فهرس الكتاب

الصفحة 879 من 2431

تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 137 - 138] ، وهكذا سأفعل بقومك إن هم أصروا على الكفر والجدل في آيات الله.

وفي الآية تسلية لرسوله على تكذيب من كذبه من قومه، وبأن له أسوة في سلفه من الأنبياء، فإن أقوامهم كذبوهم وما آمن منهم إلا قليل» 112، وتهديد لمن جادل في آيات الله؛ ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛ ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه 113.

جعل الله تعالى دار الدنيا دار عمل ومسابقة ومنافسة على طاعة الله تعالى، وأمهل فيها كل أمة مهلة كافية؛ لتؤمن فيها برسولها، وترى دلائل ربوبية الله تعالى وألوهيته، وصدق رسله ماثلة مبثوثة في آياته الكونية والشرعية، ثم جعل الله تعالى الحياة الآخرة دارًا يحاسب فيها كل أمة بعملها، ويقيم على كل أمة شهودًا على أن كل رسول قد أقام الحجة على أمته.

قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] .

أولًا: لكل أمة شهيد:

أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن للأمم شهداء عليهم يوم القيامة، وشهداء الأمم أنبياؤهم، وسوف يشهدون عليهم بما عملوا.

قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] .

قال البغوي: «وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} ، أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيها يشهد عليهم بما عملوا، {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} شاهدًا يشهد على جميع الأمة على من رآه ومن لم يره» 114.

وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ومقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به فهم ناجون ومن تبرأ منهم أنبياؤهم؛ لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم 115.

فجعل الله شهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق؛ لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتبكيت له أعظم، وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول، وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ، ووعدًا للمطيعين الذين قال الله فيهم {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40] 116.

وجاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان 117.

وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيدًا 118.

قال ابن عاشور: «لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه دلالة على شعور مجتمع فيه دلائل عظيمة: وهي المسرة بتشريف الله إياه في ذلك المشهد العظيم، وتصديق المؤمنين إياه في التبليغ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسف على ما لحق بقية أمته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدة ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمان رحمة ومسرة وأسف وبهجة» 119.

والخلاصة في معنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بما عملوا، ويؤتى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا على أمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت