وعن حكمة ذكر بطونهم بالذات يقول الثعالبي: «وفي ذكر البطن تنبيهٌ على مذمتهم؛ بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، قال الربيع وغيره: سمى مأكولهم نارًا؛ لأنه يؤول بهم إلى النار. وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقةً» 81.
2.في نار جهنم.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ? أُولَ?ئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ?6?) [البينة: (6) ] .
توعد الله سبحانه الذين كفروا من اليهود والنصارى بنار جهنم خالدين فيها؛ لأنهم شر خلق الله، بكفرهم وعنادهم واستكبارهم، وعدم اتباعهم لما أنزل عليهم من الحق، فجحدوا وكفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بذلك، بل عادوه ومن اتبعه، وحاربوهم وألبوا عليهم الأعداء والمشركين.
رابعًا: عقوبات في الدارين:
وهناك أنواع من العقاب تلازمهم في الدارين، أي: في الدنيا والآخرة، وهي:
3.غضبٌ الله عليهم.
قال الحسن المصطفوي: «وأما الغضب من الله العزيز فهو أيضًا شدة وحدة بمراتبها في قبال قبائح الأعمال ومظالم العباد ومساوئ الأخلاق والمعاصي، وفي الذين بدلوا نعمة الله كفرًا، وأخلوا فيما خلق وقدر» 82.
وهذه آيات توضح غضب الله سبحانه وتعالى على كفار بني إسرائيل، وعلى اليهود من بعدهم.
قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?112? [آل عمران:(112) ] .
وقال تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى? مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى? غَضَبٍ ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ?90?) [البقرة: (90) ] .
تكاثرت أعمال الكفر عند اليهود وتوالت وتتابعت، فاستوجبوا بذلك غضب الله ولعنته عليهم لعنة بعد لعنة، ولأن الكبر والغرور سبب كفرهم كان العقاب من الله الذل والإهانة في العذاب.
4.لعنة الله عليهم.
ويحقق الحسن المصطفوي معنى اللعن بقوله: «هو الإبعاد عن الخير والعطوف بعنوان السخط عليه، وهذا من الله تعالى إبعادٌ عن رحمته ولطفه، ومن الناس إبعاد عن رحمة الله تعالى بالدعاء عليه والمسألة من الله بسخطه وغضبه عليه» 83.
لقد استحق اليهود لعنة الله، فلقد لعنهم الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم، لكفرهم بالقول والعمل.
قال تعالى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ? بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: (88) ] .
يقولون بحق أنفسهم سوءًا، فهم لا يريدون أن يسمعوا الحقيقة التي تخالف هواهم، فكان عذرهم أن قلوبهم مغطاة مغلفة وفي أكنة، وهذا عذر أقبح من ذنب، فلقد استحقوا اللعنة لكفرهم وكبرهم وضلالهم.
يقول الإمام الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) : بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم وجحودهم آيات الله وبيناته وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه، فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك، وأصل اللعن: الطرد والإبعاد والإقصاء، يقال: لعن الله فلانًا يلعنه لعنا وهو ملعون، ثم يصرف مفعول فيقال: هو لعينٌ» 84، واليهود ملعونون.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى? مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ? أُولَ?ئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ?159?) [البقرة: (159) ] .
وهذا فعل آخر استوجب لعنة الله عليهم، ولعنة الملائكة والمؤمنين، فلقد كتم وأخفى علماء اليهود والنصارى ما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه من إخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الآيات البينات، ومن سبل الحق والهدى؛ فاستحقوا بذلك اللعن والطرد من رحمة الله.
5.سخط الله عليهم.
ويحقق الحسن المصطفوي معنى السخط بقوله: «هو ما يقابل الرضا، كما أن الغضب ما يقابل الرحمة، والكراهة ما يقابل الحب.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: (28) ] » 85.
وقال المصطفوي أيضًا: «يمكن أن توجد الكراهة من دون أن يتحقق الغضب أو السخط، كما أن الغضب قد يوجد من دون تحقق السخط، فالسخط يلازم الكراهة والغضب مع فقدان الرضا، أي: هو ما يقابل الرضا» 86، ولقد سخط الله على اليهود حين جيشوا أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: (80) ] .
موضوعات ذات صلة:
أهل الكتاب، بنو إسرائيل، الإنجيل، التوراة، غزوات الرسول مع اليهود، موسى عليه السلام، النصارى
1 بنو إسرائيل في القرآن والسنة، محمد سيد طنطاوي ص (13) .
2 فتح القدير، الشوكاني (1) / (51) .
3 تاريخ الملل والنحل، أمين الخولي (2) / (4) .
4 لسان العرب، ابن منظور (15) / (397) .
5 فتح القدير، الشوكاني (1) / (51) .
6 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (6) / (189) .
7 التحرير والتنوير، ابن عاشور (28) / (202) .
8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص (769) .
9 انظر: لسان العرب، (11) / (28) ، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص (963) ، مقاييس اللغة، ابن فارس، (1) / (150) .
10 القاموس المحيط، ص (128) .
11 انظر: المفردات، (1) / (701) ، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، ص (949) - (950) .
12 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص (97) .
13 انظر: المغني، ابن قدامة، (9) / (329) .
14 الملل والنحل، الشهرستاني، ص (247) .
15 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص (51) ، معجم اللغة العربية المعاصرة، (1) / (91) .
16 التحرير والتنوير، ابن عاشور، (1) / (450) .
17 معالم التنزيل، البغوي (1) / (90) .
18 لباب التأويل (2) / (76) .
19 انظر: جامع البيان، الطبري (4) / (194) .
20 أنوار التنزيل، البيضاوي (1) / (317) .
21 جامع البيان (10) / (452) .
22 في ظلال القرآن، سيد قطب (2) / (929) .
23 جامع البيان (14) / (201) - (202) .
24 مفاتيح الغيب، الرازي (16) / (27) - (28) .
25 الموسم: مجتمع الناس، في سوق أو في حج أو غيرهما.
26 جامع البيان (8) / (270) .
27 جامع البيان (2) / (377) .
28 المصدر السابق (2) / (350) .
29 المصدر السابق (2) / (499) .
30 في ظلال القرآن (1) / (414) .
31 جامع البيان (3) / (249) .
32 التفسير الوسيط، د. محمد سيد طنطاوي (4) / (212) .
33 اليهودية، أحمد شلبي ص (269) .
34 زاد المسير، ابن الجوزي (1) / (116) .
35 التفسير الوسيط (2) / (217) - (218) .
36 فمع كل ما يمتلكه اليهود من معدات وتجهيزات تقنية وعسكرية لم يتمكن اليهود من الانتصار على أهل فلسطين في غزة وفي مرتين مختلفتين:
الأولى: ففي (27) ديسمبر (2008) م شن الاحتلال الصهيوني اليهودي حربه التي أسماها الرصاص المصبوب والتي استخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بما فيها الأسلحة الفسفورية التي تصيب بحروق مؤلمة وقاتلة، ضد شعب أعزل وبحجة ضرب المجاهدين والقضاء عليهم، ولكن خيب الله ظنهم، وحربهم، فصمد المجاهدون الواثقون بنص الله، ومن ورائهم الشعب الصامد المتكل على الله، وأسموا هذه الحرب بحرب «الفرقان» أسوة بالغزوة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم «غزوة بدر» (1) ، وبعد (22) يومًا من القصف والعدوان جر العدو ذيله خاسئًا منهزمًا بتوفيق من الله ثم بصمود المجاهدين الأبطال الذين أطلقوا قرابة الألف صاروخ وقذيفة ضد الأعداء، وقتلوا منهم قرابة الخمسين قتيلًا، مع الإشارة بأن الأذى الذي أصيب به الشعب الصامد كان ثقيلًا نوعًا ما، لكنه في سبيل الله يهون، فلقد سقط قرابة (1500) شهيد، و قرابة (5500) مصاب، ومع هدم لعدد من البيوت والمساجد.
الثانية: فكانت في (14) نوفمبر (2012) والتي أطلق عليها المجاهدون حرب «حجارة السجيل» ، والتي سقط فيها قرابة (160) شهيدًا، وقرابة (1200) مصاب خلال ثمانية أيام فقط، ولكن رد المجاهدين كان مزلزلًا، فلقد قصفت كتائب القسام لأول مرة في تاريخ الصراع مع المحتل مدينة «تل أبيب» وموقعًا صهيونيًا آخر في مدينة القدس المحتلة بصواريخ بعيدة المدى، كما قصف المجاهدون الأبطال مئات القذائف الصاروخية التي لم تتوقف منذ بدء العدوان، كما استهدفوا طائرات وبارجات حربية أيضًا.
المصدر: الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للإعلام.
37 التفسير الوسيط (14) / (304) - (305) .
38 تفسير الشعراوي (6) / (3272) .
39 كفاحي، أودلف هتلر، المترجم: لويس الحاج ص (41) - (42) .
40 تفسير القرآن العظيم (1) / (210) - (211) .
41 روح المعاني، الألوسي (1) / (359) .
42 لباب التأويل (1) / (77) .
43 جامع البيان (2) / (270) .
44 عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحباؤه!!، كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز فيهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ، إلى آخر الآية.
انظر: جامع البيان، الطبري (10) / (151) .
45 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل (7) / (262) - (263) .
46 أسباب نزول القرآن، الواحدي ص (30) .
47 جامع البيان (6) / (292) .
48 تفسير السمرقندي (1) / (402) .
49 المحرر الوجيز، ابن عطية (2) / (134) .
50 الدر المنثور، السيوطي (1) / (169) .
51 التفسير الوسيط (1) / (153) .
52 تفسير السمرقندي (1) / (126) .
53 تفسير الشعراوي (8) / (4412) .
54 لباب التأويل (2) / (69) .
55 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص (92) .
56 التحقيق في كلمات القرآن الكريم، حسن المصطفوي (1) / (439) .
57 التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي (1) / (232) .
58 في ظلال القرآن (3) / (1386) .
59 التفسير الوسيط (5) / (415) - (416) .
60 اليهود الموسوعة المصورة، طارق السويدان ص (53) .
61 التفسير الوسيط (5) / (416) .
62 اليهود الموسوعة المصورة ص (57) .
63 تاريخ الإسرائيليين، شاهين مكاريوس ص (82) .
64 المصدر السابق ص (83) .
65 التفسير الوسيط (5) / (417) .
66 المصدر السابق (5) / (419) .
67 اليهود الموسوعة المصورة ص (62) .
68 التفسير الوسيط (5) / (418) .
69 اليهود الموسوعة المصورة ص (63) .
70 التفسير الوسيط (5) / (420) .
71 تفسير القرآن العظيم (2) / (415) .
72 أسباب نزول القرآن ص (118) .
73 صفوة التفاسير، الصابوني (1) / (426) .
74 وليتبروا ما علوا تتبيرا، عمر الأشقر ص (165) .
75 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، (4) / (2239) ، رقم (2922) .
76 تفسير الشعراوي (14) / (8363) .
77 مفاتيح الغيب (20) / (160) .
78 فتح القدير (1) / (171) .
79 جامع البيان (3) / (327) .
80 أخرجه أحمد في مسنده، (10) / (5661) ، رقم (24234) .
81 الجواهر الحسان، الثعالبي (1) / (131) .
82 التحقيق في كلمات القرآن الكريم (7) / (283) .
83 المصدر السابق (10) / (223) .
84 جامع البيان (2) / (328) .
85 التحقيق في كلمات القرآن الكريم (5) / (94) .
86 المصدر السابق (5) / (94) .