فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 2431

الوراثة

أولا: المعنى اللغوي:

الوراثة أصلها: ورث، والواو والراء والثاء: كلمةٌ واحدةٌ، هي الورث، وهو أن يكون الشيء لقومٍ ثم يصير إلى آخرين بنسبٍ أو سببٍ 1.

قال في الصحاح: الميراث أصله موراثٌ، انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها 2.

وقال أبو عبيد: الإرث أصله من (الميراث) إنما هو (ورثٌ) فقلبت الواو ألفا مكسورة لكسرة الواو كما قالوا للوسادة: إسادة وللوكاف: إكاف.

ويقال: ورثت فلانا من فلان: أي جعلت ميراثه له، وأورث الميت وارثه ماله، أي تركه له 3.

ثانيا: المعنى الاصطلاحي:

الوراثة في الاصطلاح: هو حوز الإنسان ما كان يملكه آخر بعد موت هذا الآخر 4.

وإذا أطلق في اصطلاح الفقهاء فيراد به: أنه حق قابل للتجزئة، ثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك، لقرابة بينهما، أو نحوها 5. والمعنى بينهما قريب.

بهذا يظهر أن المعنى الاصطلاحي توضيح للمعنى اللغوي وتفصيل له.

وردت مادة (ورث) في القرآن الكريم (35) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 13 ... {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء:11]

الفعل المضارع ... 12 ... {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء:176]

اسم الفاعل ... 6 ... {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) } [المؤمنون:10]

الاسم ... 4 ... {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد:10]

وجاءت الوراثة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين، والوراثة الحقيقية هي أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة، ولا عليه محاسبة 7.

الوصية:

الوصية لغةً:

الإيصال، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته 8.

الوصية اصطلاحًا:

هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت 9، والمراد بها ما جاء في مثل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة: 180] .

الصلة بين الوصية والميراث:

أن الوصية قد تكون حقًا واجبًا مثل الدين، وقد تكون تبرعًا بإرادة الموصي، والميراث حق واجب في مال الموروث وبغير إرادته، والوصية عطية من المالك، والميراث عطية من الله تعالى 10.

التركة:

التركة لغةً:

بفتح التاء وكسر الراء، وفي اللغة: هي ما يتركه الشخص ويبقيه 11.

التركة اصطلاحًا:

هو ما يتركه الميت من ممتلكاته بعد موته، وتخفف بكسر التاء وسكون الراء 12.

الصلة بين التركة والميراث:

لما كان الميراث مما يتركه الميت سمي تركة، وقد ورد اللفظ بهذا المعنى في قوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] .

وفي الآية التي تليها، وفي آخر سورة النساء.

أخبر الباري جل جلاله أنه الوارث، وهو اسم من أسمائه الحسنى جل وعلا.

قال الزجاجي: «الله وراث الخلق أجمعين لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون، كما قال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم: 40] » 13.

قال الخطابي: الوارث هو الباقي بعد فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم بعد موتهم، ولم يزل الله باقيا مالكا لأصول الأشياء 14.

وقد ورد الاسم في القرآن في مواضع متعددة وصيغ شتى:

فجاء الإخبار عن ذلك بصيغة الجمع فقال جل جلاله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) } [الحجر: 23] .

قال الطبري: «ونحن نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل» 15.

وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) } [القصص: 58] .

وجاء في دعاء زكريا: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء: 89] .

وجاء بصيغة الفعل في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم: 40] .

وجاء التعبير بصيغة المصدر في قوله جل وعلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .

وفي قوله: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) } [الحديد: 10] .

قال الطبري: «فإن قال قائل: فما معنى قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والميراث المعروف هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟

قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتب عليهم الفناء وذلك أن ملك المالك إنما يصير ميراثا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إعلاما بذلك منه عباده أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فان سواء، فإنه الذي إذا هلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم لم يبق أحد يكون له ما كانوا يملكونه غيره» 16.

والمتأمل في سياق الآيات التي وردت في لفظ الوراثة في حق الله يتلمس ما يورثه هذا الاسم من آثارٍ ومعانٍ تزيد في إيمان العبد، ومن ذلك:

1.الملك الحقيقي لله الواحد القهار.

الذي ما من ملك ملكٍ طال ملكه أم قصر إلا وهو راجع إليه سبحانه، وهذا المعنى يورث في النفس تعظيم الله وتقديره حق قدره، وما أعظم هذا الموقف يوم يرث الله الأرض ومن عليها ويجمع الملوك والمملوكين في موقف واحد ثم ينادي فيهم: (لمن الملك اليوم) كما قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ? لَا يَخْفَى? عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ? لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ? لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ?16?الْيَوْمَ تُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ? لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?17?) [غافر: 16 - 17] .

ويبين هذا المعنى ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) 17.

2.السعي في الدنيا للتقرب إلى الله تعالى بما يرضيه ويقرب إليه.

فإن كان ملوك الدنيا يملكون ملكًا نسبيًّا في الدنيا، فيوم القيامة ملك الله الذي اختص به لنفسه فقال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 4] .

وهو سبحانه يورث جنته في ذلك اليوم المتقين من عباده كما قال تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم: 63] .

3.تهيئة النفس وتربيتها أن تكون من الذين يورثهم الله الأرض فيعملون فيها بتحقيق العبودية.

فما من جيل يقدم إلا وقد أورثه الله ديار وتراث من سبقه، فهل سيعمل فيها بما يرضي الله تبارك وتعالى.

وقد حذر الله عباده من ذلك فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?54?) [المائدة: 54] .

ولا شك أن هذا الإبدال نوع من أنواع الوراثة التي يورثها الله تعالى لعباده. ومن التهيئة كذلك التهيئة لخلافة الأرض وعمارتها وسياستها كما يريد الله تعالى، ومن تأمل ما قصه الله تعالى بين موسى وقومه يجد هذا المعنى واضحًا جليا، كما سيأتي بيانه، فالإيمان بأن الله هو الوارث وهو الذي يورث من يشاء من عباده تجعل العبد بل الأمة جمعاء على قدر من التأهيل الإيماني والاستعداد العملي لحمل هذه الأمانة إذا ورثوها.

4.عدم الاغترار بقوة الباطل وانتفاشه.

فإن الله تعالى له بالمرصاد، وسيأتي الوقت الذي يزهقه الله فيه ويورث عباده المؤمنين ديار الكافرين ويمكنهم فيها.

قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ?105?) [الأنبياء: 105] .

فقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، فلا يغتر العبد بهذه القوة، فالوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح. فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم 18.

ويقول تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى? عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ? وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ?137?) [الأعراف: 137] .

5.عدم الاغترار بالدنيا والحذر من الركون إليها.

لأن مآلها إلى فناء ولا يبقى إلا ما قدمه العبد لنفسه يوم القيامة 19، وما أشد ارتباط هذا المعنى بقول الحق تبارك وتعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ? فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ? وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ?58?) [القصص: 58] !

6.الحث على الإنفاق في سبيل الله.

فقد جاء الإخبار عن وراثة الله للسماوات والأرض في موطنين، الأول: في ذم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله وحبسه وعدم الإنفاق منه، وبيان مالهم في الآخرة من العقوبة، كما قال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?180?) [آل عمران: 180] .

وفي ذلك يقول الراغب: «ونبه بقوله: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على انتقال ما في أيديهم إليه، كما قال: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى? كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: 94] .

ونبه أن ما خولهم لو أنفقوا على ما يجب وكما يجب لاستحقوا ثوابًا، فلما لم يفعلوا ذلك؛ انتقل عنهم، وصار عقوبة لهم، وكأنه إلى مقتضى معناه أشار من أوصى فقال: اكتبوا: هذا ما خلف فلانٌ، يسوؤه وبنوه، انتقل عنه نفعه، وخفي عليه وزره، وبين أنه عالم ببخلهم، وما يؤول إليه حالهم» 20.

والموطن الثاني: في الحث على الإنفاق والدعوة إليه وأنه المال الذي أورثه الله إياه إن لم يدخره المؤمن لنفسه بالإنفاق، فإنه صائر إليه سبحانه، وذلك في قوله: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [الحديد: 7] .

وقوله: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الحديد: 10] .

7.التوجه إلى الله بسؤال الذرية الصالحة 21.

فكان من دعاء زكريا عليه السلام (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى? رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ?89?) [الأنبياء: 89] .

فاستجاب الله دعاءه فقال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى? وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90 ) ) [الأنبياء: 90] .

قال القاسمي: وقوله: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) ثناء مناسب للمسألة 22.

ومن أوجه المناسبة:

8.الإيمان بهذا الاسم فيه الرد على المشركين في إنكارهم البعث والجزاء.

ففي قول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم: 40] .

قال ابن عاشور: «وتأكيد جملة إنا نحن نرث الأرض بحرف التوكيد لدفع الشك؛ لأن المشركين ينكرون الجزاء، فهم ينكرون أن الله يرث الأرض ومن عليها بهذا المعنى» 23.

أولًا: الوراثة الدنيوية:

من الحقائق القرآنية المسلمة حقيقة الاصطفاء، فالله تبارك وتعالى يصطفي من خلقه من يشاء ويصطفي لدينه من يشاء، كما قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة: 132] .

أي: إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه واجتباه لكم، فاتقوا الله ولا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا 24.

ومن الوراثة الدينية التي أخبر عنها القرآن الكريم:

1.وراثة النبوة.

من المقرر أن الله تبارك وتعالى يختار من صفوة خلقه من يشاء فيجعلهم رسلًا كما قال تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى? عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى? ? آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ?59?) [النمل: 59] .

وقال: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 75] .

فالله تبارك وتعالى يختار من رسله من أزكى الخلق وأجمع لصفات الخير وأحق بالاصطفاء، فهو تعالى سميع بأقوال عباده بصير بمن هو أحق بالاصطفاء.

وكما اصطفى تعالى من رسله من يشاء فقد فضل الله تعالى بحكمته وفضله بعض النبيين على بعض فقال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ? وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ? وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ?) [البقرة: 253] .

ومن هذا الاصطفاء أن يصطفى تعالى رسلًا فيجعل في ذريتهم النبوة والكتاب ولذا قال تعالى: (ڑ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ?33?) [آل عمران: 33] .

وإنما خص الله تعالى هؤلاء الأنبياء الكرام بالذكر لأن الأنبياء والرسل من نسلهم 25.

وكما قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ? إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَ?نِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ? ?58?) [مريم: 58] .

فجعل الله تعالى من ذرية آدم نوحًا وإدريس، وجعل من ذرية نوح إبراهيم، و وجعل من ذرية إبراهيم إسماعيل وإسحاق، وجعل من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وقال تعالى عن نوح وإبراهيم عليهما السلام: (. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [الحديد: 26] .

وقال عن إبراهيم: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [العنكبوت: 27] .

وكون النبوة في ذرية هؤلاء الأنبياء عليهم السلام فهو نوع من أنواع الوراثة في الدين، وليس المراد بالإرث هنا إرث الاستحقاق، وإنا هو إرث خاص بالنبوة يهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده من ذريته من اصطفاهم جل وعلا.

ولذا فإن زكريا عليه السلام حين خشي ألا يكون من عصبته من يكون صالحًا لوراثة العلم والنبوة، وكان يرجو أن يكون من ذريته من يخلفه في ذلك دعا ربه فقال: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ?5?يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ? وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ?6?) [مريم: 5 - 6] .

والوراثة التي كان يرجوها عليه السلام هي وراثة النبوة والدين 26.

قال البغوي: «والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين» 27.

وكما أجاب الله دعاء زكريا عليه السلام فقد أنعم الله على سليمان بأن ورث النبوة من أبيه دون سائر ولده، فقال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ? وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ? إِنَّ هَ?ذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ?16?) [النمل: 16] .

مما يبين أن وراثة النبوة فضلٌ يهبه الله لمن يشاء، فقد خصه الله بها دون سائر ولد أبيه، ولذا قال بعدها: (إِنَّ هَ?ذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) وقال قبلها: (وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى? كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل: 15] .

2.وراثة الكتاب والعلم.

لما كان الدين قائمًا على الرسل وعلى أتباع الرسل وكانت النبوة فيمن اجتبى الله واختار من عباده، فكانت وراثة الكتاب لأتباع الرسل ومن يخلفهم دون وراثة النبوة.

ولما كانت وراثة النبوة اصطفاء واختيارًا من الله تبارك وتعالى، فقد جعل وراثة العلم والكتاب اختبارًا وابتلاء، ليعلم الله تبارك وتعالى، من يأخذ عن الأنبياء حمل هذا الدين بقوة وحق ومن يفرط فيه ويضيعه، فإن ضيعوه كانوا أبعد الناس عنه، وإن حفظوه وقاموا به كان أحق الناس به وشملهم الاصطفاء الذي جاء في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] .

إذ إن «الآل: في (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) تشمل من اتبع هؤلاء الأنبياء بإحسان فيكون من ورث الكتاب بحق من المصطفين من أتباع الأنبياء.

والآيات التي جاء الحديث فيها عن وراثة الكتاب تدل على هذا المعنى، فقد قال تعالى عن بني إسرائيل بعد ذكر خبر نبي الله موسى وهارون عليهما السلام: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَ?ذَا الْأَدْنَى? وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ? أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ? وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ ?169?) [الأعراف: 169] .

فيخبر الله تعالى عن قومٍ خلفوا من قبلهم ورثوا الكتاب، أي: انتقل إليهم انتقال الميراث، من سلفٍ إلى خلف 28.

فعهد الله إليهم بهذا الكتاب عملًا وتطبيقًا، ولكنهم خالفوا ذلك واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير فكانوا خلف سوء، كما قال قتادة: «والله لخلف سوء، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم، ورثهم الله وعهد إليهم، فتمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها، لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من أمر الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالا كان أو حراما» 29.

وهذا هو معنى قوله: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَ?ذَا الْأَدْنَى? وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ?) .

وقال ابن زيد: « (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَ?ذَا الْأَدْنَى) قال: الكتاب الذي كتبوه، وإن يأتهم المحق برشوة، فيخرجوا له كتاب الله ثم يحكموا له بالرشوة. وكان الظالم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له المثناة، وهو الكتاب الذي كتبوه، فحكموا له بما في المثناة بالرشوة، فهو فيها محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ?) » 30.

فهذا صنف من الأصناف الذين ورثوا الكتاب فضلوا وحادوا ولم ينفعهم ذلك الميراث شيئًا مع شرفه وفضله، والسياق في هذه الآيات يتحدث عن بني إسرائيل، ولشناعة هذا الأمر وقبحه أمر الله نبيه أن يقص قصة رجل ورث الكتاب وآتاه الله آياته فانسلخ من هذا الميراث عياذا بالله، فقال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ?175?وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ? ذَ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ?176?) [الأعراف: 175 - 176] .

وهذا بلا شك أنموذج في غاية السوء فبعد أن علمه الله الكتاب فصار العالم الكبير والحبر النحرير انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله الذي يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال،، فترك كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس.

فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزًّا بعد أن كان من الراشدين المرشدين، وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه، ولكنه فعل ما يقتضي الخذلان، فأخلد إلى الأرض، أي: إلى الشهوات السفليةوالمقاصد الدنيوية. واتبع هواه بترك طاعة مولاه 31.

والآية وإن كان الحديث فيها عمن جاء من بني إسرائيل ممن أوتوا التوراة إلا أن حكمها عامٌّ فيمن ورث كتاب الله فضيعه.

ولذا حكى ابن الجوزي في قوله: (ورثوا الكتاب) ثلاثة أقوال:

الأول: أنه التوراة.

والثاني: الإنجيل.

والثالث: القرآن 32.

وقال ابن كثير بعد أن ذكر أن المراد بالكتاب أنه التوراة: «وقد يكون اللفظ أعم من ذلك» 33.

ولذا قال الله تعالى عن اليهود والنصارى محذرًا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيما وقعوا فيه: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [الشورى: 14] .

أما الصنف الآخر من الذين يرثون الكتاب فقد جاء في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ? فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ?32?) [فاطر: 32] .

وهذا الصنف من الذين ورثوا الكتاب فعملوا بما ورثوا وما أوتوا - على تفاوتٍ بينهم - فأخبر الله تعالى أنهم من أهل الاصطفاء.

وفي ذلك يقول السعدي: «فكلهم اصطفاه الله تعالى لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان وعلوم الإيمان وأعمال الإيمان من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه» 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت