أولًا: المعنى اللغوي:
ترجع لفظة (الوحدة) في معاجم العربية إلى الجذر الثلاثي (وحد) ، والناظر في تلك المعاجم يجد أن مادة (و ح د) لها عدة معانٍ؛ قال ابن فارس: «الواو والحاء والدال أصلٌ واحد يدل على الانفراد، ومن ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله، والواحد: المنفرد» 1.
وفي لسان العرب: الواحد بني على انقطاع النظير وعوز المثل، والوحيد بني على الوحدة والانفراد عن الأصحاب من طريق بينونته عنهم، والعرب تقول: أنتم حي واحدٌ، والوحدة: الانفراد؛ يقال: رأيته وحده، وجلس وحده، وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله عز وجل 2.
«الوحدة الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الوحدة: هي اتحاد الدول أو البلاد والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم وسيرتهم وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئًا واحدًا، أو أمةً واحدةً، يقال: اتحد البلدان، أي: صارا بلدًا واحدًا 4.
ووحدة الأمة الإسلامية هي: توحد المسلمين جميعًا، واجتماعهم على أساس الدين الإسلامي الذي أنزله الله عز وجل، بحيث تلغى بينهم جميع الروابط الأخرى، كالروابط العرقية والقومية وروابط اللغة، ويصبح القاسم المشترك بين أفراد هذه الجماعة هو الدخول في دين الإسلام؛ عقيدة وعبادة ونظام حياة.
وردت مادة (وحد) في القرآن الكريم (9) مرات 5.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم الفاعل مؤنثًا ... 9 ... {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس:19]
الوحدة في أصلها بمعنى الانفراد، وتستعمل في معنى الاتحاد والتوحد، أو صيرورة الاثنين فما فوقها واحدا 6.
الاجتماع:
الاجتماع لغة:
التئام الشيء، وضم بعضه إلى بعض، وهو خلاف التفريق 7.
الاجتماع اصطلاحًا:
هو اجتماع الناس، وعدم تفرقهم، واجتماع القلوب بائتلافها، وعدم تفرقها.
الصلة بين الاجتماع والوحدة:
الاجتماع من صور وحدة الأمة الإسلامية، وهو مطلب عزيز، يتجلى مظاهره في أعظم الشعائر التعبدية؛ كالصلاة مع الجماعة، ومناسك الحج.
الاعتصام:
الاعتصام لغة:
العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك.
قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] .
أي: تمسكوا بعهد الله 8. والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن 9.
الاعتصام اصطلاحًا:
ولا يختلف معنى الاعتصام في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
الصلة بين الاعتصام والوحدة:
الاعتصام: الاستمساك بالشيء، افتعالٌ منه، والمقصود الاستمساك بحبل الله، وهو بهذا الاعتبار وسيلة لوحدة الأمة، وطريق إليها؛ ولهذا يقال: الاستمساك بحبل الله سبب للاجتماع ووحدة الصف، وعصمة من الخلاف والتفرق.
التفرق:
التفرق لغةً:
خلاف التجمع، تفرق القوم وتفارقوا، والاسم الفرقة 10.
والتفريق: خلاف التجميع، يقال: فرق الشيء تفريقًا وتفرقة: بدده، وهو متعدٍ، أما التفرق فلازم. والتفريق أبلغ من الفرق؛ لما فيه من معنى التكثير 11.
التفرق اصطلاحًا:
لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي.
الصلة بين التفرق والوحدة:
التفرق ضد الوحدة، ويعد من أهم أسباب ضعف الأمة، وثمرة من ثمار الاختلاف المذموم بين المسلمين؛ لأن من الاختلاف ما لا يصل إلى حد الافتراق، وهو أكثر أنواع الخلاف بين الأمة.
أولًا: وحدة الخلق:
لقد بين القرآن الكريم أن الناس جميعًا يربطهم رباط واحد، ويشتركون جميعًا بأمر وثيق، يجمعهم كلهم دون استثناء، إنهم جميعًا مخلوقون لخالق واحد، وأصلهم جميعًا أب واحد، قال تعالى مخاطبًا الناس جميعًا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .
فهذا خطاب من رب الناس للناس جميعًا، مهما تباعدت أزمانهم وأمصارهم، ومها اختلفت لغاتهم وألوانهم، يذكرهم ربهم بأنه المتوحد المتفرد بخلقهم جميعًا، معرفًا إياهم كيف كان مبتدأ إنشائهم، ومنبهًا لهم على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ، وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض؛ ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف 12.
إن هذه الآية العظيمة التي افتتح الله بها سورة النساء، توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة، تتصل في رحم واحدة، وتنبثق من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد؛ ولو تذكر الناس هذه الحقيقة، لتضاءلت في حسهم كل الفروق التي نشأت في حياتهم متأخرة؛ ففرقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزقت وشائج الرحم الواحدة، وكلها ملابسات ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في التقوى 13.
إن الناس جميعًا تجمعهم وحدة عقدية ووحدة الجنس؛ أما الوحدة العقدية فإن ربهم جميعًا واحد لا شريك له، هو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم، وهو الذي يميتهم، وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجد أبيضهم وأسودهم، وعربيهم وأعجميهم، وأما الوحدة الجنسية فالناس جميعًا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم عليه السلام 14.
يقول سيد قطب: «إن استقرار هذه الحقيقة كان كفيلًا باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة؛ في الجاهلية الحديثة، التي تفرق بين الألوان، وتفرق بين العناصر، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة» 15.
وهناك آيات أخر في القرآن الكريم تؤكد على وحدة الناس جميعًا؛ وحدة الخالق الواحد، ووحدة التناسل من رجل واحد.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98] .
وقال في موضع ثانٍ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .
وفي موضع ثالث قال سبحانه: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6] .
يمتن سبحانه في هذه الآيات على عباده بنعمة الخلق، ويذكرهم بأنهم جميعًا خلقوا من نفس واحدة.
لقد خلق الله عز وجل الناس من نفس واحدة، ثم جعل من نسلها الشعوب والقبائل {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .
وإن هذا التمايز بين الناس وتشعبهم إلى شعوب وقبائل مختلفة، لا ينبغي أن يكون مدعاة للتفاخر وتعالي بعض الناس على بعض، فلقد بين الله عز وجل الغاية من ذلك التمايز بقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} فالغاية هي التعارف لا التفاخر؛ التعارف الذي يؤدي إلى تأكيد معاني الوحدة والأخوة الجنسية، لا التفاخر الذي يؤدي إلى الفرقة والتشتت 16.
هذه المعاني العظيمة قد أكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع إذ قال: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) 17.
ثانيًا: وحدة الملة والدين:
لقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن الناس مجتمعون على ملة واحدة ودين واحد.
قال سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] .
واختلف المفسرون في معنى تلك الملة التي كان الناس عليها؛ فذهب بعضهم إلى القول بأن الناس كلهم كانوا على الدين الحق، كانوا على الهدى مجتمعين، وقال بعضهم: كانوا مجتمعين على الكفر والباطل 18.
ورجح شيخ المفسرين - الطبري - القول الأول، فقال: «إن دليل القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به؛ وذلك إن الله عز وجل قال في سورة يونس: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .
فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك» 19.
ولقد بين لنا ربنا عز وجل في كتابه أيضًا أنه سبحانه قادر على جعل الناس متوحدين على ملة الإسلام، وشريعة الحق الواحدة؛ ولكنه سبحانه يريد أن يبتلى عباده، قال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة: 48] .
ومعنى الآية: لو شاء الله عز وجل أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة، تدين بدين واحد، وبشريعة واحدة لفعل؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء؛ ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك؛ وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها، ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها؛ فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب، ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب 20.
وفي ذات المعنى يقول جل وعلا: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] .
«أي: ولو شاء الله عز وجل لوفقكم كلكم، فجعلكم على ملة واحدة، وهي الإسلام والإيمان، وألزمكم به، ولكنه سبحانه يضل من يشاء ممن علم منه إيثار الضلال، فلا يهديه عدلا منه، ويهدي من يشاء ممن علم منه إيثار الحق، فيوفقه فضلا منه، وليسألنكم الله جميعًا يوم القيامة عما كنتم تعملون في الدنيا فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وسيجازيكم على ذلك» 21.
وكذلك قول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118 - 119] .
يخبر سبحانه في هذه الآية أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، إلا من رحم ربك فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم، سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي 22.
وقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون؛ ليتبين للعباد، عدله وحكمته.
قال القرطبي: «وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فيما روى عنه أشهب؛ قال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير؛ أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة. وروي عن ابن عباس أيضًا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه» 23.
ومثل هذه الآية قول الله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8] .
ولما بين الله عز وجل أن الناس كانوا على ملة واحدة ودين واحد، وبين أيضًا أنه سبحانه قادر على جمع الناس كلهم على ملة الإسلام، مدح أمة التوحيد المجتمعة على الإيمان، المتوحدة على أساس العقيدة ودين ربها عز وجل، فقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .
وفي سورة المؤمنين: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] .
فهذه أمة الإسلام ملة واحدة، من عهد آدم عليه السلام إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ دين الأنبياء واحد، وأتباع الرسل ملة واحدة، ومن سار على نهجهم إلى قيام الساعة فهو من أمتهم 24.
والملاحظ: أن كلمة الوحدة مضافة إلى الأمة أي وحدة الأمة لم ترد في القرآن الكريم، ولكن ورد وصف الأمة بأنها أمة واحدة، فالتركيز في القرآن قد جاء على مفهوم الأمة التي توصف بأنها أمة واحدة، وليس على مفهوم الوحدة التي تضاف إلى الأمة، وهذا يعني أن الأمة الواحدة هي الأصل، أما مسألة توحيد الأمة ووحدتها فهي طارئة بعدما حل بالأمة ما حل 25.
أولًا: الأمر بالوحدة:
الآيات التي تأمر بالوحدة وتحث عليها كثيرة في كتاب الله عز وجل، لا تحتاج إلى بذل جهد وإعمال فكر من أجل الوقوف عليها؛ فالقرآن الكريم قد جعل وحدة المسلمين وتآلفهم واجتماع كلمتهم من أصول الدين، وقواعده العظيمة، ولقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الدلالة على وجوب الوحدة؛ وذلك كما يلي:
لقد ورد الأمر بالوحدة صريحًا في كتاب الله عز وجل، كما في قول الله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران: 103] .
فهذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بأن يكونوا جميعًا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده، ولا يتفرقوا، كما كان شأنهم في الجاهلية، بضرب بعضهم رقاب بعض.
قال الطبري: «يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله» 26.
وفي الآية استعارة تمثيلية حيث شبه الله عز وجل الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع، ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما 27.
وقد روى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خير مما تستحبون في الفرقة» 28.
وقد تعددت آراء المفسرين في معنى (بِحَبْلِ اللَّهِ) الذي أمر الله المؤمنين بالاعتصام به، فقال بعضهم: كتاب الله، وقال بعضهم: دين الله، وقال بعضهم: أمر الله وطاعته، وقال بعضهم: الجماعة 29.
قال القرطبي: «والمعنى كله متقارب متداخل؛ فإن الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة؛ فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة» 30.
ومن الآيات التي تأمر المسلمين بالوحدة والاعتصام والتكافل قول الله عز وجل: (تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2] .
فهذه الآية تأمر المسلمين بالتعاون على كل ما هو خير وبر وطاعة لله عز وجل، وتنهاهم عن التعاون على ارتكاب الآثام، والاعتداء على حدوده؛ فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدي إلى السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله عز وجل فيؤدي إلى الشقاء 31.
وبتعاون المسلمين معًا، ومساعدة بعضهم لبعض، يصبح المجتمع المسلم جسدًا واحدًا، متماسكًا مترابطًا، قال القرطبي: «وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي ليعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه» 32.
يقول السعدي: «يرشد القرآن الكريم المسلمين إلى إقامة جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقدر على القيام بها، وليوفر وقته عليها لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعًا واحدة، وهذه من القواعد الجليلة ومن السياسة الشرعية الحكيمة، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها، فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد والعلم اللذين هما من أعظم مصالح الدين: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) [التوبة: 122] .
فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية وبالعلم طائفة أخرى، وأن الطائفة القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت 33.
وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: 104] .
وقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ?) [المائدة: 2] .
وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ) [الشورى: 38] .
إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها، لأن كل فرد مأمور أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائرًا في جميع أعماله إليها، فلو وفق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم وصلحت أمورهم وانجابت عنهم شرور كثيرة، فالله المستعان» 34.
لقد أمر القرآن العظيم بأمور عظيمة، من شأنها أن توحد الأمة، وتزيدها ترابطًا وتماسكًا؛ بل ألفة ومحبة؛ لقد أمر ببر الوالدين، وأمر بصلة الأرحام، وأمر بالإحسان إلى أولي القربى واليتامى والمساكين، لقد أمر بحسن معاشرة الزوجة، وأمر بالإحسان إلى الجار والآيات في ذلك معلومة كثيرة، منها تلك الآية الجامعة من سورة النساء، إذ يقول ربنا عز وجل: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ? وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى? وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ?) [النساء: 36] .
يأمر الله عز وجل في هذه الآية بعبادته وحده لا شريك له، ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين - وكثيرا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين - ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، ثم أوصى باليتامى؛ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم، ثم أوصى بالمساكين من ذوي الحاجات، الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم، ثم أوصى بالجار ذي القربى والجار الجنب، يعني: الجار الذي بينك وبينه قرابة، والجار الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الجار الجنب يعني الرفيق في السفر، ثم أوصى بالصاحب بالجنب، قيل: يعني المرأة، وقيل: يعني: الضعيف، وقيل: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر، ثم أوصى بابن السبيل، وهو الضيف، وقيل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر، وختم عز وجل تلك الوصايا العظيمة بالوصية بما ملكت اليمين، وهم الأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس 35، ويأخذ حكمهم في زماننا العمال والخدم ونحوهم.
وقد جاءت السنة مؤكدة على أمر القرآن بالوحدة والاعتصام، وذلك في أحاديث كثيرة، يضيق المقام هنا بذكرها، من ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) 36.