا تكشف لنا عن أسرارها المعجبة، ولا تدلنا على مبدع الوجود، ولو فتحنا لها قلوبنا لباحت لنا بأسرارها، ولعشنا معها في عبادة دائمة وتسبيح 39.
ويتضح مما مضى بيان عظمة الخالق في استخدام الشجر الأخضر للنار على الرغم من أن الشجر الأخضر يحوي على الماء الذي يطفئ النار، وهذا يعني أن الشجر بصفته نبات هو أصل النار والوقود، سواء أكان بصورة خشب أم زيت أم غاز إلى غير ذلك، وأن من أبرز منافع الشجر المتعددة الحصول على النار المتوقدة التي يستعملها الإنسان في الإنارة والطهي والتدفئة ونحو ذلك، فالنار عنصر أساسي في حياة الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنها، فتشبه الماء والهواء من حيث حاجة الإنسان إليها.
ثالثًا: بناء السكن:
إن الشجر بصورة عامة له قيمة كبرى في حياة الإنسان منذ القدم وإلى وقتنا الحاضر، فلم يستغن الإنسان عن الأشجار الكبيرة والصغيرة، وجذوعها وأخشابها في بناء المساكن على مر الزمان.
ونقتصر في هذا المطلب على ما جاء ذكره في القرآن الكريم حين ضرب الله تعالى لنا مثلًا في اتخاذ النحل من الشجر بيوتًا على سبيل الإلهام في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) } [النحل: 68] .
ومعنى ذلك أن الله تعالى ألهم هذه المخلوقات القدرة العجيبة في دقة النظام والبناء ما يعجز عن فعله البشر، وفي ذلك حكم عظيمة في بيان ضعف الإنسان وعجزه أمام قدرة الله تعالى بإلهام تلك الحشرة الصغيرة التي ليس لها عقل بناء تلك البيوت المتناسقة والمتساوية الأضلاع دون كلل أو تعب خلافًا للإنسان.
قال الزمخشري: «الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه» 40.
وقال ابن كثير: «المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل» 41.
ثم فسر سبحانه ما أوحى به إليها بقوله: {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} ، أي: اجعلي لك بيوتا في الجبال تأوين إليها، أو في الشجر أو فيما يعرش الناس ويبنون من البيوت والسقف والكروم ونحوها 42.
أي: تأخذ من فروع الأشجار بيوتا تصنع فيها ما يصنعه صاحب البيت فيه.
ويؤكد العلم الحديث أن بعض العلماء الذين كرسوا جهودهم لدراسة حياة الحشرات وقفوا على حقائق عجيبة وألفوا مئات الكتب التي أثبتت صحة ما جاء في القرآن من أن هناك فصائل برية من النحل تسكن الجبال، وتتخذ من مغاراتها مأوى لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار سكنا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة في جذوع الأشجار، وتتخذ منها بيوتا تأوى إليها، ولما أراد الإنسان أن ينتفع بعسل النحل استأنسها وصنع لها خلايا من الطين أو الخشب يعيش فيها وهكذا تبين الآية الكريمة كيف كانت هذه الحشرات بإلهام من الله تأوى إلى مساكنها المختلفة منذ القدم إلى يومنا هذا 43.
ويتضح مما مضى ومن خلال الآية الكريمة فائدة الشجر من حيث اتخاذه سكنا للنحل بإلهام من الله تعالى، فلا يرى للنحل بيتًا في غير الجبال والأشجار ومما يعرش الناس لها ويبنون، واتخاذها لهذا السكن هو أمر من الله تعالى لها أن تسكن في هذه البيوت المتنوعة فكان انقيادها على وجه الخضوع والطاعة والامتثال.
رابعًا: الظل:
تحدث القرآن الكريم عن «الظل والظلال» في العديد من الآيات القرآنية في سور مختلفة بدلالات متنوعة جاءت بحسب موضوعاتها، ولسنا بصدد ذكر كل أنواع الظلال التي وردت في القرآن الكريم، بل سنحاول في هذا المحور أن نقتصر على توضيح منافع الشجر المرتبطة بالظل من خلال الآيات القرآنية المتعلقة بها.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم منافع الشجر من حيث استعماله كظل يقي الناس من الحر في أحد عشر موضعًا تشمل الدنيا والآخرة، منها:
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) } [النساء: 57] .
وفي قوله: {ظِلًّا ظَلِيلًا} قال الضحاك: يعني: ظلال أشجار الجنة 44.
ووصف بالظليل وصفا مشتقًا من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه 45.
وقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } [الرعد: 35] .
وقوله تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) } [يس: 56] .
أي: في ظلال الأشجار 46.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) } [المرسلات: 41] .
والمراد بالظلال: ظلال الشجر 47.
وقيل: أي: تكاثف أشجار؛ إذ لا شمس يظل من حرها 48.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} [النحل: 81] .
أي: ومن نعمة الله عليكم أيها الناس أن جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة الحر، وهي جمع ظل 49.
وقوله تعالى: {جَعَلَ} بمعنى صير، بأن خلق لنا أشجارًا تظل الناس في الحرور، وفي الصحاري تجد الأشجار المظلة، وقال سبحانه وتعالى: {مِمَّا خَلَقَ} ، ولم يذكر شيئا بعينه؛ لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال، والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها، والغمام يكف وهج الشمس وحرارتها، وإن هذه الظلال نعمة من الله تعالى في أرض صحراوية جدباء لا ماء يرطب جوها، ولا نسيم عليل يطفئ حرها؛ ولذلك كانت من نعم الله التي أنعم بها على سكانها الذين آتاهم الله تعالى مع ذلك جلدًا وقوة احتمال، فكانت هذه نعمًا أنعم الله بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا وأن ينعموا في خيراتها 50.
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) } [النحل: 48] .
والمعنى: «انظروا وفكروا فيما خلق من أشياء تتفيأ ظلاله، أي: لها فيء، ولهذا الفيء ظل، وتتداخل ظلاله، فالجبال لها فيء والأشجار لها فيء، وكل فيء له ظل، فتتفيؤ هذه الأفياء، ويكون ظلالًا، كما ترى الشجر المتداخل تتفيأ الظلال ذات اليمين وذات الشمال» 51.
وقوله تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) } [الإنسان: 14] .
فيتضح من الآيات السابقة أن الظل هو نعمة من نعم الله تعالى منحها للعباد راحة لهم في الدنيا ونعيم في الآخرة.
وقد صح من رواية الشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه، يبلغ به أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها، فاقرءوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) } [الواقعة: 30] 52.
ومعنى الحديث: قال ابن الجوزي رحمه الله: «يقال: إنها طوبى، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان، (يسير الراكب في ظلها) أي: في ناحيتها، وإلا فالظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها، وقد قال تعالى: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13] .
وقد يقال: المراد بالظل هنا ما يقابل شعاع الشمس، ومنه ما بين ظهور الصبح إلى طلوع الشمس؛ ولذا قال تعالى: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) } [الواقعة: 30] ويمكن أن يكون للشجرة من النور الباهر ما يكون لما تحته كالحجاب الساتر» 53.
إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى تبين فوائد الشجر من حيث الاستظلال به في الدنيا والآخرة.
خامسًا: الكتابة:
امتن الله تعالى على الإنسان حين علمه الكتابة وجعل من الشجر وسيلة من وسائل الكتابة حيث قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) } [لقمان: 27] .
أي: لو أن سائر شجر الأرض؛ تحولت فروعه وأغصانه إلى أقلام يكتب بها، {وَالْبَحْرُ} الذي لا يحد حده، ولا يبلغ أمده، {يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} تماثله في العمق والسعة والعظم وصارت مياه هذه البحار مجتمعة مدادًا تستمد منه هذه الأقلام وتكتب كلمات الله تعالى: لنفدت هذه الأبحر، ونضب ماؤها؛ و {مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} .
وفي هذا يقول الإمام الرازي: « {مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} ، وحد الشجرة، وجمع الأقلام، ولم يقل: ولو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام، ولا قال: ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير، يعني: ولو أن بعدد كل شجرة أقلاما 54.
وفضلا عما تقدم فدلالة الآية الكريمة أن الله تعالى ذكر الشجر في هذا الموضع بوصفه الأقلام التي وظيفتها الكتابة، ومداده الماء هو تشبيه مجازي لكلمات الله تعالى التي لا تنفد.
وأما معنى الأقلام: فالقلم الذي يكتب به، والجمع أقلام وقلام 55، وعادة ما يكون القلم مصنوع من خشب الأشجار وكذلك الألواح.
والألواح: جمع لوح كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب؛ قال الأزهري: اللوح صفيحة من صفائح الخشب 56.
وقد ذكر الله تعالى لفظ الألواح في القرآن الكريم على اختلاف مدلولاتها في مواضع من سورة الأعراف منها:
قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) } [الأعراف: 145] .
وقوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 150] .
وقوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) } [الأعراف: 154] .
4 -وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) } [القمر: 13] .
والغرض من ذكر هذه الآيات الكريمة هو ارتباطها بمنافع الشجر الذي تعمل منه الأقلام والألواح التي لا يستغنى عنها في الكتابة وكذلك صناعة السفن، فتعد بذلك نعمة من نعم الله تعالى التي امتن بها على عباده.
ذكر القرآن الكريم الشجر بأنه خلق من مخلوقات الله تعالى تعبده وتعظمه على وجه الانقياد والخضوع والطاعة، وتتمثل هذه العبادة بالسجود والتسبيح كبقية المخلوقات وهذا ما سوف نبينه من خلال النقاط الآتية:
أولًا: السجود والانقياد:
السجود: يطلق على وضع الوجه على الأرض بقصد التعظيم، ويطلق على الوقوع على الأرض مجازًا مرسلًا بعلاقة الإطلاق، أو استعارة، ومنه قولهم: «نخلة ساجدة» إذا أمالها حملها، وسجود الشجر تطأطؤه بهبوب الرياح ودنو أغصانه للجانين لثماره والخابطين لورقه 57.
وقد ذكر سجود الشجر لله تعالى والانقياد له في موضعين في القرآن الكريم هما:
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } [الحج: 18] .
فيخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) } [النحل: 48] .
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل 58.