فهرس الكتاب

الصفحة 2173 من 2431

الأول: هلاك نفسه، وقد قال الله جل جلاله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ نَارًا اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .

وهو ضرر كبير وعظيم.

الثاني: تناول المحظور، وهو ضرر أدنى وأخف من الأول، فيأخذ به المضطر، فيكون بذلك قد جلب منفعة أكبر من مفسدة الضرر الأول.

فيجب على المضطر ارتكاب أخف الضررين لينقذ نفسه من الهلاك.

رابعًا: الضرورة تقدر بقدرها:

يتمثل هذا الضابط في ارتكاب المحظور أو تناول المحرم في حالة الاضطرار بقدر الضرورة الملجئة بدون زيادة أو نقصان، يقول الله عز وجل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } [البقرة:173] .

وذكر جمهور المفسرين في تفسير هذه الآية قولين:

الأول: أن من أُكره على أكل المحظور فلا إثم عليه.

الثاني: أن من احتاج إلى أكل المحظور لضرورة دعته من خوفه على نفسه فلا إثم عليه 51.

هذا وقد ذكر الماوردي في تفسيره لقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} ثلاثة أقوال، وهي كما يأتي:

الأول: أي غير باغٍ على الإمام، ولا عادٍ على الأمة بإفساد شملهم.

الثاني: غير باغٍ في أكله فوق حاجته، ولا عادٍ يعني متعديًا بأكل المحظور وهو يجد غيره من المباح.

الثالث: غير باغٍ في أكل المحظور شهوةً وتلذذًا، ولا عادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع 52.

وبين الإمام الرازي أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا ما يسد به رمقه، ووضح أن هذا هو الأقرب في دلالة الآية، وعلل ذلك بقوله: «لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء، فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم» 53.

ويقول الله عز وجل في موضع آخر: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) } [المائدة:3] .

والمعنى: أن من دعته الضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرمات المذكورة في الآية، بسبب الخمص وهو ضمور البطن من شدة الجوع، وكان هذا المضطر غير مائلٍ للحرام بشكل متعمد ومقصود فيه للمعصية، فإن الله تعالى له غفور رحيم 54.

ويخلص من هذا إلى أن المضطر يأكل من المحظور بالقدر الذي يزيل عنه الضرورة التي ألجئ إليها فقط، ولا يزيد على ذلك فيدخل في دائرة التلذذ وقضاء شهوة الأكل، ولا ينقص من ذلك فيؤدي إلى هلاك نفسه.

ويخلص من هذا إلى أن ضوابط الاضطرار متمثلة في حصول اليقين أو غلبة الظن بوقوع الضرر، وتعذر الوسائل المشروعة في إزالة الضرر الواقع، ووجوب تقدير الضرورة بقدرها دون زيادة أو نقصان، وبارتكاب أخف الضررين لينجو بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت