فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 2431

ثالثًا: لزوم التقوى والعمل الصالح:

ومن أوجه التقوى: تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى، ألا ترى في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] .

فالملاحظ هنا أن الله تعالى ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فعلم بهذا أن حقيقة التقوى بمعنى غير الطاعة والخشية، وهي تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق منك مثله 136.

وأما المعنى الاصطلاحي للتقوى فقد عرفها العلماء بتعاريف عديدة فمن ذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأما التقوى: فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به، إيمانًا بالأمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده» 137. وقال الإمام ابن عطية: التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية 138.

ومما قيل في حقيقة التقوى: ما قاله طلق بن حبيب: «التقوى عمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء رحمة الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، خيفة عذاب الله» 139.

قال الحافظ الذهبي معلقًا على قول طلق: في التقوى: «أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بتروٍّ من العلم والإتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفًا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن دوام على هذه الوصية فقد فاز» 140.

وسأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب رضي الله عنهما عن التقوى فقال: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فما عملت؟ قال: شمّرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى 141.

وخير لباس يتزود به العبد الصالح لمرحلة الآخرة هو التقوى والعمل الصالح، مما يؤكد هذا الكلام قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] .

فبعد أن تمنن الله عز وجل على عباده بأن جعل لهم من اللباس والريش، ما يستر به العورات، دلّهم على أفضل لباس، وهو ما يواري عورات الظاهر والباطن ويتجمل به وهو لباس التقوى 142. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} : «هو العمل الصالح» 143. وقيل: السمت الحسن في الوجه 144. وقيل: ما علمه الله عزوجل وهدي به، وقيل: ستر العورة للصلاة، التي هي التقوى. وقيل: الحياء 145.

وقد جمع الإمام الطبري رحمه الله بين هذه المعاني جميعًا وعلّل ذلك بقوله: «لأن من اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يرى عندما يكرهه مستحيًا، ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه، ورئيت عليه بهجة الإيمان ونوره» 146.

والتقوى كما ذكر القرآن الكريم أصلها في القلب، وثمرتها على الجوارح بأداء الفرائض والنوافل واجتناب المحرمات، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح؛ لأن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه 147. قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .

يقول سيد قطب: «إن التقوى زاد القلوب والأرواح منه تقتات، وبه تتقوى وترف وتشرف، وعليه تستند في الوصول والنجاة وأولوا الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى التقوى وخير من ينتفع بهذا الزاد» 148.

والتقوى للقلب كجهاز المناعة للبدن، فكلاهما يدرك ويواجه أسباب المرض، وتنشأ التقوى من الإيمان بالله وخشيته والعلم بما أنزله من أحكام وحدود، فبالتقوى يدرك القلب إلقاءات الشيطان بسرعة، فإذا همّ بالذنب أو أصابه تذكر وعد الله ووعيده، وأبصر غواية الشيطان، فيستغفر الله من قريب، وبهذا يقي نفسه التعرض لسخط الله وعقابه، أما غير التقي فيترك الفتنة تدمر قلبه كما تدمر الجراثيم عضوًا في الجسد لضعف جهاز المناعة 149، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) } [الأعراف: 201] .

فإذا ما طاف الشيطان بالمس للذين اتقوا تذكروا خالق الشيطان وخالقهم، وتذكروا منهج الله الذي يصادم شهواتهم، وتذكروا إن عين الله تراهم ولا تغفل عنهم 150.

فالتقوى تجعل القلب نورًا لكشف الشبهات، ويزيل الوساوس والأوهام، ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل، بل إنها لتجعل قلب المؤمن مرجعًا عند التباس الأمور، واضطراب الموازين والأفهام، وهي تجعل في قلب المؤمن فرقانًا يكشف له معالم الطريق إلى الله، ولا يعرف هذه الحقيقة إلا من ذاقها وأخلص في التعامل معها، وغمرت مخافة الله وتقواه فؤاده 151.

والتقوى تفتح مغاليق القلوب، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] .

وهداية القرآن لا تكون بغير ذوي النفوس التقية، والقلوب الزكية تتوقى الضلالة، وتتجنب سبل الغواية، وبالتقوى يكون الفرقان بين الحق والباطل، وبها العرفان الذي تتجلى به الأمور، والنور الذي يشرح به الصدور.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] .

فالتقوى هي فرقان القلب و (الفرقان) هو: «النصر؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل» 152. وعن ابن عباس رضي الله عنهما {فُرْقَانًا} : «مخرجًا، وزاد مجاهد في الدنيا والآخرة» 153.

وحقيقة التقوى أنها حالة قلبية، تقوم على خشية الله ومراقبته، وتعظيم أمره ونهيه، تبعث صاحبها على فعل ما يحب الله ويرضى، والمسارعة فيه، واجتناب ما يسخطه والبعد عنه، ومحلها القلب، والقلب يضخّ آثارها على سائر الجوارح والأعضاء، كما يضخّ الدم من القلب، فينشر في سائر الجسد، فتعمل أجهزته، وتحيا به خلاياه 154.

قال أبو حاتم: «العاقل يدبر أحواله بصحة الورع، ويمضي لسانه بلزوم التقوى؛ لأن ذلك أول شعب العقل، وليس إليه سبيل إلا بصلاح القلب» 155.

واعتبر القرآن الكريم القلب مركزًا لسلسلة من الإلهامات والإلقاءات الإلهية، حيث إن كل إنسان وفي أي مستوى محافظ على طهارته القلبية، وعامل منقذ لها، فإن هذا المركز سيكون طريقًا للخلاص من جميع الأمراض ولا سيما الطبع على القلوب.

وكما أن القلب يتعرض للأمراض والعلل، فإن هذا القلب يحصل له من الأحوال الإيمانية، والمقامات التعبدية، من الصفحات المحمودة مثل: اللين، والإخبات، والخشوع، والإخلاص، والحب، والتقوى، والثبات، والخوف والرجاء والإنابة، والنتيجة سلامة القلب التي قال عنها الخالق سبحانه: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] .

فالحياة الإيمانية صفة قلب صاحبه أبيض.

فالتقوى هي الدواء لكل الأمراض التي يصاب بها القلب كالجهل والنفاق والحقد والتكبر وغير ذلك، والتقوى هي العلاج الوحيد الواقي من هذه الأمراض، فهي تزيد مرآة القلب جلاءً وإشراقًا، ونورًا وضياءً حتى يتلألأ 156.

فالواجب على العاقل أن لا ينسى تعاهد قلبه بترك ورود السبب الذي يورث القساوة له عليه؛ لأنه بصلاح الملك تصلح الجنود، وبفساده تفسد الجنود، فإذا اهتم بإحدى الخصلتين تجنب أقربها عن هواه، وتوخى أبعدها من الردى، فلا بد من إصلاح السرائر، وترك إفساد الضمائر، والواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره، وحركته وسكونه، لأن تكدر الأوقات، وتنقص اللذات، لا يكون إلا عند فساده 157.

قال مالك بن دينار رحمه الله: إن القلب إن لم يكن فيه حزن خرب، كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن، وإنّ قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر، وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فأنظروا ما همومكم؟ رحمكم الله 158.

والمتأمل لآيات القران الكريم يجد أن الله عز وجل ربط عدم السماع بالطبع بالذنوب، فقال تعالى {لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] .

كما ربط السماع بالتقوى فقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} [المائدة: 108] .

وخلاصة المقال: إن القلب إذا زاد نوره بالتقوى والعمل الصالح ينيب إلى الله، ويحب الطاعات ويكره المعاصي، وبالإيمان وبتقوى الله وامتثال أوامره في كل حال يزيد نور القلب، وبالكفر والمعاصي يزيد ظلام القلب والطبع عليه 159؛ لأن التقوى هي التي تحبب الوازع الديني في النفس، فلا يحتاج صاحبها بعد ذلك إلى رقيب أو حسيب، فهي كالحاجز للمسلم من كل شر وسوء، والدافعة إلى كل خير.

رابعًا: الانتفاع بآيات الله في الآفاق والأنفس:

ومن الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى شفاء القلوب من أمراضها وتمنع الطبع عليها الانتفاع بآيات الله في الآفاق والأنفس، إذ إن التفكر في مخلوقات الله تعالى والتدبر والتأمل في كتاب الكون المفتوح، وتتبع قدرة الله المبدعة وهي تحرّك هذا الكون، وتقلب صفحاته من شأنه أن يجعل القلب دائم الصلة بالله، فيملؤه بالخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والاستسلام لله عز وجل.

إن التفكر والانتفاع بآيات الله في الآفاق والأنفس ومعرفة الله عزوجل، إنما ينشأ من توجيه القلب إلى الله تعالى وإيقاظه لرؤية آلائه، أمام هذا الخلق الهائل العجيب، من خلال رؤية مخلوقاته، وعجائب قدرته وبديع صنعه، ورؤية آثار رحمته ومظاهر قدرته، وقوته وبطشه في إهلاك الظالمين على مرّ القرون والأزمان 160.

وآيات الله في الآفاق والأنفس، تعدّ بابًا واسعًا من أبواب الإيمان الحق بالله تعالى، وطريقًا إلى خشيته وطاعته، فالباحث في العلم يوقن، والمتأمل في الكون يشعر حينما يقرأ آيات القرآن الكريم المتعلقة بخلق الكون والإنسان، يوقن بأن القرآن الكريم مستحيل أن يأتي به بشر، ومصداق هذا قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .

إن القرآن الكريم يدعونا إلى التأمل والتدبر والنظر في آيات الله تعالى في عالم الطبيعة والخلق -آفاق الكون وأغوار النفس- ويعد هذا النظر والتفكر جديرًا بأهل الفكر والألباب وأصحاب الضمائر الحية والقلوب السليمة، وكثيرًا ما تأتي اللفتات الكريمة في القرآن الكريم إلى آيات الله وعظيم صنعه، وكريم لطفه وإحسانه، ثم تذيل هذه الآيات بقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80] ، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس:3] .

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة:164] .

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

وشفاء القلوب من الطبع عليها إنما يكون بتحصين القلوب بالإيمان واليقين من خلال تفكر الإنسان بآيات الله في الآفاق والأنفس والانتفاع بها، فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء، والأضواء، ورؤية النعيم والآلاء، يقول الإمام ابن القيم: كلما قوي الإيمان وازداد نوره في القلب، أحسّ المرء بانشراح في صدره، وتضائل شعوره بالضيق، فإذا ما استمرّ النور في دخول القلب، ازدادت مساحة الإيمان فيه، وشيئًا فشيئًا تصبح مساحة الإيمان في القلب أكثر فأكثر اتساعًا من غيرها، فيحدث حدث مهم ومادي يشعر به المرء في لحظة سعيدة من لحظات عمره، ألا وهو شعوره بتحرك قلبه في صدره حركة سريعة ومضطربة، وهذا ما يسمى بولادة القلب الحي أو الولادة الثانية 161.

فالإيمان له آثار ايجابية في حياة الإنسان، والقلب إذا استنار بنور الإيمان انعكست آثار ذلك على الإنسان، فترى الطمأنينة تملأ قلبه، وهذا الإيمان يجعل الإنسان في رقابة على نفسه من داخله.

إن تأمل آيات الله في الآفاق والأنفس يوقظ القلوب، ويفتح مغاليقها، ويوجه القلب إلى تعظيم مبدع هذا الكون.

قال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 3 - 5] .

إنّ آيات الله في الكون لا تتجلى عن حقيقتها إلا للقلوب الذاكرة العابدة، فالذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، هم الذين تنفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض، بخلاف الكثير من الناس الذين يمّرون على آيات الله تعالى، وهم عنها غافلون، فلا قلب يعقل، ولا عين تبصر، ولا آذان تسمع، ولا فؤاد يهتز، ولا ضمير ينيب.

قال تعالى عن هذا الصنف من الناس: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .

أما أصحاب القلوب السليمة من الأمراض فهي تحيا مع آيات الله بآذان صاغية، وعيون راعية، وقلوب واعية.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] .

فهو ينظر إليها بعقله، وينتفع بهديها ويستضيء بنورها، فهو ينظر الى آيات الله على أنها ناطقة بوجود الله ووحدانيته، بل هي أبلغ بيان ينطق بصفات الله تعالى وعظيم آلائه.

وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته ومدحهم؛ لأن تفكّرهم فيها أوصلهم إلى شهادته بأنه تعالى لم يخلقهم باطلًا بل أحدث في قلوبهم مزيدًا من الخشية والإنابة.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

والمعنى: تدبروا أيها الناس واعتبروا، فيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض، لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقّبت بينه من الليل والنهار، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا لراحة أجسامكم، معتبر ومدكر، وآيات واعظات، لمن كان منكم ذا لب وعقل 162.

قال الرازي: «اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب، والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام، والجواب على شبهات المبطلين، عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد، والإلهية، والكبرياء، والجلال، فذكر هذه الآيات» 163.

فالتفكر يذهب الغفلة ويحدث في القلب الخشية، كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة، إذ إن التفكر في أمر الله هو من عمل القلوب 164.

وما أحسن ما قاله الزمخشري في وصف أولي الألباب بقوله: «الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر» 165.

والقرآن الكريم يوجه القلوب والأنظار توجيهًا مكررًا مؤكدًا إلى هذا الكتاب المفتوح الذي لا تفتأ صفحاته تقلب، فتبتدي في كل صفحة آية موصية، تستجيش في الفطرة السلمية إحساسًا بالحق المستمر في صفحات هذا الكتاب، وأولوا الإدراك الصحيح هم الذين يتفكرون بآيات الله وينتفعون بها ولا يقيمون الحواجز، ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات، فهم يتوجهون الى الله بقلوبهم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فتتفتح بصائرهم، وتشف مداركهم، وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه 166.

وأولوا الألباب هم الذين ينظرون ويستفيدون ويهتدون ويستحضرون عظمة الله ويتذاكرون حكمته وفضله وجليل نعمه في جميع أحوالهم، وهم الذين لا يغفلون عن الله تعالى في عامة أوقاتهم؛ لأن قلوبهم مطمئنة بذكره تعالى ومراقبته، وخص الخالق سبحانه وتعالى في هذه الآيات أولي الألباب، وهم أصحاب العقول، لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم وقلوبهم لا بأبصارهم 167.

كما أن في خلق الله تعالى للإنسان آية للمتوسمين، وعبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين.

يقول سبحانه: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .

أي: أفلا تنظرون نظر من يعتبر في اختلاف الألسنة والألوان، والتفاوت في العقول والإفهام، واختلاف الأعضاء، وتعدد وظائف كل منها على وجه يحتار فيه اللب، ويدهش منه العقل 168.

يقول سيد قطب: «وهذا المخلوق الإنساني هو العجيبة الكبرى في الأرض، ولكنه يغفل عن قيمته وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين» 169.

والنص القرآني يريد أن يوقظ القلب البشري للتأمل والتدبر واستجلاء العجائب، غير أنه لا يدرك هذه العجائب إلا القلب العامر باليقين، فلمسة اليقين هي التي تحيي القلوب 170.

يقول ابن القيم: «لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوّره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكّر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلّت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبره، دالة عليه، مرشدة إليه» 171.

فلا بد للمسلم صاحب القلب الحي أن يتأمل في آيات الله في الأفاق والأنفس وأن ينتفع بها؛ لأن الله تعالى فضّله عن باقي خلقه بنعمة القلب والعقل، والسمع والبصر، والفؤاد، فالإنسان الحي هو من أحيا قلبه بالتدبر والتفكر والانتفاع من ذلك؛ لأن في ذلك شفاء للقلوب المريضة.

إذ ليس الهدف من نزول القرآن الكريم التلاوة والتلفظ باللسان، بل لكي تكون آياته منبعًا للفكر والتدبر وسببًا ليقظة الوجدان.

قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .

وتدبر القرآن الكريم هو تحديق نظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، إذ إن قلب المتدبر للقرآن، ينتابه تطلّع وتشرّق، كما ينتاب المريض شعور بالبحث عن العلاج، أو كما ينتاب الحائر شعور بالبحث عن الدلالة والهداية.

خامسًا: الاعتبار بالمصائب والمحن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت