فهرس الكتاب

الصفحة 1666 من 2431

الرزق

أولًا: المعنى اللغوي:

الرزق: الراء والزاء والقاف أصيلٌ واحدٌ، يدلّ على عطاءٍ لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت؛ والرزق: بالفتح مصدر، وبالكسر اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما ينتفع به، وجمعه أرزاق، والرازق والرزّاق: صفة الله تعالى، فعّال من أبنية المبالغة، لا يقال إلا لله تعالى، ولأنه يرزق الخلق أجمعين، وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم، قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] 1.

قال تعالى: {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19] ، أي: فليأتكم بقوت منه 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الرزق: كل ما ينتفع به، سواءً كان ماديًّا كالأموال من ذهب وفضة وحيوان وزروع وثمار وعقار، وكل ما هو مأكول ومطعوم وملبوس ومشروب ومسكون ونحو ذلك، أو كان معنويًّا كالمعارف والعلوم والمنزلة والجاه والسلطان والعقل والذكاء وحسن الخلق ونحو ذلك، وسواءً كان ما ينتفع به في الدنيا وهو ما ذكرناه، أو ينتفع به في الآخرة وهو رضوان الله تعالى وثوابه ونعيم الجنة، ونحو ذلك مما أخبرنا الله تعالى به 3.

وردت مادة (رزق) في القرآن الكريم (123) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 37 ... {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40]

الفعل المضارع ... 19 ... {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) } [آل عمران: 169]

فعل الأمر ... 5 ... {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } [إبراهيم: 37]

اسم الفاعل ... 6 ... {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) } [سبأ: 39]

صيغة المبالغة ... 1 ... {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذاريات: 58]

اسم ... 55 ... {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } [طه: 131]

وجاء الرزق في القرآن على وجهين 5:

الأول: العطاء بكل أنواعه، ومنه قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] ، يعني: مما أعطيناهم من الأموال والعلوم والجاه وغير ذلك.

وقوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37] ، يعني: طعامًا أو فاكهة.

الثاني: النفقة، ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233] ، يعني: نفقتهنّ.

الكسب:

الكسب لغة:

طلب الرّزق وابتغاؤه، والسعي في تحصيله، وأصله: الجمع، كسب يكسب كسبًا وتكسّب واكتسب، قال سيبويه: «كسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد» 6.

الكسب اصطلاحًا:

هو: الأفعال الموصلة إلى المادة، والتصرف المؤدي إلى الحاجة 7.

وقال الراغب في مفرداته: «الكسب: ما يتحرّاه الإنسان مما فيه اجتلاب نفعٍ، وتحصيل حظٍ، ككسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرة» 8.

وعلى ذلك فالكسب هو: ما يحصل ويجتمع من المال بالاكتساب من حلالٍ أم من حرام 9.

الصلة بين الكسب والرزق:

الكسب لا يأتي إلا بسعي و طلب، و الرزق قد يأتي بسعي و بدون سعي، فكل كسبٍ رزقٌ و ليس كل رزقٍ كسبًا.

العطاء:

العطاء لغة:

مأخوذٌ من العطو: وهو التّناول، يقال: عطوت الشّيء أعطو: تناولته، وفي الأثر: (أربى الرّبا عطو الرّجل عرض أخيه بغير حقٍّ) 10، أي: تناوله بالذم ونحوه، وهو في اللغة: اسم لما يعطى به، والجمع عطايا، وأعطية وجمع الجمع: أعطيات 11.

العطاء اصطلاحًا:

لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي في أن معناه يدور حول المناولة، قال ابن العربي: «حقيقة العطاء هي: المناولة، وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن: كل نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير» 12.

وقال المناوي: «العطاء: التناول، والمعاطاة: المناولة، لكن استعملها الفقهاء في مناولة خاصة» 13.

والعطاء نوعان: العطاء العام: وهو ما يكون للخلائق عامة، والعطاء الخاص: وهو ما كان خاصًّا كإجابة الدعاء، وتحقيق مطلب الأنبياء والصالحين 14.

الصلة بين العطاء والرزق:

يقال للعطاء الجاري: رزقٌ، دينيًّا كان أم دنيويًّا، فالرزق يشمل العطاء وغيره، وقيل: الرّزق: ما يفرض للرّجل في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية، مشاهرةً أو مياومةً 15.

والعطاء: ما يفرض للرّجل في كل سنةٍ لا بقدر الحاجة بل بصبره وعنائه في أمر الدّين 16.

أولًا: الله هو الرزاق:

«الرازق: المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم لهم باتصال حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا بفقدهم إياه.

والرزاق: هو الرازق رزقًا بعد رزق، والمكثر الواسع لها» 17.

يقول العلامة الشيخ السعدي: «الرزاق لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته» 18.

لقد ضمن الله تعالى لكل مخلوق رزقه كما وقت له أجله، وذلك ظاهر في آيات متعددة منها:

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] .

فالآية تثبت أن الله هو الرازق مطلقًا لخلقه، المتكفّل بأقواتهم، ذو القوة المتين 19 ويعتبر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ؛ تعليلًا لما تقدّم من الأمرين؛ فقوله: {هُوَ الرَّزَّاقُ} تعليلٌ لعدم طلب الرزق، وقوله تعالى: {ذُو الْقُوَّةِ} تعليل لعدم طلب العمل؛ لأن من يطلب رزقًا يكون فقيرًا محتاجًا، ومن يطلب عملًا من غيره يكون عاجزًا لا قوة له، والله ليس كذلك 20.

ومن لطائف ما جاء في هذا الباب: ما قاله السفاريني: «قال العمريّ: رأيت البهلول وقد دلّى رجله في قبرٍ وهو يلعب بالتّراب، قلت أنت ها هنا؟ قال: نعم عند قومٍ لا يؤذوني، وإن غبت لا يغتابوني. قلت له إنّ السّعر قد غلا، قال: لو بلغت كلّ حبّةٍ بمثقالٍ لا أبالي، نعبده كما أمرنا، ويرزقنا كما وعدنا، ثمّ أنشد يقول: رحمه الله تعالى:

أفنيت عمرك فيما لست تدركه

ولا تنام عن اللّذّات عيناه

يا من تمتّع بالدّنيا ولذّتها

يقول للّه ماذا حين يلقاه» 21

وجاءت الآية التالية لتثبت تعميم الرزق على السماء والأرض: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] .

يعترف بذلك المشركون بأن الرزق بيد الله وحده، ومن على الأرض يعلم أن الرزق بيد الله الواحد، قال صاحب الظلال: «من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع، ومن طعام الأرض نباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها، ثم سائر ما كانوا يحصلون عليه من الأرض لهم ولأنعامهم، وذلك بطبيعة الحال ما كانوا يدركونه حينذاك من رزق السماء والأرض، وهو أوسع من ذلك بكثير، وما يزال البشر يكشفون - كلما اهتدوا إلى نواميس الكون - عن رزق بعد رزق في السماء والأرض، يستخدمونه أحيانًا في الخير، ويستخدمونه أحيانًا في الشر حسبما تسلم عقائدهم أو تعتلّ، وكله من رزق الله المسخّر للإنسان، فمن سطح الأرض أرزاق، ومن جوفها أرزاق، ومن سطح الماء أرزاق، ومن أعماقه أرزاق، ومن أشعّة الشمس أرزاق، ومن ضوء القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق» 22، ثم جاءت الآية التي تخصص بعد تعميم فتذكر رزق الدواب، قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6] . إن المتأمل في آيات القرآن المتلوة، وآيات الكون المرئية يجد -بلا ريب- أن الرزق بيد الله وحده؛ فكما أنه الخالق فهو الرازق 23.

أثر الإيمان بهذه الأسماء في ترسيخ العقيدة وزيادة الإيمان:

1.إفراد الله بالعبادة.

2.زيادة التوكل على الله.

3.زيادة الرضا عن الله تعالى.

4.زيادة محبة العبد لله تعالى.

5.الشكر لله تعالى.

6.دعاء الله تعالى.

7.الإحسان إلى الناس.

8.تزكية النفس من التكبر والحسد 24.

ثانيًا: الحكمة في تفاوت الأرزاق:

من سنة الله في الخلق التفاوت في الأرزاق بين الناس، وله حكم عظيمة يعلمها الله عز وجل، وقد يظهر لنا بعض منها، وسأعرض لبعض الآيات التي تبين بعضًا من هذه الحكم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 71] .

قال المفسرون: أخبر الله عز وجل في هذه الآية أن الرزق متفاوت بين البشر، قد قسمه الله عز وجل، أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردّوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم 25.

وقيل: جعلكم متفاوتين فيه، فوسّع على بعض عباده حتى جعل له من الرّزق ما يكفي ألوفًا مؤلّفةً من بني آدم، وضيقه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفّف لهم؛ وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلّها، والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل والعلم، والفهم وقوة البدن وضعفه، والحسن والقبح والصحّة والسقم، وغير ذلك من الأحوال 26.

قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ) [الشورى: 19] .

لطيف بعباده، برٌّ بليغ البرّ بهم، قد توصّل برّه إلى جميعهم، وتوصّل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحدٌ من كلياته وجزئياته.

يقول صاحب الكشاف: «فإن قلت: فما معنى قوله: (ڑ ک ک) بعد توصّل برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون لا يخلو أحد من برّه، إلا أن البرّ أصناف، وله أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير، فيطير لبعض العباد صنف من البرّ لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظٌّ» 27.

ومن أروع ما قرأت في هذا الباب ما قاله الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «ومن لطفه بهم تبارك وتعالى: أن يقدر لهم أرزاقهم بحسب علمه تبارك وتعالى بمصالحهم، لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره الأصلح وإن كرهوا؛ لطفًا بهم وبرًا وإحسانًا» 28.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عز وجل عنه، فيظلّ يتطيّر يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل عليه» 29.

ويتضح من النصوص السابقة أن الرزق وسعته وضيقه من الله، فهو سبحانه وتعالى يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء وفق قضائه وقدره المبني على علمه وحكمته على الأوجه التالية: إما أن يكون:

ويضيق الله الرزق على من يشاء وفق قضائه وقدره المبني على علمه وحكمته على الأوجه التالية:

وهو سبحانه يبسط الرزق لبعض عباده؛ لأنه يعلم أنه لا يصلحه إلا بسط الرزق، ويضيق الرزق على بعض عباده؛ لأنه يعلم أن التضييق عليه في الرزق أصلح له، ولله في قضائه وقدره حكم عظيمة، وكل ما يقدره ويقضيه لعباده فيه الخير والصلاح 30.

ومن حكم التفاوت في الرزق كما جاء بها القرآن:

1.ليتخذ بعضنا بعضًا سخريا.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 32] .

والمعنى: (? ? ? ?) ، أي: أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمةً تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، (? ? ? ?) في الرزق وسائر مبادى المعاش وأسبابه (?) متفاوتة. فقد فاوتنا بينهم فيما أعطيناهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فكان منهم القوي والضعيف، والعالم والجاهل، والحاذق والأبله، والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير. وإنما فعلنا ذلك (? ? ? ?) ، أي: ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال لاحتياج بعضهم إلى بعض، وبهذا يمكن أن يتعايشوا ويحصل كل منهم على ما يحتاجه بمساعدة الآخرين، ولولا هذا التفاوت فيما ذكرنا لما أمكن أن يقضي بعضهم حاجة بعض، ولا أن يخدم بعضهم بعضًا 31.

2.المنع من البغي.

ومن حكمة التفاوت في الرزق: منع بغي الناس في الأرض، قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشورى: 27] .

والمعنى: لو وسع الله على عباده في الرزق (ھ ے ے) أي: لطغوا وعصوا، أو لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من الفساد والعلو فيها، (? ? ? ? ?) أي: ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم، (? ? ? ?) يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدر لهم ما هو أقرب إلى جمع شملهم، فيرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر كما توجبه حكمته تعالى. ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم جميعًا لهلكوا، ولا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل، ومع الغنى أكثر وأغلب 32، والمؤمن لا يحزن لهذا التفاوت الذي اقتضته حكمة الله حتى ولو كان شديد الفقر، لأن كل ما يؤتاه الإنسان من الدنيا فهو متاع قليل وزائل، ولا يستحق أن تستشرف له نفس المؤمن، ولا أن يكون مقصدها وهمها، ولا أن يحزن على فوته أو فقده، لأن مقصده الآخرة، وغايته طلب مرضاة الله، ولأنه يعلم مدى حقارة الدنيا عند الله تعالى. ومما يدل على حقارة الدنيا عند الله تعالى وإنها وكل ما فيها مما تستشرف إليه النفس، شيء تافه وزائل ومتاع قليل 33.

الحكمة في رزق الكفار:

إن حقيقة أرزاق الكفار وأهل المعاصي تكمن في أن الله سبحانه قد ضمن الرزق لكل مخلوقاته مؤمنهم وكافرهم؛ فعموم الأدلة الشرعية تدل على شمول رزق الله لكل مخلوقاته، من ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 6] .

ولذلك لما دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يرزق من آمن من ذريته من أهل البيت بيّن الله تعالى له أنه يرزق الكافرين أيضًا 34.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 126] .

قال الشيخ السعدي: «قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبًا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدًا بغير الظالم، فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملًا للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال تعالى: (? ?) ، أي: أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلًا (? ?) أي: ألجئه وأخرجه مكرهًا (? ? ? ?) » 35؛ لأنه ربهم ولا رازق إلا هو، ولكنه سبحانه يمتعهم برزقهم ذلك في الحياة الدنيا، ويعذبهم في الآخرة على خلاف المؤمنين الذين يرزقهم في الدنيا، ويكمل لهم رزقهم ويمتعهم به خالصًا في الآخرة.

بل لربما يزيد الله في أرزاق بعض الكفار أكثر من أرزاق المؤمنين في الدنيا، وذلك ابتلاءً للمؤمنين وامتحانًا لهم، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 32 - 35] .

قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبًا وفضةً لولا غلبة حب الدنيا على القلوب فيحمل ذلك على الكفر. قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا عن الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله» 36.

ويستفاد من الآيات: أن الميل إلى الدنيا وطلب متاعها فطري في الإنسان؛ فلذا لو أعطيها الكافر بكفره لمال إليها كل الناس وطلبوها بالكفر، وكذا: هوان الدنيا على الله وعدم الاكتراث بها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) 37.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) 38.

ثم: بيان أن الآخرة خير للمتقين 39، والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب.

قال تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [الفجر: 15 - 16] .

يقول شيخ الإسلام: «فالجواب يقول: ما كل من وسعت عليه أكرمته، ولا كل من قدرت عليه أكون قد أهنته، بل هذا ابتلاء، ليشكر العبد على السراء، ويصبر على الضراء، فمن رزق الشكر والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيرًا له 40، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) 41.

فالمؤمن يصبر على البلاء ولكن لا يسأل الله الصبر قبل وقوع البلاء، قال صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه يقول: اللهم إني أسألك الصبر، فقال: (لقد سألت الله البلاء، فسله العافية) 42.

لكن عند وقوع الضيق والشدة يسأل العبد ربه الصبر على ما ابتلي به، ولعل من الحكمة في هذا -يعني أن الفضلاء يقلل لهم، والجهلاء يضيق عليهم- لئلا يتوهم الفضلاء أن الفضل يرزقهم، وإنما يرزقهم الله تعالى.

ورحم الله الشافعي إذ قال 43:

تموت الأسد في الغابات جوعًا

ولحم الضأن تأكله الكلاب

وعبدٌ قد ينام على حريرٍ

وذو نسبٍ مفارشه التراب

حقيقة الرزق وتنوع صوره

قد يرزق الله عباده بسبب وبغير سبب، وبطلب وبغير طلب، وقد يرث الإنسان مالًا فيدخل في ملكه من غير قصد إلى تملكه، وهو من جملة الأرزاق، وكل ما وصل منه إليه من مباح فهو رزق الله، على معنى أنه قد جعله له قوتًا ومعاشًا، إلا أن الشيء إذا كان مأذونًا له في تناوله فهو حلال حكمًا، وما كان منه غير مأذون له فيه فهو حرام حكمًا 44.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 32 - 34] .

وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده أن نوع أرزاقه وفضله ونعمه وعددها؛ فجعل منها ما هو ظاهر، وما هو باطن، ومنها ما هو أول، ومنها ما هو آخر، ومنها ما هو مادي، ومنها ما هو معنوي؛ ومنها ما عجله لعباده في الحياة الدنيا، ومنها ما أخره، والآية فيها إشارة إلى ذلك حيث خلق لنا كل شيء، وسخر لنا كل شيء، وأعطانا من كل شيء سألناه، ومن كثرة نعمه لا يمكن أن يحصيها أحد، ولا يمكن أن يعدها عاد، فلله الحمد، وله الشكر، وله الثناء الحسن.

وللرزق مفهومان: مفهوم عام، ومفهوم خاص.

فالعام: هو كل ما تفضل به الله على عباده وأنعم، سواءً في الدنيا أو في الآخرة، وسواءً كان هذا الرزق ماديًّا أو معنويًّا.

أما الخاص: فهو المادي في الدنيا، ومن كسب الإنسان.

ومن أمثلة على الرزق العام فيما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت