لما أبوا وعصوا أمر الله حق عليهم العذاب، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: «لأن «العتو» كبرياء وإباء، فيعاقبهم الله بأن جعلهم كأخس الحيوانات فصيرهم أشباه القرود، كل منهم مفضوح السوءة، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم» 53.
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَ?لِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ? مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ? أُولَ?ئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ?60?) [المائدة: (60) ] .
ذكر الخازن في تفسيره: «وقيل: إن مسخ القردة كان من أصحاب السبت من اليهود، ومسخ الخنازير كان في الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام، ولما نزلت هذه الآية عير المسلمون اليهود وقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير. وافتضحوا بذلك» 54.
وهذا عقاب دنيوي استحقه كفار بني إسرائيل، فهم شٌٌّ مكانًا يوم القيامة في نار جهنم، وأضل الناس عن سواء السبيل والصراط المستقيم.
4.التيه في الأرض.
معنى التيه ورد في المعجم الوسيط أن (تاه تيهًا، وتيهًا، وتيهانًا: تكبر، فهو تائهٌ وتياهٌ، وتاه في الأرض ضل وذهب متحيرًا) 55.
يوضح العلامة المصطفوي معنى التيه في الأرض بقوله: «والتيه من الأرض ما يتحير فيه، وفي القرآن (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) أي: يتحيرون، أي: يمشون متحيرين لا يدرون أين يقيمون ولا أين يتوجهون» 56.
وعن تيه بني إسرائيل قال تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ? أَرْبَعِينَ سَنَةً ? يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ? فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ?26?) [المائدة: (26) ] .
بعد الرد المخزي لبني إسرائيل على طلب سيدنا موسى عليه السلام عندما طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة جاء هذا العقاب القاسي، فلقد اشترطوا على سيدنا موسى عليه السلام أنه إذا خرج منها القوم الجبارون فإنهم سيدخلونها، بل إنهم قالوا قولتهم المخزية: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، فما كان من سيدنا موسى عليه السلام إلا أن دعا ربه بقوله (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ? فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ، فاستجاب الله دعاءه، فحرم عليهم الأرض المقدسة أربعين عامًا، وكتب عليهم التيه في الأرض.
يقول ابن جزي الغرناطي: «وحرم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة، وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض، أي: في أرض التيه، وهو ما بين مصر والشام، حتى مات كل من قال: (إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا) ولم يدخلها أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالب، ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضًا، وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه، لقوله: (? فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) » 57.
5.بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة.
قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ? إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ? وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ?167?) [الأعراف: (167) ] .
يقول سيد قطب «فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدروه، فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب، والذي سيظل نافذًا في عمومه، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب، وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة، الناكثة العاصية، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية، ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف» 58.
وبالفعل تعرض بنو إسرائيل ومن خلفهم اليهود لأشد أنواع العذاب والتنكيل عبر الزمان، وسأعرض هنا بعض حالات العذاب التي تعرضوا لها:
انقض «سرجون» ملك آشور على مملكة إسرائيل سنة (721) ق. م. فقتل الآلاف من رجالها، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات 59.
هذا كله جزء من سوء العذاب الذي سلطه الله عليهم، عقاب سريع لهم في الدنيا، فالله سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم لمن تاب منهم قبل يوم القيامة.
6.تحريم أصناف من الطعام.
كان الطعام كله حلالًا لبني إسرائيل من بعد سيدنا يعقوب عليه السلام ومن قبله أيضًا، إلا ما حرمه سيدنا يعقوب على نفسه لمرضٍ أصابه، فاجتنب لحوم الإبل وألبانها، وقد يكون الأمر بأن اقتدى بنو إسرائيل بسيدنا يعقوب بتحريم بعض الطعام، وقد لا يكون، لكن من المؤكد أن بني إسرائيل قد عوقبوا بتحريم بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم.
قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: (160) ] .
بسبب الظلم كان التحريم، بسبب ظلمهم لأنفسهم، وظلمهم لأنبيائهم، وظلمهم لغيرهم من الناس بأكل أموال الناس بالباطل، واستباحتهم لأنفسهم بأخذ الربا وهو محرم عليهم، وبصدهم عن سبيل الله، حرم الله عليهم من الطيبات ما كان حلالًا لهم، وما كان ذلك إلا عقابًا منه سبحانه وتأديبًا لهم.
وعن هذا التحريم يقول ابن كثير: «وهذا التحريم قد يكون قدريًّا، بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم فحرموها على أنفسهم؛ تشديدًا منهم على أنفسهم، وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًا، بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك» 71.
كما قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: (93) ] .
ذكر الواحدي في أسباب النزول: قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ}
قال أبو روق والكلبي: نزلت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا على ملة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالًا لإبراهيم، فنحن نحله، فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرمًا على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. فأنزل الله عز وجل تكذيبًا لهم {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} 72.
وهكذا بهت اليهود حين طلب منهم أن يأتوا بالتوراة حتى يبينوا مدى صدقهم، وهذا ما لم يحدث، فتبين كذبهم وافتضح أمرهم.
ومما حرمه الله من الطيبات على بني إسرائيل كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: (146) ] .
يقول صاحب صفوة التفاسير: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} أي: وعلى اليهود خاصةً حرمنا عليهم كل ذي ظفر، قال ابن عباس: هي ذوات الظلف كالإبل والنعام، وما ليس بذي أصابع منفرجة كالبط والأوز، {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} أي: وحرمنا عليهم أكل شحوم البقر وشحوم الغنم، {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أي: إلا الشحم الذي علق بالظهر منهما، {أَوِ الْحَوَايَا} أي: الأمعاء والمصارين، {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} كشحم الألية، والمعنى أن الشحم الذي تعلق بالظهور أو احتوت عليه المصارين أو اختلط بعظم كشحم الألية جائز لهم 73.
وما كان ذلك الجزاء والعقاب إلا لبغيهم وظلمهم وعدوانهم، والله صادق فيما يقول، فمن أصدق من الله قولًا؟!
1.بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة.
تم ذكر «بعث من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة» في المطلب السابق المتعلق بالعقوبات الدنيوية التي حلت بهم، وتم تكراره في هذا المطلب أيضًا؛ لأن عقوبة بعث من يسومهم سوء العذاب هي من ضمن العقوبات التي تنتظرهم حتى يوم القيامة، حيث قال سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ? إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ? وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأعراف: (167) ] .
2.دخول عباد الله المؤمنين عليهم المسجد وإهلاكهم على أيديهم.
قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: (4) - (8) ] .
اختلفت أقوال المفسرين قديمًا وحديثًا بشأن تحديد مرتي الإفساد والعلو في الأرض اللتين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة، ولقد أخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل في التوراة بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيعلون فيها علوًّا كبيرًا.
والاختلاف بين المفسرين متعلق بزمني حدوث مرتي الإفساد، ففريق كبير من المفسرين ذهب إلى أن مرتي الإفساد والعلو قد وقعتا قبل الإسلام، ومن هؤلاء المفسرين: الطبري والزمخشري والبيضاوي وسيد قطب ومحمد سيد طنطاوي، واختلف هذا الفريق أيضًا بتحديد هاتين المرتين:
فالمرة الأولى: قيل: هي تلك التي قتل فيها بنو إسرائيل زكريا عليه السلام. وقيل: مخالفتهم للتوراة وقتلهم لشعياء. وقيل: قتلهم للناس ظلمًا وتغلبهم على أموالهم. واتفق أغلب هذا الفريق على أن الذين سلطوا عليهم هم البابليون بقيادة نبوخذ نصر.
أما المرة الثانية: فأغلب هؤلاء المفسرين ذهب إلى أن الإفساد الثاني كان بقتل بني إسرائيل ليحيى عليه السلام، وأن الذين سلطوا عليهم هم الرومان.
كما ذهب فريق آخر من المفسرين إلى أن إحدى مرتي الإفساد والعلو قد حدثت قبل الإسلام، وأن المرة الثانية ستحدث بعده في المستقبل، وأنها لم تحدث إلى الآن، وأصحاب هذا الرأي هم من المعاصرين كالأستاذ بسام جرار، وخالد عبد الواحد صاحب كتاب «نهاية إسرائيل» ، فقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهب إليه الفريق الأول من المفسرين بشأن مرة الإفساد الأولى، وتسليط البابليين عليهم، ولكنهم اختلفوا معهم بشأن المرة الثانية، حيث اعتقدوا بأن المرة الثانية هي ما نعيشه الآن من فساد اليهود وإنشاء دولتهم الغاصبة «إسرائيل» ، وأن الله سيبعث عليهم من يسوء وجوههم ويدخل المسجد الأقصى فاتحًا ومحررًا.
كما ذهب فريق ثالث بالقول إلى أن مرتي الإفساد والعلو ستكونان بعد مجيء الإسلام، فالأولى ما كان في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من فسادٍ لأقوام اليهود الثلاثة في المدينة المنورة، وما اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم في حقهم من جلاء أو قتل، أما المرة الثانية فلقد اتفق أصحاب هذا الفريق مع أصحاب الفريق الثاني بما ذهبوا إليه من قول من أن الفساد الثاني لبني إسرائيل هو ما نشهده في عصرنا هذا، وأصحاب هذا الرأي هم من المعاصرين، كالشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور فضل حسن عباس، والدكتور صلاح الخالدي.
وهناك رأي مختلف للدكتور عمر سليمان الأشقر، حيث يرى أن الإفسادين سيقعان مرتين متتاليتين، وهما إفسادان يصحبهما علوٌّ عظيم.
يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر: «إن الجوس يعني أن العباد أولي البأس الشديد يدخلون ديار اليهود، ويتوسطون فيها، ويترددون بين مدنها وقراها، وليس معناه احتلالها وإخراج اليهود منها، وقد وقع هذا الجوس اليوم، فجاس عباد الله أصحاب البأس الشديد خلال ديار اليهود، وآذوا اليهود أذىً شديدًا، وقاموا بعمليات موجعة لليهود، وقد احتاج اليهود بعد إحداها أن يؤتى بالزعماء والرؤساء من غير اليهود كي يشدوا من أزر اليهود، لقد جاس عباد الله أولي البأس الشديد ديار اليهود، فقتلوا من اليهود ودمروا ونسفوا وأوقعوا باليهود رعبًا عظيمًا، فأقام اليهود حول أنفسهم سورًا عظيمًا ليحموا أنفسهم من ذلك الجوس، وهذا الجدار من الكرة التي حكى الله أنه سيردها على العباد الأقوياء.
ولكن أنى للجدار أن يقي اليهود من بأس الجائسين، لقد انطلقت الصواريخ لتقوم بمتابعة الدور الذي كانوا يقومون به خلال الجوس في الديار، ومع رد الكرة لليهود يأتيهم سيل عظيم من مال الدول الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين، كما أمدهم الله بالبنين يفدون عليهم من شتى أنحاء العالم، وخاصة من الدول التي كانت تعرف بالاتحاد السوفيتي، وأهمها روسيا» 74.
ومع وجود هذا الخلاف الواضح إلا أنه ما من شك بأن زوال هذا الكيان الغاصب وانهزامه أمرٌ مسلمٌ به، وهذا ما أكده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله. إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) 75.
واتفق أغلب المفسرين المعاصرين -رغم خلافهم في تحديد مرة الإفساد الأولى- على أن وعد الآخرة لم يتحقق بعد، والمتمثل بقوله سبحانه: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: (7) ] .
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: «وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا، وستكون لنا يقظة وصحوة نعود بها إلى منهج الله، وإلى طريقه المستقيم، وعندها ستكون لنا الغلبة والقوة، وستعود لنا الكرة على اليهود» 76.
وعن معنى قوله سبحانه: {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} ، يقول الإمام الرازي: «ويقال: ساءه يسوءه إذا أحزنه، وإنما عزا سبحانه الإساءة إلى الوجوه؛ لأن آثار الأعراض النفسية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهر الإشراق في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه» 77.
وهذا من هول المفاجأة التي ستحدث لهم، حيث تكون لهم جولة الغلبة وكرة النصر، والمدد بالأموال والبنين، والنفير الكثير، والكيد والهيمنة، وبينما هم ينعمون بهذه الحال إذ يبعث الله عليهم من يسوء وجوههم ويذلهم ويهينهم، بسبب العدوان والظلم والقتل والاعتداء على الحقوق والممتلكات والبلاد والعباد، كما تظهر علامات الخزي والذل على وجوههم بسبب رجوع المسجد الأقصى لأحضان الأمة الإسلامية وفقدانهم الهيمنة والسيطرة عليه.
ومما يؤكد أن مرة الإفساد والعلو الثانية لم تحدث بعد قوله سبحانه: {وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء: (104) ] .
ومعنى اسكنوا الأرض أي: كل الأرض، فلقد انتشر بنو إسرائيل في كل بقاع الأرض وتشتتوا بها، وهاهم الآن يجتمعون لفيفًا في أرض فلسطين، مختلطين من قبائل شتى، ويأتون من كل حدب وصوب، ومن شتى بلاد المعمورة.
ثالثًا: عقوبات أخروية:
حيث الجزاء الأوفى، والحساب النهائي، والعذاب الأبدي.
فبعد كل تلك الانحرافات وما تبعها من عقوبات دنيوية حلت بهم أو ستحل بهم تأتي العقوبات الأخروية التي لا يقدرون عليها، ولا يطيقونها، وسنذكر منها:
1.لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? أُولَ?ئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?174?) [البقرة: (174) ] .
يقول الشوكاني (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) قيل: المراد بهذه الآية: علماء اليهود؛ لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم» 78.
ويقول الإمام الطبري: «يعني تعالى ذكره بقوله::إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ) أحبار اليهود الذين كتموا الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برشىً كانوا أعطوها على ذلك» 79.
فلقد كتم بعض علماء اليهود والنصارى صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي قد رأوها متحققة فيه عليه الصلاة والسلام ومنها خاتم النبوة الذي كان على كتفه الشريف، وقصة إسلام سلمان الفارسي تبين أن علماء اليهود والنصارى يعرفون صفات النبي الذي سيبعث، ولكن كثيرًا منهم أخفى ذلك.
فسلمان رضي الله عنه كان باحثًا عن الحقيقة، فلقد تتلمذ على أيدي عدد من أساقفة النصارى، كما أورد الإمام أحمد في مسنده قصة إسلام سلمان رضي الله عنه، والتي رواها لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما، نذكر منها قوله: (لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجلٍ على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقراتٌ وغنيمةٌ، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلانٍ، فأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، وأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثم أوصى بي فلانٌ إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال أي: بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحدٌ من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبيٍ، هو مبعوثٌ بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرضٍ بين حرتين بينهما نخلٌ، به علاماتٌ لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل) 80.
ولقد توعد الله سبحانه كل من يكتم شيئًا من الكتاب من أجل مال أو غرض من الدنيا توعده سبحانه بالعذاب الأليم، ولن يكلمه الله ولن يزكيه.