فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 2431

والاجتماع والإجماع هو الإعداد والعزيمة على الأمر، فهؤلاء اجتمعوا على رأي واحد، واتفقوا على فكرة واحدة، ولكنها في خانة الباطل، وفي المكر والخداع، وبمن؟! بأقرب الناس إليهم! اجتمعوا صفًا واحد ضد أخ لهم؛ حسدًا وبغيًا، فما أقبحه من اجتماع! ويا ويله من تلاقٍ!

ومعنى الآية: وما كنت لدى إخوة يوسف في الوقت الذي أجمعوا فيه أمرهم على التخلص من يوسف بأي ثمن، وهم يحتالون على إخراجه من بين يدي أبويه؛ ليلقوه في غيابة الجب؛ تخلصًا منه، حيث رأوا أنه حجب عنهم وجه أبيهم، وذهب بعطفه وحنانه دونهم.

قال ابن جرير: أي: وما كنت حاضرًا عند إخوة يوسف إذ أجمعوا واتفقت آراؤهم، وصحت عزائمهم، على أن يلقوا يوسف في غيابة الجب؛ وذلك كان مكرهم الذي قال الله عز وجل: {وَهُمْ يَمْكُرُونَ} 118.

فهم قد تشاوروا كثيرًا، وتعاقدوا على التفريق بينه وبين أبيه، واستقر رأيهم بعد تكرر المشاورة على ما فعلوا به، واتفقوا عليه، في حالة لا يطلع عليها إلا الله تعالى، ولا يمكن أن يصل أحد إلى علمها إلا بتعليم الله له إياها.

من الاجتماع المذموم الاجتماع على الفساد.

قال تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) } [النمل:48 - 49] .

«يقول تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح، وهي حِجر ثمود، تسعة أنفس، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وكان إفسادهم في الأرض كفرهم بالله، ومعصيتهم إياه، وإنما خص الله -جل ثناؤه- هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين؛ لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا في عقر الناقة، وتعاونوا عليه، وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود» 119.

فهؤلاء اجتمعوا على الإفساد في الأرض، وقتل الناقة، وتعاهدوا وتقاسموا على ذلك، قال ابن كثير: «يقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها، قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم، أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان أيضًا -قال ابن كثير-: قلت: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى يقول: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) } [الشمس:14] .

وقال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} [الإسراء:59] .

وقال: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} [الأعراف:77] .

فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل على رضا جميعهم بذلك، والله أعلم» 120.

وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعة أنفس، والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة ... ، وكانوا عتاة قوم صالح عليه السلام، وكانوا من أبناء أشرافهم، وقوله: {وَلَا يُصْلِحُونَ} يعني: أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح؛ مع أنك قد تجد بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح 121.

هؤلاء الرهط التسعة الذين تمحضت قلوبهم وأعمالهم للفساد وللإفساد، بحيث لم يعد بها متسع للصلاح والإصلاح، فضاقت نفوسهم بدعوة صالح وحجته، وبيتوا فيما بينهم أمرًا، وهو قتله عليه السلام.

ومن العجب أن يتداعوا إلى القسم بالله مع هذا لشر المنكر الذي يبيتونه! وهو قتل صالح وأهله بياتًا، وهو لا يدعوهم إلا لعبادة الله! وإنه لمن العجب كذلك أن يقولوا: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل:49] ولا حضرنا مقتله {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فقد قتلوهم في الظلام، فلم يشهدوا هلاكهم، أي: لم يروه بسبب الظلام! وهو احتيال سطحي، وحيلة ساذجة، ولكنهم يطمئنون أنفسهم بها، ويبررون كذبهم، الذي اعتزموه للتخلص من أولياء دم صالح وأهله، نعم من العجب أن يحرص مثل هؤلاء على أن يكونوا صادقين! ولكن النفس الإنسانية مليئة بالانحرافات والالتواءات، وبخاصة حين لا تهتدي بنور الإيمان، الذي يرسم لها الطريق المستقيم، كذلك دبروا، وكذلك مكروا، ولكن الله كان بالمرصاد يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم، ويطلع على مكرهم، وهم لا يشعرون {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) } [النمل:50] 122.

وكما في كل جماعة رأس أو رؤوس تقودها، وتتولى تدبير أمرها، فكذلك كان في هذه الجماعة أكثر من رأس، لقد كان فيها تسعة رؤوس، كلهم فاسد، لا يدعون إلا إلى الشر، ولا يعملون إلا فيما هو شر.

والحاصل: أن هؤلاء النفر قد اجتمعوا وائتمروا فيما بينهم، على أن يهلكوا صالحًا وأهله، فأقسموا على ذلك، وجعلوا لتنفيذ هذه المؤامرة وقتًا هو الليل، ثم اتفقوا كذلك على الموقف الذي يلقون به ولي الدم لصالح وأهله؛ وذلك بأن ينكروا أنهم شهدوا مصرع صالح ومن معه.

ومن الاجتماعات المذمومة التي ذمها الله في القرآن: اجتماع الكفار والمنافقين على السخرية والاستهزاء بدين الله.

قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء:140] .

ونظيره: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام:68] .

فهؤلاء اجتمعوا على الكفر، وهو الاستهزاء بالدين، والخوض في آيات الله بالباطل، فنهى الله عز وجل عن مجالستهم، وحضور اجتماعهم المشوؤم.

ثم زاد الأمر تخويفًا بقوله: إن جالستموهم ورضيتم باستهزائهم {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} أي: في الكفر 123.

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم 124.

وفي الآية وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله، أو بحججه، أو برسله، وأن لا يقعد معهم؛ لأن في القعود إظهار عدم الكراهة؛ وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس معهم إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذًا فلا فائدة في دعائهم، ويجب القيام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه يكون سببًا في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف إذا كان وقوفه يوهم عدم الكراهة 125.

ففي قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} نهي للمسلمين عن الجلوس في هذا المجلس القائم على تلك الصفة، وليس نهيًا عامًا مطلقًا على تجنب الجلوس مع المنافقين والكافرين، ففي ذلك إعنات للمؤمنين، فقد تستدعي أحوالهم أن يكونوا بحيث لا منصرف لهم عن الحياة مع هذه الجماعة، وتبادل المنافع معها!

على أن من السلامة لدين المؤمن أن يتجنب مجالس هؤلاء القوم ما استطاع، فإذا مست هذه المجالس دينه بما يسوء كان أمرًا لازمًا عليه أن يتحول عن هذه المجالس في الحال، ولا يخلط نفسه بها، وإلا حمل وزره من الإثم الذي يتعاطاه فيها أهل النفاق والكفر، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} أي: لا فرق بينكم أيها المؤمنون وبين هؤلاء الأثمة الذين يهزءون بآيات الله، ويسخرون منها، إذا أنتم استمتعتم إلى هذا المنكر ولم تنكروه.

وفى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} تهديد ووعيد بهذا المصير المشئوم الذي ينتظر الكافرين والمنافقين، ومن يلوذ بالكافرين والمنافقين، ويركن إليهم، ويستمع للزور الذي يدور بينهم 126. يريد: كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا؛ فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة 127.

وهذا هو حضور الزور المنهي عنه، والزور كلُ مَا خالف الحق، فمعنى: {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72] أي: لا يحضرون الباطل، في أي لون من ألوانه، قولًا أو فعلًا أو إقرارًا.

لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:55] .

وفي قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} إشارة إلى ما نزل قبل هذا من قرآن في مثل هذا الموقف، وهو قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} .

فهذه الآية هي توكيد لهذا التنبيه الذي سبق نزول القرآن به من قبل، وتحذير جديد لأولئك الذين لم ينتهوا عما نهوا عنه، والخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمر ملزم لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان النبي إمامهم وقدوتهم 128.

ومن الاجتماع المذموم الاجتماع على الخمر والميسر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:91] .

فلما كان الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه، ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش؛ وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر، وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.

وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال؛ لأن من صار مغلوبًا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبًا فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ... ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيرًا مسكينًا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم 129.

والمقصود: أن كل اجتماع لم يؤسس على طاعة الله، ولم يكن على نور من الله، فهو اجتماع مذموم، واجتماع يؤول إلى الحسرة والندامة، وتنقلب الألفة إلى نفرة، والمحبة إلى عداوة، والكثرة إلى قلة.

وقد أخبر الله تعالى عن بعض أهل الأعراف أنهم ينادون رجالًا من المشركين يعرفونهم بعلاماتهم، فيقولون لهم: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48] يعني: ما أغنى عنكم جمعكم واجتماعكم وكثرتكم، ولا استكباركم عن الإيمان.

قال الرازي: والمراد بالجمع: إما جمع المال، وإما الاجتماع والكثرة {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} والمراد: استكبارهم عن قبول الحق، واستكبارهم على الناس المحقين، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام، ثم زادوا على هذا التبكيت وهو قولهم: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} [الأعراف:49] فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة، كانوا يستضعفونهم، ويستقلون أحوالهم، وربما هزأوا بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية لمن كان مستضعفًا عنده قلق لذلك، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه 130.

من أسباب عدم الاجتماع ومعوقاته: اتباع الهوى.

قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى:15] .

فقوله: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} فيه إشارة إلى أن الأهواء والبدع تفرق؛ ولقد جاء الأمر صريحًا لمحمد صلى الله عليه وسلم باتباع الشرع الحنيف، والنهي عن اتباع الهوى كما في الآية السابقة، وكما في قوله سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) } [الجاثية:18] .

ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ويذمونهم بذلك.

قال أبو العالية: «تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينًا وشمالًا، وعليكم بسنة نبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء» 131.

وصدق أبو العالية رحمه الله، فهذه الأهواء المذمومة قد فرقت الأمة، وفككت كيان الجماعة المسلمة، والمتأمل لأسباب الفرقة يجد أنها تدور في رحاها بين الجهل وبين اتباع الهوى، والظلم؛ لذلك لا اجتماع للأمة إلا بوحدتها على كتاب الله تعالى، وسنة نبيه الكريم، والتزام صراطه المستقيم علمًا وعملًا، حقًا وعدلًا، وترك الأهواء.

2.اتباع السُبُل:

ومن معوقات الاجتماع: اتباع السبل المتفرقة، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:153] .

فقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي} الإشارة إلى معهود لدى المخاطبين، أو إلى ما جاء في السورة، وهو الإسلام والقرآن، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.

ونلحظ إضافة الصراط إلى الله في كثير من الآيات، كما في هذه الآية {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي} [الأنعام:153] .

وقوله: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ} [الأنعام:126] .

وقوله: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ} [الأعراف: 16] .

وقوله: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1] .

وقوله: {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:24] .

وقوله: {وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ:6] .

وقوله: {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى:53] . وكأنه يقول: ولأن هذا صراطي فهو علة للاتباع 132.

و {مُسْتَقِيمًا} حال من {صِرَاطِي} مؤكدة لمعنى إضافته إلى الله 133.

{فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} والسُبُلَ الأديان المختلفة، أو الطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد؛ لاختلاف الطبائع والعادات 134.

فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدة سماها: صراطًا مستقيمًا؛ لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة، يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط، وهي طرق الشيطان، فطريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه، ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق.

قال القاسمي: «فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق، ولا يناقض هذا قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة:16] .

فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها» 135.

وقد بين العلة في ذلك ابن القيم في أحسن بيان، حيث قال: وذكر الصراط المستقيم منفردًا، معرفًا تعريفين:

-تعريفًا باللام.

-وتعريفًا بالإضافة.

وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له ... ، وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله 136.

وكذلك وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] .

وقال تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل:48] .

إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه 137.

والحاصل: أنه تعالى وحَد لفظ (صراطه) و (سبيله) وجمع (السبل) المخالفة؛ ووجه المناسبة في ذلك أنه لما كان الهدي شيئًا واحدًا غير متشعِب السبل ناسبه التوحيد؛ ولما كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ ناسب الجمع.

والمقصود: أن من الأسباب المانعة من الاجتماع اتباع السبل، وهي الطرق المختلفة في الدين، وأن السبيل الوحيد للنجاة من ذلك هو اتباع صراط الله الذي وصفه بالاستقامة، فلا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فاتبعوه وحده، ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه، وهي كثيرة، فتتفرق بكم عن سبيله، بحيث يذهب كل منكم في سبيل ضلالة منها ينتهي بها إلى الهلكة؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس أمام تارك النور إلا الظلمات.

ومن معوقات الاجتماع: التحزب والتعصب.

قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) } [المؤمنون:53] وقال: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم:32] .

يعني: كان الناس أمة واحدة على دين واحد، وهو دين الإسلام، كما قال: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) } [المؤمنون:52] .

والمعنى: وإنَ دينكم -يا معشر الأنبياء- دين واحد، وهو الإسلام، وأنا ربكم، فاتقوني بامتثال أوامري، واجتناب زواجري، فتفرَق الأتباع في الدين إلى أحزاب وشيع، جعلوا دينهم أديانًا، بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه، زاعم أنه على الحق، وغيره على الباطل، وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين.

ولهذا قال هنا: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} والتقطع يقتضي التحزب، وقديمًا كان التحزب مسببًا لسقوط الأديان والأمم، وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق، والحزب: الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل، أو المتفقون عليه 138.

وجيء بفاء التعقيب في قوله: {فَتَقَطَّعُوا} لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم بقولهم: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) } [المؤمنون:52] .

بل تقطعوا أمرهم بينهم سريعًا، فاتخذوا آلهة كثيرة، فصار دينهم متقطعًا قطعًا، لكل فريق صنم، وعبادة خاصة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت