فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 2431

5.اتباع الآباء في رد دعوات الأنبياء.

تلك أسوأ صفة، وهي سببٌ لجميع الصفات الأخرى، حيث كان اتباع الآباء سببًا في رد دعوات الأنبياء، وحين يرد الإنسان دعوة النبي؛ فلاشك أنه سيقع في ضلال ٍمبين، وتأمل إجابة قوم موسى عليه السلام حين جاءهم بالبينات حيث قالوا: (مَا هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [القصص: 36] .

وكان لقريش الإجابة نفسها: (مَا هَ?ذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ) [سبأ: 43] .

إن هؤلاء القوم حين واجههم القرآن بحججه وبيناته؛ أحسوا بخطورة ذلك عليهم، لأنهم لا يعتمدون إلا على تقاليد بالية يتمسكون بها، وهي قولهم: إن هذا النبي يريد أن يصد الناس عما كان يعبد آباؤهم، وهم يشعرون أنهم قاوموا الحجة بالحجة، وما دروا أنها حجة ساقطة مرجعها التقليد الأعمى!

ولم يكتف القرآن بعرض ردود القوم؛ بل بين أن الأنبياء والقرآن ردوا عليهم، وأظهروا عوار تفكيرهم من خلال عدة أمور، ومنها المناقشة العقلية والتنزل للخصم، والتذكير بالله تعالى وبنعمه، والتحقير والتوبيخ، والتعجب والإنكار، والتذكير بقدرة الله عليهم وأخيرًا التهديد بالعذاب.

حين نأتي على دعوات الأنبياء عليهم السلام؛ نجد أن دور الملأ واضحًا في صد الناس عن دين الله، والملأ: «جماعة يجتمعون على رأي فيملؤون العيون رواءً ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا» 69.

لقد كان اتباع الطواغيت من الكبراء من أسباب الصدود عن الحق، والتمرد على الأنبياء وعصيانهم، فهاهو ذا نوحٌ عليه السلام يناجي ربه: (رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) [نوح: 21] .

لقد عصى القوم نوحًا عليه السلام فلم يستجيبوا له، على الرغم بأنه وعدهم بالمغفرة وأن يرسل السماء عليهم مدرارًا بالمطر، ويمدهم بالمال والولد وتتحول أراضيهم على جنات وأنهار. وإضافة إلى العصيان؛ اتبعوا رؤساءهم في الكفر وعدم اتباع دعوة نبي الله نوح عليه السلام.

قال الألوسي: «والظاهر أن اتباع عامتهم وسفلتهم لأولئك الرؤساء وفي وصفهم بذلك؛ إشعارٌ بأنهم اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة» 70.

ثم ننتقل إلى هود عليه السلام وكيف كذبه قومه اتباعًا لكبرائهم.

يقول الله تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ ? جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [هود: 59] وكما هو واضح؛ فالآية بينت لنا ثلاثة أمور: جحودهم آيات الله، وعصيانهم الرسل واتباع الجبابرة المعاندين.

قال الراغب: «الجبار: في صفة الإنسان: يقال: لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لايستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم» 71، وأما العنيد؛ فيقول: «المعجب بما عنده، والمعاند: المباهي بما عنده» 72.

ويتردد مثل هذا الكلام في قصة صالح وشعيب مع قومهما، وقد ساقها القرآن بتفاصيلها، وكانت النتيجة أن هذا التكذيب كان سبب العذاب.

ويبقى أن أشير إلى فرعون الذي بلغ منزلة عالية في الكبر عن الحق، ونتيجة لذلك؛ (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى?) [طه: 79] .

ولذلك يقول تعالى: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ? وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود: 97] .

لقد أرسل الله موسى عليه السلام بالحجج والآيات الباهرة والظاهرة إلى فرعون وملئه، فاتبع القوم أمر فرعون في تكذيب موسى عليه السلام، ورد ما جاء به من الحق، ولذلك رد الله عليهم مباشرة بقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) ؛ لأن من يكذب الأنبياء ويرد دعوتهم لا يمكن أن يكون أمره رشيدًا، «وإنما هو غيٌ صريح، وضلالٌ ظاهر مكشوفٌ، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم» 73.

[انظر: القدوة: الكبراء والرؤساء]

الباطل عامٌ في كل ما هو خلاف الحق، والحق راجعٌ للوحيين: الكتاب والسنة، ولذلك؛ فالمؤمن يتبع الحق دائمًا، والكافر يتبع ضده وهو الباطل.

وفي ذلك يقول الله تعالى: (لَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ?1? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ?2? ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) [محمد: 1 3] .

يبين الله في الآيات حال فريقين من الناس من خلال بيان النتيجة ثم تفصيل السبب الموصل إليها، ففي الأولى؛ يبين الله سبحانه وتعالى إضلال الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ثم يبين تكفيره لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم، ثم يبين علة هذا الإضلال بأنه كان بسبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله واتباعهم الباطل.

والملاحظ أنه تكرر الاسم الموصول (الذي) عدة مرات، وهذا له فائدة بلاغية ذكرها الجرجاني، وملخص كلامه: إن الإنسان حينما يؤتى له بصفات رجلٍ ما، فيمدح عليها دون أن يذكر اسمه؛ فإنه لابد أن يتساءل: هل سمع بهذه الصفات؟ وهل حصل معناها؟ وكيف ينبغي أن يكون هذا الرجل حتى يحصل المدح أو يبتعد عن الذم؟ 74

وعليه؛ فالمستحقون للذم هم الذين يتبعون الباطل، واتباعهم الباطل كان سبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ولذلك؛ أضل أعمالهم، بينما المستحقون للمدح متبعو الحق، وسبب ذلك إيمانهم بالله وعملهم الصالح، ولذلك كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.

ويرخي ختام الآيات بظلاله على العمل، فبين إضلال العمل، وتكفير السيئات وصلاح البال؛ بونٌ شاسع، حيث يأتي إضلال الأعمال بضياع وضنك وشقاوة في الدنيا والآخرة، بينما يأتي تكفير السيئات وإصلاح البال بسعادة نفسية وبدنية في الدنيا والآخرة.

إن أعظم مظاهر الاتباع المذموم؛ اتباع الهوى؛ فكم صد أقومًا عن الحق، وكم صرف آخرين إلى الباطل، وحين نتأمل سير الأنبياء؛ نجد أن كثيرًا ممن عارضهم من أقوامهم إنما كان بسبب الهوى، ألست ترى أن اتباع الآباء في أصله اتباعٌ للهوى.

والهوى: «ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي ذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية» 75.

وعرفه بعضهم بأنه: «ميل النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع» 76.

وكعادة القرآن في معالجة هذه المواضيع؛ فإنه يطرقها من جميع جوانبها؛ فقد تحدث عن خطورة الهوى في الحكم والقضاء والشهادة، وأنه يؤدي إلى أن يكون إلهًا يعبد .. إلخ، كما تحدث عن أشخاص معينين أضلهم هواهم، وحذر من اتباع العوى، ولم يغفل بيان خطورة اتباع الهوى، ومن مظاهر اتباع الهوى ما يأتي:

1.اتباع الهوى في الشرك.

إن اتباع الهوى في الشرك أعظم الأنواع، حيث يعبد المرء ما سوى الله سبحانه وتعالى تبعًا لهواه.

قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ?19? وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ?20? أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ?21? تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ?22? إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) [النجم: 19 23] .

أبانت الآيات أن تلك الأصنام التي عبدت من دون الله، وسميت بأسماء مخترعة ليس عليها دليلٌ ولا برهان؛ إنها لم تأت إلا من قبل الظن والهوى، «لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحيٍ جاءهم من الله، ولا من رسوله الله أخبرهم به» 77.

ومما يزيد أمر اتباع الهوى في الشرك وضوحًا: قوله تعالى: (رَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?28? بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) [الروم: 28 29] .

2.اتباع الهوى في الحكم والقضاء.

القضاء والحكم بين المتخاصمين مظنة وقوع الميل لأحد الأطراف، مالم يعصم الله القاضي من ذلك، وقد يكون هذا الميل لأمر من أمور الدنيا أو لحظ من حظوظ النفس، ولأهمية ذلك.

فقد أمر الله سبحانه نبيه داوود عليه السلام بالحكم بين الناس بالحق وحذره من اتباع الهوى.

فقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26] .

وإذا جاء الأمر للأنبياء بذلك على أهميتهم وعصمتهم من الخطأ، فما بالك بمن سواهم!.

وفي الآية تقسيم واضح لطريق الحكم بين الناس: إما الحق، وهو الوحي المنزل، وإما الهوى، وهو كل ما سوى الوحي.

ثم بين أن اتباع الهوى علة للضلال عن سبيل الله، لأن الفاء في قوله: (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) «تدل على العلية» 78، ومن ثم؛ فإن الضلال موصلٌ إلى العذاب الشديد يوم القيامة، والمحصلة: «إن متابعة الهوى توجب سوء العذاب» 79.

وكما خاطب الله نبيه داوود عليه السلام بالبعد عن الهوى في الحكم؛ خاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا له: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ?ںں) [المائدة: 48] .

وقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ?) [المائدة: 49] .

ومعلومٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس واقعًا في الهوى، لكن القصد أن يتقرر هذا الأمر عند الناس، فلا يقعوا فيه، وهذا فيه تشديد على متبعي الهوى، حتى لو كان ذلك لمصلحة كما قد يرى ويسوغ البعض.

3.اتباع الهوى في الشهادة.

بعد أن تحدثت عن اتباع الهوى في الحكم؛ آتي إلى أمر مقترن به وهو الشهادة، سواء أكان ذلك أمام القاضي أو الحاكم، أو في التعاملات الأخرى بعيدًا عن الحكم والقضاء من خلال ذم شخص أو جماعة أو مدحهما.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ? إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى? بِهِمَا ? فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَنْ تَعْدِلُوا ? وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 135] .

إن أول ما يقابل القارئ نداء المؤمنين، فهو يخاطبهم بأحب الأوصاف إليهم، ويخاطبهم لأنه قد يقع منهم الجور على الرغم من إيمانهم، وتكون الشهادة حتى على النفس والوالدين والأقربين، ولا شك أن هذا أمر صعب أن تشهد على نفسك ووالديك والأقربين منك، قال الطبري: «وذلك أن يكون عليه حقٌ لغيره، فيقر لله به، فذلك قيامٌ منه له بالشهادة على نفسه، وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين» 80.

ويؤيد هذه الآية قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ? وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا ? اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ?) [المائدة: 8] .

ففي الآية الأولى حديث عن العدل مع الأقربين خوف الميل لهم، وفي هذه الآية حديث عن العدل مع الأعداء خوف الجور عليهم، واتباع الحق يضبط ذلك، واتباع الهوى يميل إلى إحدى الطرفين.

4.اتباع الهوى في العبادة والدعوة.

يوجه الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو إلى ملة التوحيد التي شرعها له، ويستمسك بها ويثبت عليها، فكم من إنسان يظهر الدعوة إلى الله وهو في الحقيقة إنما يدعو لنفسه.

ولذلك يقول تعالى: (فَلِذَ?لِكَ فَادْعُ ? وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ?) [الشورى: 15] .

كما ينهاه عن اتباع أهوائهم؛ لأنها مخالفة للاستقامة على طريق الحق.

ومن خلال الآية؛ يلمس المرء صرامة في النهي عن اتباع الأهواء، وذلك لتبتعد هذه الدعوة عن أماكن الانزلاق ومواضع الاضطراب، وتبقى واحدة موحدة؛ مرجعها الأول والأخير هو الوحي، حيث الصفاء والنقاء والبعد عن الأهواء.

هذا ما كان من أمر الدعوة؛ أما ما كان من أمر الشريعة والعبادة.

فيقول تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 18] .

هذه الآية - على إيجازها حوت معاني عظيمة؛ وذلك أنها بينت أن شريعة الإسلام أفضل الشرائع؛ لأنها الخاتمة لجميع الشرائع السابقة من جهة، ولأنها من عند الله تعالى من جهة ثانية، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباعها، والمقصود بذلك المداومة على اتباعها، ودعوة الأمة إلى ذلك، وعدم التفريط فيها إلى الأهواء الأخرى.

وفي مقابل ذلك؛ فإن كل مالم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو باطلٌ وضلالٌ، وهو من أهواء الذين لا يعلمون.

5.اتباع الهوى في الصد عن الحق.

لا يتوقف اتباع الهوى عند حد، بل يمتد ليشمل الصد عن الحق، لأن الحق نقيض الهوى، فلا يكتفي البعض بعدم اتباع الحق بل يتجاوزون ذلك للصد عنه.

وقد حذر الله نبيه موسى عليه السلام من اتباع الذين يصدون عن الحق: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى? ?15?فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى? ?16?) [طه: 15 16] .

قال ابن كثير: «المراد بهذا الخطاب: آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في الدنيا، وعصى مولاه، واتبع هواه» 81.

وقد وضحت الآية نتيجة اتباع هؤلاء بكلمة واحدة وهي قوله: (فَتَرْدَى) ، قال ابن كثير: «أي: تهلك وتعطب» 82.

عبادة الهوى:

إن كثرة اتباع الهوى؛ تصير المرء عبدًا لهواه يعبده من دون الله، ويصدر في أقواله وأفعاله من الهوى الظاهر أو الخفي، ولذلك يقول الله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ? إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ? بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 43 44] .

ويقول تعالى أيضًا: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ?23?) [الجاثية: 23] .

ففي الآيتين نجد الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم -وهو عامٌ لجميع أفراد الأمة- ينعي على أولئك الذين اتخذوا الهوى إلهًا، والتعبير بقوله: (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ) ؛ يفيد الحصر، أي «لم يتخذ لنفسه إلهًا إلا هواه» 83، ويقول الزمخشري: «أي هو مطواعٌ لهوى النفس، يتبع ماتدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه» 84.

وتأمل التعقيب في الآيتين، ففي الآية الأولى؛ وصفهم بالأنعام بل أضل منها، وفي الآية الثانية؛ بين أن الله ختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ ولأن الله ختم على سمعهم وقلوبهم وجعل على أبصارهم غشاوة؛ صاروا كالأنعام، بل أضل من ذلك، ولعل هذا سبب عدم سمعهم وعقلهم الذي عبرت عنه الآية الثانية، فهل يتوقع لهم الهداية بعد ذلك؟

[انظر: الهوى: مجالات اتباع الهوى]

لابد من معرفة الظن المقصود؛ فقد عرفه الراغب بقوله: «الظن: اسم لما يحصل عن إمارة، ومتى قويت؛ أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدًا؛ لم يتجاوز حد التوهم، والظن في كثير من الأمور مذموم، ولذلك قال تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ?) » 85 [يونس: 36] .

والظن يختلف من حيث القوة والضعف 86، ولكن تبقى الظنون جميعًا تحت سقف اليقين، تقترب منه أو تبتعد عنه.

ولقد عرض القرآن الكريم لمظاهر اتباع الظن من جوانبها المختلفة، ومنها:

1.اتباع الظن في الشرك.

إن عبادة الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تقوم على اليقين، وبخاصة في أمور العقائد، و ألا يتطرق إليها أدنى شك أو شبهة، لأنها متعلقة في الأصل بالقلب، فما بالك إذا بنيت على ظنون وأوهام وشبهات، وحين يتطرق الظن إلى العقائد؛ بطل كونها من عند الله تعالى، كما بطل الاحتجاج بها؛ لأنها أصبحت مدخلًا لكل طاعنٍ، ومرتعًا لكل مبطلٍ، يقول الله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ? إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ?36?) [يونس: 36] .

لقد جاءت الآية بعد مناظرة طويلة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركين في إثبات من يملك الرزق، ومن يملك الإحياء والإماتة، والهداية.

وقد تبين أن هذه الآلهة المزعومة لا تملك من ذلك شيئًا؛ لأنها ليس لها من حق في التصرف والتدبير، وبذلك حجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم جاءت هذه الآية عقب الآيات السابقة لتبين أن هؤلاء القوم إنما يعبدون ويتبعون الظن، أي: ظنهم بأن هذه الآلهة تنفع أو تشفع، وأنها حقًا آلهة.

وفي مقابل شركهم بالله واتباعهم الظن؛ نجد أنهم يحتجون على هذا العمل بحجة داحضة باطلة ألا وهي القدر، أي: أن الله شاء لهم ذلك: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ? كَذَ?لِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى? ذَاقُوا بَأْسَنَا ? قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ? إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) [الأنعام: 148] .

والمعنى: «هل عندكم بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ماتشركون، وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون، على يقين من خبر من يقطع الخبر عذره، أو حجة توجب لنا اليقين من العلم فتخرجوه لنا» 87.

2.اتباع الظن في الإضلال عن سبيل الله.

لم يكتف هؤلاء المشركون بضلالهم عن سبيل الله؛ بل أرادوا إضلال غيرهم، وهذا كما مر طبيعة كل امريء أن يدعو الناس إلى معتقده، وأن يصد الناس عن اتباع المعتقدات التي تشغب أو تشوش على معتقده، وهؤلاء هم غالبية الناس.

يقول تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام: 116] .

ينهى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم عن طاعة هؤلاء المشركين، وهم أكثر من في الأرض.

قال ابن عباس: «الأرض هنا: الدنيا» 88.

ثم بين سبب النهي عن طاعتهم باتباعهم الظن، «وكثيرٌ من المفسرين يقولون: المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم، لا إلى تعليلٍ أصلًا» 89.

3.اتباع الظن في تحريف الأسماء.

وكما في اتباع الهوى؛ ابتدع المشركون بدعة أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، أضافوها لاتباع الهوى؛ وذلك بتحريف الأسماء، فمدحوا من لايستحق المدح باشتقاقهم أسماء لآلهتهم من أسماء الله تعلى، وذموا من لايستحق الذم؛ إذ سموا الملائكة تسمية الأنثى، وفي كلا الأمرين لا مستند لهم إلا اتباع الظن.

تأمل قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ?19? وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ?20? أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ?21? تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ?22? إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) [النجم: 19 23] .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى ?27? وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم: 27 28] .

ففي الأولى اشتقوا لآلهتهم أسماء من أسماء الله دون دليلٍ، وفي الثانية سموا الملائكة إناثًا دون دليلٍ أيضًا، وكل مستندهم الخرص والظن.

4.اتباع الظن في عدم التثبت.

إن من يتبع الظن في الأمور العظام وهي أمور العقيدة ولايبني عقيدة على مستمسك صحيحٍ وصريح من الوحي؛ فلا شك أن أعماله يغلب عليها عدم التثبت، وهي نتيجة طبيعية؛ لأنه لا يبحث عن الدليل والبرهان؛ بل مبنى عمله على الحدس والخرص، ويعظم الأمر حين يكون الظن في مسألة العقائد.

وهذا ما توضحه الآية: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ? وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ? مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ? وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ?157?بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?158?) [النساء: 157 158] .

فالآية تنفي قتل المسيح أو صلبه، وتثبت أنهم في شبهة من ذلك على الرغم من تظاهرهم باليقين.

والحاصل أن كل الغيبيات؛ لا تقبل إلا بنص صحيح صريح، ولا يقبل فيها مجرد اتباع الظنون والأوهام، أيًا كان مصدر ذلك، وهو ما يورث العقائد الباطلة.

إن اتباع الشهوات متفرع عن اتباع الهوى، فما الشهوة إلا بضعة من الهوى وبعض منه، يقول تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ? فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ?59?) [مريم: 59] .

جاءت هذه الآية بعد جملة من الآيات تحدثت عن الأنبياء وذكرت صفاتهم، ثم ذهب هؤلاء القوم وجاء بعدهم قومٌ أضاعوا الصلاة و نتج عن ذلك أن اتبعوا الشهوات.

قال القرطبي: «الشهوات: عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه، ويلائمه ولا يتقيه» 90.

«ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن: الخلف الطيبين لايضيعون الصلاة ولايتبعون الشهوات» 91.

هذا وإنه من المعلوم أن من ابتلي بأمر؛ فإنه يحب أن يكون الناس على شاكلته ومنهجه، ولذلك فإن من ابتلي بالشهوات يود أن يسير الناس كلهم في هذا الطريق، وأن يبتعدوا عن طريق الاستقامة.

قال تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء: 27] .

قررت الآية إرادتين: إرادة الله التوبة على عباده، وإرادة الذين يتبعون الشهوات أن نميل إليها، وتأمل في قوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ولم يقل: «يريد الله أن يتوب عليكم» ، حيث «قدم المسند إليه على الخبر الفعلي؛ ليدل على التخصيص الإضافي، أي: هو الله وحده، وهو الذي يريد أن يتوب عليكم، أي: يحرضكم على التوبة والإقلاع عن المعاصي» 92.

إذًا؛ هذا مايريده الله منا، إنه يريد أن يلم شعثنا ويجمع تفرقنا، ويقرب بعيدنا، وهذا مراد الله تعالى وتلك مراد أتباع الشهوات والشيطان، فأي الإرادتين أحق بالاتباع؟

••المتأمل في الآيات القرآنية التي عرضت موضوع الاتباع بشقيه المحمود والمذموم يلاحظ أنها استخدمت أساليب لغوية وبلاغية غاية في الروعة.

ولقد كانت هذه الأساليب تتخذ جانب الحث والدعوة والطلب في جانب الاتباع المحمود، فترغيب فيه مطلقًا.

و تستخدم جانب النهي والزجر والإنكار في جانب الاتباع المذموم، فتحذر منه مطلقًا.

أولًا: أسلوب الطلب للحث على اتباع الخير:

أسلوب الطلب أحد أساليب القرآن الكريم في الحث على الاتباع المحمود، ويتضمن الطلب أنواعًا كثيرة، لكن حديثي سوف يركز هنا على الأمر والاستفهام فقط.

أسلوب الأمر:

جاء في الكليات تعريف الأمر بأنه: «استعمال صيغة دالة على طلب من المخاطب على طريق الاستعلاء .... » 93، وسوف أعرض كيف جاء الأمر بالاتباع.

لقد عرض القرآن آيات الأمر بأساليب كثيرة، ومن هذه الأساليب مايلي:

1.جاء الأمر بالاتباع ردًا على المشركين حين قالوا عن القرآن: إنه تقاليد بالية، وعن محمد صلى الله عليه وسلم بأنه درس الآيات على الآخرين، وكأن في ذلك تحصينًا لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم من النقض والنقد، والدعوة للاعتصام بالوحي فقط.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 105 106] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت