ولم تكن سرية الدعوة في أول أمرها خوفًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، ولكنها إلهام من الله لتعليم الدعاة من بعده، وإرشادهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها. على أن لا يتغلب كل ذلك على الاعتماد والاتكال على الله وحده، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الأسباب مذهبًا يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره، فهذا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى، فضلًا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.
ومن هنا تدرك، أن أسلوب دعوته صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة، كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إمامًا، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كونه نبيًّا.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية، في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة -من حيث السرية والكتمان أو من حيث الجهر والإعلان، أو اللين والقوة- حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية، اعتمادًا على واقع سيرته صلى الله عليه وسلم، على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية 41.
ثانيًا: إسرار الإنفاق:
دعت الآيات القرآنية الكريمة إلى الإنفاق في سائر الحالات: في السر والجهر، وفي الليل والنهار، وفي السراء والضراء، وفاضلت أحيانًا بين نفقة السر والعلن، وبينت فضل الصدقة في كل الأحوال، ذلك أن الله سبحانه وتعالى وجِّه عباده إلى الإنفاق والمبادرة فيه سرًّا وعلانية بالليل والنهار، في السراء والضراء، في الفرض والنفل.
فالإنفاق سرًّا حتى لا يقع الإنسان فريسة المباهاة؛ والإنفاق علنًا كي يعطي غيره من القادرين أسوة حسنة، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم من قبل أن يأتي يوم (هو يوم القيامة) لا بيع فيه ولا خلال، أي: من قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه فدية، ولا تجدي فيه صداقة، فلا يشفع خليل ولا يصفح عن عقابه لمخالته لصديقه، بل هناك العدل والقسط 42، فقد قال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} [إبراهيم: 31] .
ويستحب إعلان الواجب، وإخفاء المتطوع به، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص 43.
والمراد بالسر في الآيات: ما خفي، وبالعلانية ما ظهر، وهو قول جمهور المفسرين، الثاني: أن السر في التطوع، والعلانية في الفرض 44.
والإنفاق في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال، لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] ؛ فقد جاء في سبب نزول الآية أنها نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية 45.
ولكن الآية عامة في الذين ينفقون في سبيل الله تعالى، وفي الذين يعممون الأوقات والأحوال بالصدقات، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه في معنى الآية 46.
ثم ذكر الله أن الإنفاق في السراء والضراء، أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، والليل والنهار، وفي السر والعلانية، وفي جميع الأحوال والأوقات صفة من صفات أهل الجنة، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29] .
أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله 47.
وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية؛ وذلك لأنه قدم الليل على النهار، والسر على العلانية في الذكر، كما فضل الله صدقة السر على صدقة الجهر في قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] 48.
قد جعل الله ذلك من صفات أولي الألباب.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22 - 24] .
كما جعل سبحانه الإنفاق سرًّا وجهرًّا من صفات الكمال البشري، كما في قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] .
فكما لا يستوي العبد الذي لا يملك شيئًا ولا يقدر عليه، والرجل الحر الذي قد رزقه الله رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره، والمؤمن العامل بطاعته 49.
ويلاحظ من خلال الآيات السابقة أنها تشير وتحث على الإنفاق الجماعي الذي يستفاد من خطاب الجمع في قوله تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [إبراهيم: 31] . وغيرها من الآيات.
قال سيد قطب في ظلال هذه الآية: «الذين ينفقون أموالهم» .. هكذا بوجه عام يشمل جميع أنواع الأموال .. «بالليل والنهار. سرًّا وعلانية» .. لتشمل جميع الأوقات وجميع الحالات .. «فلهم أجرهم عند ربهم» .. هكذا إطلاقًا. من مضاعفة المال، وبركة العمر، وجزاء الآخرة، ورضوان الله. «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .. لا خوف من أي مخوف، ولا حزن من أي محزن .. في الدنيا وفي الآخرة سواء 50.
ثالثًا: الإسرار بالدعاء:
أمر الله تعالى بالإسرار بالدعاء في قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55 - 56] .
كما بيَّن الله تعالى حال الداعين بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] .
لأن الإسرار بالدعاء أبعد من الرياء وأدل على الإخلاص؛ لأن الدعاء حقيقته النداء لطلب مهم، واستعمل مجازًا في العبادة لاشتمالها على الدعاء والطلب بالقول أو بلسان الحال، كما في الركوع والسجود، مع مقارنتها للأقوال، وهو إطلاق كثير في القرآن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) 51.
وقد راعى نبي الله زكريا عليه السلام أدب الدعاء، وهو إخفاؤه؛ لكونه أبعد عن الرياء، وأدخل في الإخلاص حين وصف الله فعله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3] 52.
وتدل هذه الآيات على وجوه أهمها:
الأول: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونًا بالإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل من كونه ندبًا.
الثاني: أنه تعالى أثنى على زكريا عليه السلام فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3] .
أي: أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه، فالآية تشير إلى أن الدعاء خفية مندوب، وأن ذلك إسرارٌ محمودٌ.
الثالث: ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وإنه لمعكم) 53 54.
ويطلق التضرع على الجهر بالدعاء؛ لأن الجهر من هيئة التضرع؛ لأنه تذلل جهري، كما في قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55، 56] ؛ لأنه أنسب بمقابلته بالخفية، فيكون أسلوبه وفقًا لأسلوب نظيره في قوله: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56] .
والتضرع لفظة تقتضي الجهر؛ لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب.
والخفية: الدعاء في السر، وهو مأمورٌ به مقصودٌ بذاته، أي: ادعوه مخفين دعاءكم، حتى أوهم كلام بعضهم أن الإعلان بالدعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه، وخفية يريد في النفس خاصة.
والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرًا من الجهر، بل يندب الإسرار في جميع نوافل القربات من: الصلاة، والصوم، وقيام الليل، والعمل الصالح.
وتأول بعض العلماء التضرع والخفية في الآية في معنى السر جميعًا، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن البصري، وقال: لقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سرًّا فيكون جهرًا أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} ، وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3] 55.
ولكن الصحيح جواز الدعاء جهرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا علنًا غير مرة، وعلى المنبر بمسمع من الناس، وما رويت أدعيته إلا لأنه جهر بها يسمعها من رواها، فالصواب أن قوله: تضرعًا إذن بالدعاء بالجهر والإخفاء، وأما ما ورد من النهي عن الجهر فإنما هو عن الجهر الشديد الخارج عن حد الخشوع 56.
رابعًا: إسرار الغضب:
جعل الله سبحانه وتعالى إسرار الغضب وكتمانه مع القدرة على إنفاذه من صفات المتقين، كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] .
وهذه الآية كقوله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] .
والكاظمين الغيظ هم: الجارعون الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، ولم يظهروه بقول أو فعل، فحفظوا نفوسهم من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.
وقد وصف الله تعالى أنبياءه بذلك فقال عن يعقوب عليه السلام: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] ؛ لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه، ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب.
وقوله تعالى في نبي الله يوسف عليه السلام: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] .
فقد أسر في نفسه قذفهم له وتحمل القذف ولم يظهر غضبًا منها، أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه، ولم يبد تأثره منها،
وهو يعلم براءته وبراءة أخيه، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه وكذب عليه 57.
كما أن من يسر الغضب ويكتمه ويتحكم بانفعالاته فهو الشديد الشدة المحمودة؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) 58.
وروى سهل بن معاذ، عن أبي رضي الله عنهم أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء) 59.
الإسرار المذموم أنواع نتناولها بالبيان في ما يأتي:
أولًا: إسرار الكفر:
إن من أخلاق المنافقين إسرار الكفر وإعلان الإيمان، وذلك أنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوا عن أنفسهم بقولهم: آمنا استهزاء، وإبداء لخبثهم ومكرهم، وكشفًا عن إفراطهم في ادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي 60.
وقد ذكر الله تعالى أن ذلك خلق راسخ ومتجذر فيهم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] .
وقوله عز من قائل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] .
وقوله سبحانه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 76 - 77] .
وقوله جل شأنه: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} [المائدة: 61] .
وقد أجمع أهل التفسير على أن هذه الآيات نزلت في قوم من أهل النفاق بصفة عامة، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية نزلت في يهود نافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية في عامة المنافقين الذين يظهرون كلمة الإيمان ويسرون الكفر، فنفى الله سبحانه وتعالى عنهم الإيمان، وبيَّن أن هذه الصفة صفتهم 61.
فالمنافقون يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، مع أن الله تعالى عليم بما يسرون، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ثم بين الله تعالى أنه سيظهر ذلك يوم القيامة في قوله عز وجل: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] .
أي: أن الله تعالى يوم القيامة يكشف أسرار المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وأخبر أنهم لو ردوا إلى الحياة الدنيا لعادوا لما نهوا عنه؛ لأن المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه 62.
ثانيًا: إسرار العداوة والبغضاء:
إن إسرار العداوة والبغضاء لأهل الإيمان من أعمال المنافقين، وبالرغم من إسرار المنافقين العداوة والبغضاء وكتمانها في قلوبهم عن المسلمين، إلا أنها تبدو من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، وتظهر عداوتهم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين وإطلاع المشركين على أسرارهم، وما تخفي صدورهم من العداوة والخيانة أكبر: أعظم مما أظهروا، فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 118 - 119] .
وبسبب ما يسرون من البغضاء للمؤمنين نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ خواص ومقربين ودخلاء من غير أهل ملتهم بطانة؛ لأنهم: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} والخبال: الفساد والشر، أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدًا في مضرتكم وفسادكم 63.
والمنافقون لا يقصرون بجهدهم وطاقتهم بإطلاع الكافرين على سرائر المؤمنين، وما يضمرونه لهم، وما يسعون به في مخالفتهم، وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم 64.
أما المؤمنون فلا يكفي إسرار العداوة والبغضاء للكافرين والمنافقين، بل يجب إبداء تلك العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها لهم أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده، ما لم تكن هناك مصلحة شرعية في عدم إظهارها، فإذا آمنوا صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة، عملًا وتأسيًا حيث أظهروا البراءة من قومهم بسبب شركهم وكفرهم بالله تعالى، وذلك في قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] 65.
ثالثًا: إسرار المكر والكيد:
المكر في اللغة هو: التدبير على العدو في احتيال وخفية، واصطلاحًا هو: إخفاء الكيد وطيه، والكيد: المكر والخبث، وظاهر كلام أهل اللغة أن الكيد والمكر مترادفان، وقد فرق بينهما بعض فقهاء اللغة، بأن الكيد: المضرة، والمكر: إخفاء الكيد وإيصال المضرة، وقيل: الكيد هو: الأخذ على خفاء من غير إظهار الماكر خلاف ما يبطن، والمكر: الأخذ على خفاء مع إظهار الماكر خلاف ما يبطن 66.
إن إسرار المكر والكيد لله ولرسله وللمؤمنين في كل وقت وحين هو من أخلاق الكافرين والمنافقين، ولا يكون المكر والكيد إلا في سرٍّ وخفيةٍ، وهو على أنواع:
الأول: المكر والكيد بآيات الله بالطعن فيها وتكذيبها والاحتيال في دفعها، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21] .
وقد بيَّن الله تعالى أنه أسرع مكرًا منهم، فقد دبّر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم، والمكر من الله تعالى: صفة مقابلة لا تطلق عليه إلا في مقابل مكر وكيد الكافرين والمنافقين.
ولما كان المكر والكيد يكون في سرٍّ وخفية، فقد بين الله تعالى إن الحفظة يكتبون ما يمكر به المنافقون والكافرون؛ تحقيقًا للانتقام منهم، وتنبيهًا على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلًا أن يخفى على الله تعالى 67.
ثانيًا: المكر والكيد برسل الله تعالى والمؤمنين: