وقيد ذلك الألوسي بالذنوب القابلة للعفو، فقال عند تفسيره لهذه الآية: « {وَإِنْ تَعْفُوا} عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن مُقارِنة للتوبة بأن لم تعاقبوهم عليها» إلى أن قال: «ولما كان التكليف هاهنا شاقًا؛ لأن الأذى الصادر ممن أحسنت إليه أشد نكاية وأبعث على الانتقام ناسب التأكيد في قوله سبحانه: {وَإِنْ تَعْفُوا} إلخ» 125.
وجاء ذكرها أيضًا في قول يوسف لإخوته كما حكى الله عنه أنه قال لهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .
كما يدل على ذلك سياق قصة يوسف عليه السلام مع إخوته، وقد فهم منها ذلك أحد الأمراء وعمل بمقتضاها، كما روي في الأثر عن مالك بن دينار قال: «أتينا منزل الحكم بن أيوب ليلا وهو على البصرة أمير، وجاء الحسن -وهو خائف- فدخلنا معه عليه، فما كنا مع الحسن إلا بمنزلة الفراريج، فذكر الحسن قصة يوسف عليه السلام وما صنع به إخوته، فقال: باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم، وذكر ما لقي من كيد النساء ومن الحبس، ثم قال: أيها الأمير، ماذا صنع الله به؟ أداله منهم، ورفع ذكره، وأعلى كلمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا صنع يوسف حين أكمل الله له أمره وجمع له أهله؟ قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .
يعرض للحكم بالعفو عن أصحابه، قال الحكم: فأنا أقول: لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلا ثوبي هذا لواريتكم تحته» 126.
وأيضًا يدل على ذلك قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه، فإنهم لما ظهرت حقيقة فعلهم، طلبوا من أبيهم العفو والمغفرة، فقالوا: {يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97] .
فلبى طلبهم، وقال: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98] .
وجاء ذكرها كذلك في قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} و «أصل الكظم: شد رأس القربة عند امتلائها، ويقال: فلان كظيم أي: ممتلئ حزنا، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر، والمراد: والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه، فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنقاذ والانتقام، وهذا هو الممدوح» 127.
ومعنى هذه الآية كما يقول الرازي: «الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء، ويردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم، وهو كقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] » 128.
والمقصود أنهم: «لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل» 129. «وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه» 130.
وجاء ذكرها أيضًا في قوله: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 48] .
قال القرطبي: «فأمره تبارك وتعالى بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم» 131.
ثانيًا: الصفح:
الصفح هو: «إزالة أثر الذنب من النفس، يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صفحا، إذا أعرضت عنه وتركته» 132.
والصفح أبلغ من العفو وأعلى درجة منه، كما يدل على ذلك سياق الآيات القرآنية الواردة في ذلك، فقد جاءت بالحث على العفو أولًا، ثم أعقبت ذلك بالصفح مما يدل على أن الصفح أبلغ من العفو وأعلى درجة منه.
وهذا ما ذهب إليه الألوسي، فقال: «العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك التثريب والتأنيب، وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح» 133.
وقال الراغب: «والصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا يصفح» 134.
وذكر الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} وجهين:
أحدهما: أن العفو عن الأفعال والصفح عن الأقوال.
الثاني: أن العفو ستر الذنب من غير مؤاخذة، والصفح الإغضاء عن المكروه 135.
وقال بعضهم: «والصفح ترك التقريع باللسان، والاستقصاء في اللوم» 136.
وقد جاء ذكر هذه المرتبة -كما هو الحال في بقية المراتب- في عدة آيات، كقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} وفي قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} .
وفي قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية: «وتصفحوا لهم عن عقوبتكم إياهم على ذلك، وتغفروا لهم غير ذلك من الذنوب» 137.
وقال البيضاوي: « {وَتَصْفَحُوا} بالإعراض، وترك التثريب عليها {وَتَغْفِرُوا} بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها» 138.
وجاء ذكرها صراحة في آيات أخرى مستقلة، كقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] .
ففي هذه الآية أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل، أي: بالحلم والإغضاء.
وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه وسلم يشمل حكمة الأمة؛ لأنه قدوتهم، والمشرع لهم 139.
وفي أمره صلى الله عليه وسلم -بالصفح عنهم- بذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام قادر على الانتقام منهم، فكأنه قيل: أعرض عنهم، وتحمل أذيتهم، ولا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم 140.
وجاء ذكرها أيضًا في قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ} [الزخرف: 89] .
أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيتهم القولية والفعلية، واعف عنهم، ولا يبدر منك لهم إلا السلام الذي يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين، كما قال تعالى عن عباده الصالحين: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
أي: خطابا بمقتضى جهلهم: {قَالُوا سَلَامًا} فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وتلقى ما يصدر إليه من قومه وغيرهم من الأذى، بالعفو والصفح، ولم يقابلهم عليه إلا بالإحسان إليهم والخطاب الجميل 141.
وكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] ، وما في معناه منسوخ بآيات السيف، وجماعات من المحققين يقولون: هو ليس بمنسوخ.
والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال والصفح عن الجهلة والإعراض عنهم وصف كريم، وأدب سماوي، لا يتعارض مع ذلك، والعلم عند الله تعالى 142.
وقد أشار ابن سعدي إلي قيد مهم عند تفسيره لقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} فقال: «أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة» 143.
ثالثًا: الإحسان:
جاء ذكر هذه المرتبة في آيات عدة، منها قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
تتضمن هذه الآية الإحسان إلى المسيء بالعفو عنه، وهذه المرتبة أعلى مراتب العفو.
والإحسان له معان عديدة ليس المقام مقام ذكرها، ولكن نذكر ما يهمنا.
قال الرازي: «واعلم أن الإحسان إلى الغير: إما أن يكون بإيصال النفع إليه، أو بدفع الضرر عنه.
أما إيصال النفع إليه، فهو المراد بقوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}
وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} » 144.
ومن معاني الإحسان: مقابلة الإساءة بالإحسان، قال الثوري: «الإحسان أن تحسن إلى المسيء، فإن الإحسان إلى المحسن تجارة» 145.
ومن معانيه: الإنعام على الغير، كما في قول الشاعر 146:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
وهذا المعنى أشار إليه الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} «ويمكن أن يقال: الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك؛ للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الإنفاق فقط» 147.
وأشار إليه الفيروز آبادي بقوله: «والإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان في فعله وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا والإحسان أعم من الإنعام» 148.
وهذه المراتب الثلاث قد دل عليها سياق الآيات الكريمة الواردة في العفو -كما سبق أن أوردنا ذلك- ودل عليها أيضًا ما جاء في الواقعة التي حصلت لجارية مع سيدها.
فقد روي في الأثر عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، استعمل قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} قال لها: «قد فعلت» فقالت: اعمل بما بعده: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} فقال: «قد عفوت عنك» فقالت الجارية: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال ميمون: «قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى» 149.
فهذه الواقعة تبين مراتب العفو الثلاث ابتداءً بأدناها وانتهاءً بأعلاها، فأدناها: ترك المعاقبة، وهي المرتبة الأولى فإن سيد هذه الجارية لما عثرت وصب المرق عليه؛ هم بضربها؛ فطلبت منه أن يمتثل قول الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} فامتثل ذلك، وترك ضربها، فلما فعل ذلك؛ طلبت منه المرتبة الوسطى، وهي مرتبة: الصفح عنها، فقالت له: اعمل بما بعدها: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} فامتثل ذلك، فصفح عنها، ثم طلبت منه المرتبة العليا، فقالت له: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فامتثل ذلك فأعتقها، وجعلها حرة لوجه الله تعالى.
وقد أشار إلى هذا المعنى مجموعة من علماء التفسير، منهم محمد رشيد رضا حيث يقول: «فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ، إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة.
وهناك مرتبة أعلى منهما، وهي ما أفاده قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فالإحسان وصف من أوصاف المتقين، ولم يعطفه على ما سبقه من الصفات، بل صاغه بهذه الصيغة تمييزًا له بكونه محبوبًا عند الله تعالى لا لمزيد مدح من ذكر من المتقين المتصفين بالصفات السابقة، ولا مجرد مدح المحسنين الذي يدخل في عمومه أولئك المتقون -كما قيل- فالذي يظهر لي هو ما أشرت إليه من أنه وصف رابع للمتقين 150.
وأكد على ذلك ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} فقال: «أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم وهو امتلاء قلوبهم من الحنق الموجب للانتقام بالقول والفعل، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم.
{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع المسامحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .
ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل وهي الإحسان، فقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 151.
وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو «إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم» 152.
وأشار أيضًا إلى ذلك صاحب الظلال: «وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى، وهي وحدها لا تكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن، فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة، ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين، وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن؛ لذلك يستمر النص؛ ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين إنها العفو والسماحة والانطلاق.
إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه، وشواظ يلفح القلب، ودخان يغشى الضمير، فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في الضمير.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون، والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير، الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم» 153.
بين القرآن الكريم مجالات العفو، وسوف نتناولها بالتوضيح في الآتي:
أولًا: العفو في المجالات الاجتماعية:
حث القرآن الكريم العباد على العفو والصفح عما يحصل بينهم ومن ذلك:
-عفو الزوج عما له من حقوق لدى زوجته، وعفو الزوجة عما لها من حقوق لدى زوجها.
-عفوها عن الصداق: المهر.
قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ? فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء: 4] .
فالصداق حق خاص من حقوق الزوجة على زوجها؛ لقوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ?) [النساء: 4] .
ففي هذه الآية الكريمة أمر الله الأزواج بإيتاء الزوجات صداقهن، وجعل ذلك حقا من حقوقهن الخاصة، فللزوجة أن تتصرف فيه كيفما شاءت وفق الضوابط الشرعية، ومن ذلك تهبه لزوجها كله أو بعضه؛ لقوله تعالى: فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء: 4] .
قال الرازي: «اعلم أنه تعالى لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له؛ لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه» 154.
وقال ابن سعدي: (:فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ) أي: من الصداق (نَفْسًاے) بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره أو المعاوضة عنه (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة» 155.
فإذا عفت الزوجة عن صداقها -كله أو بعضه- لزوجها فله أخذ ذلك، والمهر لا يجب لها كاملًا إلا إذا دخل بها، وأما إذا عقد عليها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها وجب لها نصف الصداق؛ لقوله تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ? وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ? وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 237] .
وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقا ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق 156.
وبما أن ذلك حقًا لها فلها أن تتصرف فيها كيفما شاءت، ومن ذلك أن تعفو عنه لزوجها، كما في قوله تعالى: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) أي: اللواتي وجب لهن عليكم نصف تلك الفريضة، فيتركنه لكم، ويصفحن لكم عنه تفضلا منهن بذلك عليكم، إن كن ممن يجوز حكمه في ماله وهن بالغات رشيدات، فيجوز عفوهن حينئذ ما عفون عنكم من ذلك، فيسقط عنكم ما كن عفون لكم عنه منه. وذلك النصف الذي كان وجب لهن من الفريضة بعد الطلاق 157.
وقال ابن العربي: «أذن الله تعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه؛ إذ جعله خالص حقهن يتصرفن بالإمضاء والإسقاط كيف شئن إذا ملكن أمر أنفسهن في الأموال ورشدن» 158.
وقال الرازي: «المعنى: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا؟!» 159.
وقال ابن سعدي: «أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة، بأن تعفو عن نصفها لزوجها، إذا كان يصح عفوها» 160.
وقوله تعالى: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) يدل على بطلان قول من يقول: «إن البكر إذا عفت عن نصف الصداق بعد الطلاق أنه لا يجوز» ؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين البكر والثيب في قوله: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) ولما كان قوله وابتداء خطابه حين قال تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) عامًا في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف عليه من قوله تعالى: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) عامًا في الفريقين منهما، وتخصيص الثيب بجواز العفو دون البكر لا دلالة عليه 161.
وأما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن المقصود بقوله: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ) يعني: الرجال، فهو قول شاذ لم يتابع عليه 162.
والعفو في هذه الآية بمعنى: الترك والصفح، والاستثناء منقطع؛ لأن عفو المرأة عن النصف الذي وجب لها عليه ليس من جنس الأخذ، والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج، ولم تسقط النون مع «أن» ؛ لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط؛ ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر 163.
-عفو الزوج عن ذلك النصف الذي أعطاه لزوجته.
قال تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] .
الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، كما مال إلى ذلك جملة من أئمة التفسير، كابن جرير الطبري، والراغب، وابن أبي السعود، وابن الجوزي، وابن كثير، والجصاص، والألوسي، والنسفي، والشوكاني، وابن سعدي، وابن عثيمين 164.
وقد استدلوا على ذلك بشواهد عدة منها:
1.ما روى في الأثر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولي عقدة النكاح الزوج) 165. فالحديث نص في أن عقدة النكاح بيد الزوج.
2.أن ذلك ما فهمه السلف من هذه الآية وعملوا بمقتضاه؛ فقد روي أن جبير ابن مطعم رضي الله عنه تزوج امرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها فأرسل إليها بالصداق كاملًا، وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى: (إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) وأنا أحق بالعفو منها 166.
3.أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة؛ لأن بناء الفعلة يدل على المفعول، كالأكلة واللقمة، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي.
4.أن قوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ?) معناه: الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره؛ كما أن قوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى? ?40?فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى? ?41?) [النازعات: 40 - 41] ، أي: نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره، كانت الجنة ثابتة له، فتكون مأواه.
5.أن الله تعالى ذكر الصداق في هذه الآية ذكرًا مجملًا من الزوجين، فحمل على المفسر في غيرها، وقد قال الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ? فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ?4?) [النساء: 4] فأذن الله تعالى للزوج في قبول الصداق إذا طابت نفس المرأة بتركه. وقال أيضًا: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ? أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [النساء: 20] ، فنهى الله تعالى الزوج أن يأخذ مما أتى المرأة إن أراد طلاقها.
6.قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) [البقرة: 237] . يعني النساء: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) يعني: الزوج، معناه يبذل جميع الصداق، يقال: عفا بمعنى بذل، كما يقال: عفا بمعنى أسقط. ومعنى ذلك وحكمته: أن المرأة إذا أسقطت ما وجب لها من نصف الصداق تقول هي: لم ينل مني شيئًا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال بإسقاطه، وقد وجب إبقاء للمروءة واتقاء في الديانة. ويقول الزوج: أنا أترك المال لها؛ لأني قد نلت الحل وابتذلتها بالطلاق فتركه أقرب للتقوى، وأخلص من اللائمة.
7.أنه تعالى قال: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وليس لأحد في هبة مال لآخر فضل، وإنما ذلك فيما يهبه المفضل من مال نفسه، وليس للولي حق في الصداق 167. فإن قيل: إن العفو في الترك لا في الإعطاء، والزوج هو المعطي، فكيف يصح منه العفو؟! قيل: إن ذلك في العفو عن الشيء لا في العقوبة، وقد يقال: عفا فلان بكذا إذا بذل، والصداق المفروض تستحق المرأة أخذه بالعقد، فإن أخذته وإلا ففي حكم المأخوذ، فإذا عفا به كملا، فكأنه قد عفي عنه 168.