فهرس الكتاب

الصفحة 1488 من 2431

سماهم الله أنصارًا بنصرهم

دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترفوا

للنائبات وما خافوا وما ضجروا

وقد ذكر الله تعالى هذه الصفة وهي (النصرة) في آيتين، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] .

والنصرة في المدلول القرآني واللغوي والتاريخي بمعنى: العون، والظفر، والمنع، والانتقام، والانتصار، وشد الأزر، ولقد شرف الله سبحانه وتعالى المسلمين الأول بشرف لا يدانيه شرف، حيث أجزل لهم الثواب، وأحسن لهم المدح والثناء في أعظم كتاب، وخص كلًا من الفريقين المتآخيين (المهاجرين والأنصار) بعمل عظيم جليل، ناداهم به فسموا مهاجرين وأنصارًا، وما ذلك إلا للهجرة والنصرة، فالهجرة كانت إعلانًا للدولة، وانتقالًا لدار الإسلام، والنصرة هي التي هيأت للهجرة ولوجود دار الإسلام، فكيف يغفل أحد من المسلمين عن فضل الهجرة أو النصرة، وهو يتلو كتاب الله الذي يذكر المهاجرين والأنصار وفضلهما؟!

وكانت هذه النصرة وفاء منهم لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في بيعة العقبة الثانية، حيث ثبت أنه قال لهم: (أبايعكم على أن تمنعوني -إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، ولكم الجنة) 64. فبايعوه على النصرة والمنعة، فقام منهم اثني عشر نقيبًا كفلاء على قومهم، ثم استمر الحال حتى أذن الله للمسلمين بالهجرة، وقامت أول دولة للمسلمين 65.

ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب النصرة لأمرين مهمين في غاية الأهمية:

أولهما: حماية الدعوة، حتى تسير بين الناس محمية الجانب، بعيدة عن الإساءة إلى أتباعها.

ثانيهما: إيجاد مكان آمن لدولته صلى الله عليه وسلم القادمة؛ ليتسلم خلالها مقاليد الحكم والسلطان على وفق مقتضيات النبوة على أساس الدعوة.

وختم الله تعالى الآية الأخرى بقوله: {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] ]. أي: إن هاتين الفرقتين (المهاجرين والأنصار) بعضهم أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار.

وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض، وأن الله ورث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة دون القرابة والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعد، بقوله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] وهذا القول لأبن عباس رضي الله عنه 66.

قال الشوكاني: «أي: بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة، وقيل المعنى: إن بعضهم أولياء بعض في الميراث، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] » 67.

فالولاية محبة ومودة ومناصرة، وقد اجتمعت كل هذه الأحوال في ولاية المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقد اجتمعت فيهم المودة فتوادوا وتحابوا، وتناصروا وجاهدوا جميعًا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ولقد جمعت المؤاخاة معنى المودة والمحبة والإيثار، وجمع الجهاد معنى النصر والتبعات بالجهاد في سبيل الله 68.

وقد ذكر الله بعد ذلك شأن الذين يهاجرون ويؤمنون من بعد، فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] .

فهذا يدل على أن باب الإيمان مفتوح، وباب الهجرة مفتوح، وميدان الجهاد متسع للجميع، فلم يغلق على المجاهدين الأولين من المهاجرين والأنصار فقط، بل هو مفتوح، وهذه الآية الكريمة تلحق الذين يؤمنون من بعد ويهاجرون بالأولين الذين هم المؤمنون حقًا.

وإذا كان هذا الوصف (النصرة) في الأنصار، فالمهاجرون من باب أولى، فهم أنصار في المعنى، فمعنى النصرة حاصل للكل، ومن الكل، فهم قد هجروا ديارهم وأموالهم، كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الحشر: 8] .

وأثنى عليهم بأنهم يطلبون فضلًا من الله ورضوانًا، فقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} وأثبت لهم صفة النصرة، فقال: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وأثنى عليهم بالصدق، فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فرضي الله عن المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان.

عرض القرآن الكريم فضائل الأنصار وهذا ما سنبينه فيما يأتي:

أولًا: وصفهم بالإيمان الحق:

وصف الله تعالى الأنصار بالإيمان الحق، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] .

فقوله: {وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} الإشارة إلى السابقين الأولين (من المهاجرين والأنصار) والإشارة إلى الموصوف إشارة إلى أوصافه، وجعلها مناط الحكم، أي: أولئك الذين هاجروا بعد الإيمان، وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا هم المؤمنون حقًا، أي: إيمانًا ثابتًا صادقًا حقًا، تلاقت أقوالهم وقلوبهم وأعمالهم 69.

فسبق منهم هجرة وجهاد، وإيواء ونصرة، وهذا هو الإيمان الحق، وفي الكلام قصر، أي: من كانوا على هذه الصفات هم وحدهم المؤمنون حقًا، أي: لا مؤمنون حقًا غيرهم، ومن هم على صفاتهم.

وفي هذه الآية وصفٌ لعموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق، فجمع الله فيها الفضل لفريقي الصحابة، وهم المهاجرون والأنصار، من هاجر، ومن آوى، فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة، وفي صدق الإيمان، فشهد لهم بحقيقة الإيمان، ووعدهم بالمغفرة والرزق الواسع، ومن شهد الله له بهذه الشهادة، فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.

ثم قال: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] . ذكر الله تعالى هنا ما كتب لهم من خيري الدنيا والآخرة، وهذا يتضمن جزاءين:

أولهما: المغفرة السابقة، ووراءها الرحمة والنعيم المقيم.

ثانيهما: رزق كريم واسع في الدنيا بعد المشقة التي تحملوها، وهذا شأن المهاجرين الذين آمنوا، وشأن الأنصار الذين آووا ونصروا 70.

فيكون الله قد أثنى عليهم ها هنا من ثلاثة أوجه:

أولها: قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} يفيد الحصر، وقوله: {حَقًّا} يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين، وقد كانوا كذلك؛ لأن من لم يكن محقًا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه الأحوال من المسارعين المسابقين.

وثانيها: قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} والتنكير يدل على الكمال، أي: مغفرة تامة كاملة.

وثالثها: قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} والمراد منه: الثواب الرفيع الشريف 71.

وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الأنصار، ألم يمن الله عليكم بالإيمان، وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء: أنصار الله، وأنصار رسوله؟!) 72.

فالأنصار إذن حازوا شرفين: شرف سبقهم إلى الإيمان، وشرف استضافتهم للإيمان وأهله في أرضهم.

ومدحهم بأنهم أناس سكنوا الإيمان، وسكن الإيمان في قلوبهم، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] .

فقوله: {وَالَّذِينَ} الأظهر أن (الذين) هنا عطف على (المهاجرين) -في الآية السابقة-، أي: والذين تبوءوا الدار هم الأنصار 73.

وقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا} من مادة (بواء) على وزن (دواء) وهي في الأصل بمعنى تساوي أجزاء المكان، وبعبارة أخرى يقال: (بواء) لترتيب وتسوية مكان (ما) وفي هذا التعبير كناية لطيفة لهذا المعنى، وهو أن طائفة الأنصار -أهل المدينة- قد هيئوا الأرضية المناسبة للهجرة.

وقوله: {الدَّارَ} الدار تطلق على البلاد، وأصلها: موضع القبيلة من الأرض، وأطلقت على القرية.

قال تعالى في ذكر ثمود: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] .

أي: في مدينتهم، وهي حجر ثمود، والتعريف هنا للعهد؛ لأن المراد بالدار: المدينة النبوية، والمعنى: الذين هم أصحاب الدار 74، أي: دار الهجرة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوءوا فيها الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير ذو ظلال، وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه، ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.

وفي قوله: {الدَّارَ} هذا تشريف للمدينة، حيث سماها الله الدار، فكأنها هي دار الإيمان؛ لأن الإيمان أوى إليها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) 75.

فالتعريف في {الدَّارَ} للتنويه كأنها الدار التي تستحق أن تسمى دارًا، وهي التي أعدها الله تعالى لهم؛ ليكون تبوؤهم إياها مدحًا لهم.

وذكر بعضهم أن الدار علمٌ بالغلبة على المدينة، كالمدينة، وأنه أحد أسمائها، ومنها: طيبة، وطابة، ويثرب، وجابرة 76.

وفي ذكر الدار -وهي المدينة- مع ذكر الإيمان إيماء إلى فضيلة المدينة، بحيث جعل تبوؤهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإيمان، ولعل هذا هو الذي عناه مالك -رحمة الله- فيما رواه عنه ابن وهب قال: سمعت مالكًا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق، فقال: إن المدينة تبوأت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف. ثم قرأ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] الآية 77.

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أمرت بقرية تأكل القرى) 78.

والمقصود: المدينة، أي: يغلب أهلها، وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من القرى، وينصر الله دينه بأهلها، ويفتح القرى عليهم، ويغنمهم إياها فيأكلونها 79.

وقوله: {وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9] أي: سكنوا الإيمان، والإيمان لا يسكن، وإنما شبه الإيمان كأنه دار سكنوها؛ لأن الدار يستقر فيها الإنسان، فهؤلاء الأنصار سكنوا الإيمان، بمعنى: استقر الإيمان في قلوبهم، والإنسان يلازم داره، بمعنى: يستقر ويطمئن ويستريح فيه، وهؤلاء لازموا الإيمان كملازمة الإنسان لمسكنه، وهذه شهادة لهم بالإيمان -رضي الله تعالى عنهم-، فهم مؤمنون صادقون، استقر الإيمان في قلوبهم.

قال ابن جزي: «فإن قيل: كيف قال: تبوءوا الدار والإيمان، وإنما تتبوأ الدار، أي: تسكن ولا يتبوأ الإيمان؟

فالجواب من وجهين:

الأول: أن معناه تبوءوا الدار، وأخلصوا الإيمان، فهو كقولك:

علفتها تبنًا وماء باردًا 80.

تقديره: علفتها تبنًا، وسقيتها ماء باردًا.

والثاني: أن المعنى: أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم؛ لتمكنهم فيه، كما جعلوا المدينة كذلك» 81.

فيكون في عطف الإيمان على الدار ستة أوجه:

أحدها: أنه ضمن {تَبَوَّءُوا} معنى: لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه؛ إذ الإيمان لا يتبوأ.

الثاني: أنه منصوب بمقدر، أي: واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو وأخلصوا؛ كقوله:

علفتها تبنًا وماءً باردًا

وقوله:

متقلدًا سيفًا ورمحا 82

أي: وحاملًا رمحًا.

الثالث: أنه يتجوز في الإيمان، إن الإيمان مجاز عن المدينة، سمي محل ظهور الشيء باسمه مبالغة، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم، فكأنهم نزلوه، وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وفيه خلاف مشهور.

الرابع: أن يكون الأصل: دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام (لام) التعريف في (الدار) مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه.

الخامس: أن يكون سمى (المدينة) ؛ لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان.

السادس: أنه منصوب على المفعول معه (الواو للمعية) أي: مع الإيمان معًا، والمراد تبوءوا الدار مع إيمانهم، أي: تبوءوها مؤمنين 83.

والضمير في قوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] .

للمهاجرين، والجار متعلق بتبوء، أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون إليهم، وقد أسلم كثير من الأنصار قبل المهاجرين، لكن المقصود -والله وأعلم- بقوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون، وأن الأنصار أسلم كثير من كبارهم وسادتهم على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه قبل أن يهاجر كثير من المهاجرين -رضي الله تعالى عنهم-، وقبل أن تصبح المدينة دار الهجرة التي أوى إليها النبي عليه الصلاة والسلام، فكثير من الأنصار كان قد أسلم، ودخل الإيمان في قلوبهم، واستقر على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه، فهو من فتح الله به المدينة المنورة بدعوته إلى الله، وسلوكه الطيب، حتى ما بقي بيت من بيوت المدينة إلا ودخله الإيمان.

وقد أورد ابن جزي إشكالًا، وأجاب عليه، حيث قال: «فإن قيل: قوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] .

يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه؛ لأنها كانت بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل؛ لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل الأنصار.

قال: والجواب من وجهين:

أحدهما: أنه أراد بقوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] من قبل هجرتهم.

والآخر: أنه أراد تبوءوا الدار مع الإيمان معًا، أي: جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبوء الدار، فيكون الإيمان على هذا مفعولًا معه، وهذا الوجه أحسن؛ لأنه جواب عن هذا السؤال، وعن السؤال الأول فإنه إذا كان الإيمان مفعولًا معه لم يلزم السؤال الأول؛ إذ لا يلزم إلا إذا كان الإيمان معطوفًا على الدار» 84.

وجعل الألوسي ذلك من قبل تقدير مضاف، حيث قال: «والكلام بتقدير مضاف، أي: من قبل هجرتهم، فنهاية ما يلزم سبق الإيمان الأنصار على هجرة المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على إيمانهم؛ ليقال: إن الأمر بالعكس، وجوز أن لا يقدر مضاف، ويقال: ليس المراد سبق الأنصار لهم في أصل الإيمان، بل سبقهم إياهم في التمكن فيه؛ لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه.

وقيل: الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، فيفيد سبقهم إياهم في تبوء الدار فقط، وهو خلاف الظاهر، على أن مثله لا يقبل ما لم يتضمن نكتة سرية، وهي غير ظاهرة ها هنا؛ وقيل: لا حاجة إلى شيء مما ذكر، وقصار ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوء الأنصار وإيمانهم على تبوء المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقديم المجموع تقدم بعض أجزائه، وهو ها هنا تبوء الدار، وتعقب بمنع الكفاية، ولو سلمت لصح أن يقال: بتقدم تبوء المهاجرين وإيمانهم على تبوء الأنصار وإيمانهم؛ لتقدم إيمان المهاجرين» 85.

ووصف الله الأنصار أيضًا بالإيمان والاستجابة لله، كما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} [الشورى: 38] .

أنها نزلت في الأنصار، حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان، فاستجابوا له؛ أي: لرسول الله من صميم القلب، كما هو المفهوم من إطلاق الاستجابة، وفيه إشارة إلى أن الاستجابة للرسول استجابة للمرسل، فهو من عطف الخاص على العام لمزيد التشريف، وذلك لأن الاستجابة داخلة في الإيمان 86.

قال الألوسي: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} [الشورى: 38] .

قيل: نزلت في الأنصار، دعاهم الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم للإيمان به وطاعته سبحانه، فاستجابوا له، فأثنى عليهم -جل وعلا- بما أثنى، وعليه فهو من ذكر الخاص بعد العام؛ لبيان شرفه؛ لأيمانهم دون تردد وتلعثم، والآية إن كانت مدنية فالأمر ظاهر، وإذا كانت مكية فالمراد بالأنصار من آمن بالمدينة قبل الهجرة، أو المراد بهم أصحاب العقبة 87.

وقال الشوكاني: «قال ابن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبًا منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها» 88.

ووصف الله الأنصار بالإيمان والعمل الصالح، كما جاء عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد: 34] . قال: هم أهل مكة، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [محمد: 2] . قال: هم أهل المدينة الأنصار {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2] . قال: أمرهم 89.

ووصفوا بأنهم رجال؛ وسماهم الله رجال، فقال: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

فقد جاء ما يدل أنها نزلت في الأنصار، فعن أبي أيوب وجابر وأنس رضوان الله عليهم أن هذه الآية حين نزلت: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟) قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: (فهو ذاك، فعليكموه) 90.

وعن موسى بن أبي كثير قال: بدء حديث هذه الآية في رجال من الأنصار، من أهل قباء 91.

وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] .

أي: من الأحداث والجنابات والنجاسات ... ، وقالوا: المراد منه: الطهارة بالماء بعد الحجر، وقيل: المراد منه: الطهارة من الذنوب والمعاصي، وقيل: محمول على الأمرين 92.

فتكون جملة: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمسجد قباء، وجاء الضمير مفردًا مراعاة للفظ (مسجد) الذي هو جنس 93.

ثانيًا: توبة الله على الأنصار، وتجاوزه عن تقصيرهم:

قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] .

نزلت هذه الآية في غزوة تبوك التي كانت قبل الشام، وكان فيها جيش العسرة من المهاجرين والأنصار، ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خصوا بالثناء والتوبة؛ لأنهم لم يترددوا، ولم يتثاقلوا، ولا شحوا بأموالهم، فكانوا أسوة لمن ائتسى بهم من غيرهم من القبائل 94.

ففي قوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} خبر مؤكد بلام القسم على حرف التحقيق (قد) بين فيه تعالى فضل عطفه على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار، وتجاوزه عن هفواتهم في هذه الغزوة، وفي غيرها لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة على كونهم لا يصرون على شيء منها، وإنما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطباع البشرية، واجتهاد الرأي فيما لم يبينه الله تعالى بيانًا قطعيًا يعد مخالفه عاصيًا.

يقول ابن عاشور: «وافتتاح الله هذه الآية بحرف التحقيق (لقد) ؛ تأكيدًا لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان، حسبما دل عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالًا ماضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت