وقال السمرقندي: «ويقال: جعل الشمس ضياء مع الحر، والقمر نورًا بلا حر» 59.
أولًا: سجود الشمس لله تعالى:
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } [الحج: 18] .
فكل ما في الكون يسجد لله تعالى بكيفيات وهيئات متنوعة منها ما نراه ونشاهده ومنها ما يغيب عن حواسنا القاصرة.
عن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأبي ذرٍ حين غربت الشمس: (أتدري أين تذهب؟) ، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38) [يس: 38] ) 60.
قال ابن الجوزي: «ربما أشكل الأمر في هذا الحديث على من لم يتبحر في العلم، فقال: نحن نراها تغيب في الأرض، وقد أخبر القرآن أنها تغيب في عين حمئة، فإذا دارت تحت الأرض وصعدت، فأين هي من العرش؟ فالجواب: إن الأرضين السبع في ضرب المثال كقطب رحا، والعرش لعظم ذاته كالرحى، فأين سجدت الشمس سجدت تحت العرش، وذلك مستقرها 61.
ثانيًا: الشمس ومواقيت العبادات:
مواقيت العبادة موزعة على النهار وجزء من الليل، والشمس آلة تلك الأوقات.
قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) } [هود: 112 - 115] .
فأمر بالمحافظة على الصلوات {طَرَفَيِ النَّهَارِ} : الفجر والعصر، {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} : وأوقات من الليل تتقرب بها إلى الله، من أول الليل لقربها من النهار، كصلاة المغرب والعشاء، ومن آخره قريبًا من النهار.
وقال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) } [الإسراء: 78] .
والدلوك: الغروب. وقيل: الدلوك زوال الشمس نصف النهار. وقيل: الدلوك من وقت الزوال إلى الغروب. والغسق: سواد الليل وظلمته. وقيل: غسق الليل دخول أوله وقت صلاة العشاء 62.
قال ابن العربي: وفيه قولان: أحدهما: زالت عند كبد السماء؛ قاله عمر، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباسٍ، وطائفةٌ سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني: أن الدلوك هو الغروب؛ قاله ابن مسعودٍ، وعليٌ، وأبي بن كعبٍ، وروي عن ابن عباسٍ 63.
وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، (أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال:(اشهد معنا الصلاة) ، فأمر بلالًا فأذن بغلسٍ، فصلى الصبح حين طلع الفجر، ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء، ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعةٌ، ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس، ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق، ثم أمره الغد فنور بالصبح، ثم أمره بالظهر فأبرد، ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيةٌ لم تخالطها صفرةٌ، ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق، ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل، أو بعضه فلما أصبح، قال: (أين السائل؟ ما بين ما رأيت وقتٌ) 64.
الشمس نجم متوسط الحجم والكتلة، وتوجد في الفضاء نجوم أكبر منه مئات، بل آلاف المرات، وقديما عرف الناس أهميتها في حياتهم، بينما وصل الجهل ببعض من الناس إلى أن عبدوها من دون الله، فشيدوا المعابد وقدموا النذور والقرابين وسجدوا لها من دون الله، وهذا من ضلالهم وتزيين الشيطان لهم، كما وقع من قوم سبأ الذين كانوا يسجدون للشمس، وأنكر عليهم هدهد سليمان عليه السلام هذا الضلال البين، ولقد نقض القرآن الكريم هذه الخرافات، كما سنبينه فيما يلي:
أولًا: عبادة قوم إبراهيم عليه السلام للشمس:
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام:75 - 79] .
أقام إبراهيم الحجة على قومه الذين عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب جهلًا منهم وضلالًا، فهذه الأجرام مع عظمتها وإنافتها وروعتها ومنافعها الجمة، فهناك من خلقها وأبدعها وسيرها، ولقد لفت إبراهيم عليه السلام أنظار قومه إلى كون تلك الأجرام العلوية حادثةً متنقلةً من حال إلى حال بما يتنافى مع طبيعة الإله الحق، فالكوكب في أول سطوعه يخلب الأنظار بنوره الأزهر لكنه سرعان ما يغيب ويضمحل أمام نور الصباح.
فبين إبراهيم عليه السلام نفوره من عبادة إله يغيب ويتلاشى، لأن الإله الحق لا يغيب ولا يتلاشى، كيف وهو رب كل شيء ومليكه ومدبره ومسيره!
فلما رأى القمر ساطعًا ينير ظلمة الليل البهيم، وقد تألق في السماء وبدا حسنه وسناؤه، تدرج مع قومه فقال على سبيل المجاراة لهم: هذا ربي! ليلفت أنظارهم لتلك الحجة التي سيلقمهم إياها حين يغيب نور القمر فيقول {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} .
فقطع رجاءهم من القمر، الآفل وعلق القلوب والآمال بهداية الله تعالى التي ليس سواها هداية، ليكشف لقومه سبيل الهداية الأوحد الذي لا ثاني له، وأن الخلق جميعًا مفتقرون لهداية ربهم.
ثم كانت الحجة الثالثة حين طلع النهار وأشرقت الشمس بضيائها وسناها، وملأت الكون نورًا ودفئًا، فقال مجاريًا لقومه: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} مما سبقه من أجرام، فلما غربت وخيم الظلام أعلن براءته مما عليه قومه من شركٍ وضلال،66 كما أعلن توحيده لله وعبادته له وحده.
قال القاسمي: «وقوله تعالى: {هَذَا أَكْبَرُ} أي: أكبر الكواكب جرمًا، وأعظمها قوة، وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة، مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر» 65.
ثانيًا: مملكة سبأ وعبادة الشمس:
قال الله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد مع قوم سبأ: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) } [النمل: 22 - 26] .
بعد أن وصف الهدهد ما عليه تلك المملكة من حضارة وازدهار، نعى ما هم عليه من ضلال بعبادتهم الشمس من دون الله تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) } .
شخص الهدهد أصل الداء، وهو تزيين الشيطان لهم هذه العبادة الغريبة وتلك الديانة العجيبة التي تدل على جهلٍ وحماقة، كيف يقدسون هذا الجرم السماوي ويتفننون في عبادته وإقامة المعابد وزخرفتها وتزيينها وإنشاد الأناشيد واختلاق الطقوس التي يؤدونها! إن هذا كله من وحي الشياطين، من أجل صد الناس عن سبيل التوحيد الذي لا سبيل غيره، أما الشمس فمع كبر حجمها وأهميتها في حياتنا لكنها ضئيلة بالمقارنة بغيرها من النجوم التي تكبرها آلاف المرات، فضلًا عن كونها جزءًا من مجرة تحيطها مجرات كثيرة، فما هي في ملك الله العظيم إلا كحلقة في فضاء.
ولذلك تأتي لفتة دقيقة من الهدهد يبين فيها عظمة عرش الرحمن جل وعلا، فما عرش بلقيس بالنسبة له! وما حجم الشمس مقابله! وما الشمس إلا نجمٌ من بين ملايين الشموس؛ فكان الأولى بهم أن يسجدوا لله تعالى الذي يخرج بقدرته ما في السموات وما في الأرض من كنوز وخبايا، من أمطار وأرزاق ونبات وأشجار ومعادن وخيرات.
وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد فهو يحط على الأرض وينقرها بمنقاره الطويل فيخرج طعامه «بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله مخائل كل مختصٍ بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله» 66.
وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) } [فصلت: 37] .
فالشمس هذا النجم العظيم وما ينبثق عنها من منافع للكون آيةٌ من آيات الله، وما هي في هذا الكون الرحيب إلا كالكرة المعلقة في فضاء شاسع، ونجمٌ من ضمن مليارات النجوم التي أبدعها الخالق جل وعلا.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) } [فصلت: 37] .
فالشمس جزء من مجموعة تابعة لمجرة، والمجرة واحدة من بلايين المجرات في الكون.
إن نظرة كثير من البشر إلى المخلوقات من حولها تتناقض بين نظرة ملؤها القهر والاستكبار والتسلط وبين الشعور بالمذلة والهوان، بين من يتكلم عن هذه المخلوقات بلغة القهر والتسلط والغرور والقسوة، وبين من سقط في عبادة هذه النعم وترك عبادة المنعم جل وعلا، فعبدوا الشمس والقمر والنجم والشجر والطير والحجر والوحش والبقر من دون الله، بين من ينظر لهذه المخلوقات بعين الازدراء والتحقير، وبين من ينظر إليها بعين التقديس والتعظيم، بينما كانت رسالة القرآن في بيان النظرة الصحيحة لهذه المخلوقات بعين الاعتبار والتقدير لدورها في الوجود، وأنها مربوبة لله منقادةٌ له جل وعلا فهو آخذ بناصيتها، ندرك من ذلك مدى ضلال من عبدوها من دون الله إعجابًا بمنافعها غافلين عن عبادة من خلقها وسخرها.
للقرآن الكريم حديثٌ مستفيضٌ عن نهاية العالم، بين فيه ما يجري للكون من أمورٍ عظامٍ وأهوالٍ جسامٍ، وأثر ذلك على الإنسان ذلك المخلوق الضعيف الذي سيرى بأم عينيه ما يجري للكون حوله من تغيراتٍ وزلازل وانفجارٍ ودمار يشيب من هوله الصغار.
حدثنا القرآن عن مصير الأرض والسماء والنجوم والكواكب والشمس والقمر، والجبال والبحار، وغيرها من الكائنات. مشاهد علوية ومشاهد أرضية، «ففي العالم العلوي: تنفطر السماء، وتنتثر الكواكب، وتتكور الشمس، وتنكدر النجوم، وتنفرج السماء، وتتشقق، ويخسف القمر، ويجمع الشمس والقمر. وفي العالم الأرضي: تنفجر البحار، وتسير الجبال، وتكون كالعهن المنفوش، وتنسف نسفًا، وتدك دكًا» 67.
أولًا: حال الشمس عند قيام الساعة:
1.أجل الشمس.
يرتبط أجل الشمس بأجل الدنيا فهي من أسباب عمرانها وبقاء هذا العالم، فإذا قضى الله تعالى نهاية العالم، لحق بالشمس ما يلحق غيرها من الفناء. قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد:2] .
قال مقاتل: يعني: إلى يوم القيامة 68.
وقال الطبري: «يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء لأجلٍ مسمًى، أي: لوقت معلومٍ، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم» 69.
2.الخروج من المغرب.
من علامات القيامة الكبرى طلوع الشمس من مغربها؛ خرقًا لنواميس الكون وإيذانًا بانقضاء الدنيا وخراب الكون.
قال الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) } [الأنعام:158]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل) 70.
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه في قوله تعالى: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 158] .
قال: «لا تزال التوبة مبسوطةً ما لم تطلع الشمس من مغربها» 71.
3.التكوير.
وفي القرآن الكريم سورة كاملة تسمى بسورة التكوير، تبدأ بهذا الحدث العظيم المرتقب وما يرافقه ويلاحقه من أحداث جسام وأهوال عظام: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) } [التكوير: 1 - 14] .
فالسورة في أولها حديث عن مشاهد القيامة وأهوالها التي تتجلى على كل مخلوق، على الشمس والنجوم والجبال والبهائم والوحوش وعلى البحار وعلى السماء، مع تحول الغيبيات إلى مشاهد محسوسة، وانتقال الوعد والوعيد إلى حقائق واقعة، فالنفوس تتزاوج كلٌ مع ما يشاكلها كما تتزاوج بمصيرها وعاقبتها التي لا تنفك عنها، والموءودة حان وقت القصاص لها وسؤال القاتل بتوبيخٍ: لماذا قتلها؟ بأي جريرة استحل دماءها! والصحف تتطاير لا تخطئ أصحابها، فسميت بسورة التكوير تنويهًا على هذا الحدث العظيم وتلك المشاهد المروعة والصور المتداخلة والأحداث المتعاقبة المتشابكة التي عرضتها السورة بأسلوبها الذي يهيج النفوس، ويزلزل أعماق القلوب ويخلع النفوس من واقعها، ليوقفها أمام هذه الأهوال العظام.
عن الحسن: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) } [التكوير: 1] .
يقول: «تكور حتى يذهب ضوؤها فلا يبقى لها ضوءٌ» 72.
وعن قتادة في قوله تعالى: {كُوِّرَتْ} : أذهب ضوءها 73.
وعن مجاهد: اضمحلت وذهبت 74.
وعن ربيع بن خثيم: {كُوِّرَتْ} : رمي بها 75.
ويجمع الطبري بين هذه الأقوال فيقول: «والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكذلك قوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها» 76.
ويقول سيد قطب: «إن تكوير الشمس قد يعني: برودتها. وانطفاء شعلتها، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء. كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف. واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ 12000 درجة، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد! قد يكون هذا، وقد يكون غيره أما كيف يقع والعوامل التي تسبب وقوعه؟ فعلم ذلك عند الله.
وانكدار النجوم قد يكون معناه: انتثارها من هذا النظام الذي يربطها، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها، والله أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث؟ وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا مجموعتنا الشمسية مثلًا، أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين من النجوم أم هي النجوم جميعها؟ والتي لا يعلم عددها ومواضعها إلا الله. فوراء ما نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها لا نعرف لها عددًا ولا نهاية 77.
وفي تحليل أو لنقل تقريب علمي لهذه الظاهرة المرتقبة يقول أحد الباحثين في بيان مصير الشمس بين القرآن والعلم ومعنى قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} «يقول العلم: تتكون الشمس من 70 ? من غاز الهيدروجين، و 27? من غاز الهيليوم، ويتم تحول الهيدروجين إلى هيليوم بالتدريج، إلى أن ينتهي فيتكور قلب الشمس (يتداخل في بعضه وينكمش) وتتوقف التفاعلات النووية، وتنتفخ الطبقة الخارجية للشمس ويزداد قطرها إلى درجة تصل فيها أن تبتلع الأرض» .
ولا شك أن العلم الحديث يكاد يجمع على أن للشمس نهايةً وأنها تصير تدريجيًا، إلى هذه النهاية المرتقبة، ولكن النظريات والافتراضات العلمية لا يمكن أن تستوعب أو تنطبق على الحقائق الغيبية، وإن كانت لا تعارضها بل تقربها للأذهان.
ثانيًا: حال الشمس يوم القيامة:
تتعرض الشمس للتكوير حين تفقد طاقتها الكامنة المتجددة، فتتكور كما تكور العمامة وتفقد سيطرتها وجاذبيتها للأجرام الأخرى التي تدور حولها، فتختل تلك السنن الثابتة، وتتعطل تلك المنظومة لتؤذن باختلال نظام الكون.
ثم يلتحم بها القمر، قال تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} قال الواحدي: جمعا في ذهاب نورهما 78.
وقال السمعاني: « {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} : في الخسفة وإذهاب الضوء 79.
قال ابن عطية: واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما، فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل: في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل: يجمع الضوءان فيذهب بهما 80.
ويرى علماء الفلك أن القمر سيقترب من الشمس حتى ينجذب إليها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة التي تعد من مشاهد القيامة {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} .
الجنة لا شمس فيها:
قال تعالى في سياق الحديث عن نعيم أهل الجنة: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}
فنعيم الجنة نعيم خالدٌ تامٌ ليس هناك ما يكدره أو ينغصه أو ينقصه، وأمور الآخرة لا تنقاس على أمور الدنيا، فللآخرة سننها ونواميسها التي تختلف عن سنن الحياة الدنيا، في الدنيا لا غنى عن الشمس، فهي إكسير الحياة ومصباح الوجود، أما في الآخرة فأهل الجنة ينعمون ويأكلون ويشربون دون حاجة لوهج الشمس وحرارتها التي تحرك الحياة.
في الدنيا يتضجر الناس من الحر ويتألمون من البرد الشديد، فينكد عليهم عيشهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب قد أكل بعضي بعضًا فنفسني، قال: فأذن لها في كل عامٍ بنفسين، فأشد ما تجدون من البرد فهو زمهرير جهنم، وأشد ما تجدون من الحر فهو من حر جهنم) 81.
أما في الجنة فنعيم مقيم لا يعاني أهلها حر شمسٍ ولا يكابدون قسوة بردٍ، قال الله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) } [الإنسان: 13] .
قال مقاتل: يعني: شمسًا يؤذيهم حرهم، ولا زمهريرًا يؤذيهم برده 82.