فهرس الكتاب

الصفحة 2175 من 2431

وقد ذكر العلماء أنه قد علم بالاستقراء التام الحاصل بتتبع النصوص القرآنية الكريمة، والسنة النبوية المطهرة، ومن خلال قرائن الأحوال والأمارات المتفرقة، علم مراعاة الشارع الحكيم لهذه الضروريات الخمسة، واعتماده عليها في جميع أحكامه، ويستحيل عليه أن يفوت هذه الضروريات الخمسة في شيء من أحكامه، فجميع التكاليف الشرعية من أوامر ونواه تدور حول هذه الضروريات الخمسة بالحفظ والصيانة 60.

فالإنسان المضطر عندما تلجئه الضرورة من مخمصة، أو جوع شديد، أو إكراه، أو خوف على النفس من الهلاك، فتلجئه إلى تناول الحرام وأكله بشرط أن يأكل ما يسد به رمقه ويبقيه على قيد الحياة.

كما ورد في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة:173] .

وقوله عز وجل: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [المائدة:3] .

فمراعاته لحكم الاضطرار الذي هو عليه جعله يسعى إلى إنقاذ نفسه من الموت.

وذكر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [البقرة:173] : أن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاءً للنفس ودفعًا للهلاك عنها 61.

وقد قال الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .

وقوله تعالى أيضًا: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] .

فإن في الامتناع عن الأكل من المحرمات عند الضرورة سعيًا في قتل النفس، وإلقائها في التهلكة.

ثالثًا: جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم:

إن الشريعة الإسلامية مبنية أيضًا على جلب المصالح للعباد ودفع المفاسد عنهم 62، وقد تواترت كثير من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على ذلك، ومنها قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .

والمعنى: أي وما أرسلناك بالقرآن وأمثاله من الشرائع والأحكام التي بها مناط السعادة في الدارين إلا لرحمة الناس وهدايتهم في شئون معاشهم ومعادهم.

قال المراغي: «بيان هذا أنه عليه الصلاة والسلام أرسل بما فيه المصلحة في الدارين، إلا أن الكافر فوت على نفسه الانتفاع بذلك، وأعرض عما هنالك؛ لفساد استعداده وقبح طويته، ولم يقبل هذه الرحمة، ولم يشكر هذه النعمة، فلم يسعد لا في دين ولا دنيا، كما قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) } [إبراهيم:28] .

وقال في صفة القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت:44] » 63.

ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة أيضًا قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل:90] .

حيث تعد هذه الآية جامعة لكل الأوامر والنواهي.

قال السعدي: «صارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت