فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 2431

يقول تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) } [النحل: 61] .

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} أي: بشركهم ومعصيتهم، {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} أي: لم يترك على ظهر الأرض من دابة، ودل الإضمار على الأرض؛ لأن الدواب إنما هي على الأرض، يقول: أنا قادر على ذلك. {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} أي: إلى وقت معلوم، ويقال: {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} ؛ لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر، وإذا منع المطر لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت، ولكن يؤخر العذاب إلى أجل مسمى.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الجعلان في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو». ثم قال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أي: أجل العذاب {لَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي: لا يتأخرون عن الوقت {سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} أي: لا يتقدمون قبل الوقت 59.

1.أبدع الله سبحانه وتعالى هذا الكون بعلمه وقدرته، وبدأه بأمره وإرادته، وقدر له أجلًا تكون فيه نهايته، وقضى فيه سننه ونواميسه وقوانينه التي بها يكون حفظه واستمراريته، وقد حظي هذا الكون بعناية خاصة في آيات كتاب الله تعالى توجيهًا للنظر فيه وتدبر إتقان صنعته لإدراك عظمة الباري وتمام حكمته، وقد برزت حكمة الله تعالى وتجلت في تلك الدقة المتناهية في هذه الصنعة المنسجمة على عظم حجمها وارتفاع سمائها وانبساط أرضها، فجعل لهذا الكون برمته قدرًا وأجلًا دقيقًا دقةً ما زال البشر يطلعون على جانب ضئيل منها ويكتشفون في كل يوم جديدًا عنها.

أولًا: أجل الأجرام السماوية:

أجل السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة 60.

وقد بين سبحانه هيمنته على هذه العوالم وتسخيرها إلى أجلٍ مسمى حيث يقول: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] » والتسخير حقيقته تذليل ذي عملٍ شاقٍ أو شاغلٍ بقهرٍ وتخويفٍ أو بتعليمٍ وسياسةٍ بدون عوضٍ، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرواحل، ومنه تسخير البقر للحلب، والغنم للجز. ويستعمل مجازًا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في عملٍ عجيبٍ أو عظيمٍ من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلةٍ أو إلهامٍ تصريفًا يصيره من خصائصه وشؤونه، كتسخير الفلك للمخر في البحر بالريح أو بالجذف، وتسخير السحاب للأمطار، وتسخير النهار للعمل، والليل للسكون، وتسخير الليل للسير في الصيف، والشمس للدفء في الشتاء، والظل للتبرد في الصيف، وتسخير الشجر للأكل من ثماره حيث خلق مجردًا عن موانع تمنع من اجتنائه مثل الشوك الشديد.

وقد أطلق التسخير في السماوات والأرض والشمس والقمر مجازًا على جعلها خاضعةً للنظام الذي خلقها الله عليه بدون تغييرٍ، مع أن شأن عظمها أن لا يستطيع غيره تعالى وضعها على نظامٍ محدودٍ منضبطٍ ... والجري: المشي السريع استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض، تشبيهًا بالمشي السريع لأجل شسوع المسافات التي تقطع في خلال ذلك.

وزيادة قوله: {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ؛ للإشارة إلى أن لهذا النظام الشمسي أمدًا يعلمه الله، فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض العالم، فهذا تذكيرٌ بوقت البعث.

فيجوز أن يكون {إِلَى أَجَلٍ} ظرفًا لغوًا متعلقًا بفعل {يَجْرِي} ، أي: ينتهي جريه، أي: سيره عند أجلٍ معينٍ عند الله لانتهاء سيرهما، ويجوز أن يكون {إِلَى أَجَلٍ} متعلقًا بفعل {وَسَخَّرَ} أي: جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهيًا عند أجلٍ مقدرٍ 61.

لطيفة لغوية:

ورد جري الأجرام السماوية متعديًا بحرف (اللام) ثلاث مرات في كتاب الله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] [فاطر: 13] [الزمر: 5] .

وورد مرة واحدة متعديًا بـ (إلى) وذلك في [لقمان: 29] .

وقد نحا كثير من اللغويين إلى تعاقب الحروف فقالوا: إن (اللام) بمعنى (إلى) والعكس.

ولكن هناك فرق تعبيري تصويري لطيف يشير إليه النيسابوري في تفسيره حيث يقول: وقوله هاهنا - أي: في موضع سورة لقمان-: {يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ، وقوله في فاطر والزمر {لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 5] [فاطر: 13] يؤول إلى معنًى واحد، وإن كان الطريق مغايرًا؛ لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم، وهو للشمس آخر السنة، وللقمر آخر الشهر ...

والثاني: معناه: اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا. ووجه اختصاص هذا المقام بـ (إلى) وغيره بـ (اللام) : أن هذه الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل 62.

وقد وضح الشيخ الشعراوي هذا المعنى بقوله: وفي هذه الآية ورد التعبير بلفظ {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [لقمان: 29] ، وفي مواضع أخرى ورد بلفظ: {لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] بـ (اللام) بدلًا من (إلى) ، وكذلك في سورتي فاطر والزمر.

ولكل من الحرفين معنى:

{إِلَى أَجَلٍ} [لقمان: 29] تعطينا الصورة لمشية الشمس والقمر قبل وصولهما الأجل.

إنما {لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [فاطر: 13] أي: الوصول المباشر للأجل 63.

وكأن هذا الحرف (إلى) يدعو الإنسان إلى أن ينظر ويتفكر في سير هذه الأجرام الباهرة العظيمة؛ كي يدرس جريانها ومسارتها، ويقف على عظمة خالقها أكثر فأكثر.

ثانيًا: الإعجاز العلمي وتحديد أجل الكون:

مما لا ريب فيه أن هذا الكون قائمٌ على نظام دقيق بديع ينبئ عن خالق عليم حكيم، ومما بات معلومًا لدى العلماء تضمن هذا الكتاب العزيز إشارات بينة على حقائق كونية باهرة يكتشف العلم في كل يوم منها قدرًا يزيد اليقين بصدق هذا الكتاب الحكيم، وقد ذكر القرآن الكريم كما مر أعلاه أن الله تعالى جعل لهذا الكون بأجرامه وسمواته وأرضه قدرًا معلومًا وأجلًا محتومًا يسير في كنفه هذا الكون العظيم إلى أن يبلغ أجلًا مسمًى تنقضي عنده الدنيا بأجرامها.

وقد أشارت النظريات العلمية الحديثة التي تفسر نشوء الكون إلى هذه الحقيقة؛ إذ إن البراهين كلها تشير إلى أن هذا الكون كله في حركة تمدد دؤوب مستمرة، وقطعًا فإن هذا التمدد سيصل إلى نقطة يتلاشى عندها الكون، وتنبئ الأجهزة التي يستخدمها علماء الفلك بأن المجرات والنجوم والكواكب جميعًا في حركة دائبة، وأن هذه الحركة تؤدي إلى تمدد مستمر ...

ومن هذه الحسابات، أن سرعة تمدد الجزء الذي تدركه حواسنا من هذا الكون هي 235 مليون ميل في الدقيقة، وأن هذا التمدد قد نشط من 18 ألف مليون سنة من السنين التي نعرفها على الأرض، وأنه بدأ بانفجار هائل تعارف العلماء على تسميته: (بج بانج/ Big Bang) ، وكل المجرات وما تضمنه من أجرام تتحرك في نظام وتوقيت رباني محكم، بما يؤكد التوزان المطلق الذي شاء الرحمن أن يكون في كل مخلوقاته، كبيرها وصغيرها، فهناك تجاذب بين الأجرام السماوية والأرض، كالتجاذب بين الأرض والأجسام الواقعة على سطحها، وهناك توازن بين قوى التجاذب بحيث لا تختل حركة الأجرام في دورانها في أفلاكها 64.

يقول الدكتور محمد دودح: عرض القرآن الكريم لأهوال نهاية العالم في صور بيانية تعكس الحقيقة بتلطف؛ والتي بالكاد أوشكت أن تدركها الفيزياء الفلكية اليوم، وفي قوله تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) } [الرحمن: 37] .

المعنى المتبادر: أن يفسح جو الأرض والمعهود بالزرقة حين يبدأ في التفسخ والتلاشي عن كتلة حمراء ضخمة ملتهبة تتأجج وتغطي معظم السماء، بدلا عن الشمس؛ أشبه في اللون والتضخم بوردة حمراء تتفتح، وفي الالتهاب والسيولة واللمعان والتموج بزيت الدهان وهو يتأجج على النار، ونطالع في التصورات العلمية المتوقعة لمصير الشمس؛ أنها ليست من الضخامة بحيث تنتهي إلى ما يسمى فيزيائيًا ثقب أسود Black Hole، أو إلى ما يسمى نجم نيوتروني Neutron Star؛ وإنما تنتفخ وتتحول إلى عملاق أحمر Red Giant من شدة الحرارة، يبلغ قطره من 15 إلى 45 مرة مثل قطر الشمس حاليًا، ويعادل لمعانه حوالي مائة مرة أو أكثر مثل لمعان الشمس، ويبتلع في طريقه ما يجاوره، والحد الذي يحدد مصير النجم بعد انفجاره قيمته 1.4 قدر كتلة الشمس (حد تشاندراسيخار) ، يتحول النجم دونه لقزم أبيض؛ وهذا هو حال الشمس.

وفي المقابل يعرض القرآن الكريم لمشاهد تكمل الصورة؛ كإبادة الكواكب وجمع الشمس والقمر وانشقاق الجو لينفتح المشهد على عملاق أحمر ينتفخ من شدة الانفجار ويدفع بألسنة النار في كل صوب مثل وردة حمراء تتفتح أوراقها؛ وكزيت الدهان يتأجج ناثرًا قطرات حارقة، وتقترب الشمس فتطال الأرض وتصهر كل ما عليها، وتصبح عملاقًا أحمر ووردة حمراء في الأسفل.

وتنفجر الأرض وتطرح ما فيها من أثقال وتتخلى عن كل ما عليها؛ وتمحى كل مظاهر الحياة، ولا وجود حينئذ لبشر يشاهد فخلى الوصف من المشاهد؛ وفي الختام تنكمش الشمس وتطوى كلفافة وتكور لتصبح قزمًا أبيض White Dwarf ثم تموت، ويمنح السياق فسحة كبيرة لتتصور المخيلة ما لم تصرح به الكلمات من مشاهد القدرة المفزعة؛ التي أحالت كل العالم خراب 65.

1.وكما جعل خالق هذا الكون لمخلوقاته أجلًا ينتهون إليه وقدرًا معلومًا يصيرون إليه، فقد جرت سنته هذه أيضًا في ما شرع وقدر لعباده فجعل شرائعه قائمة على آجال تنضبط بها أحوال الناس من عبادات ومعاملات بينهم، ولذا فإننا نجد هذه الآجال في الكتاب العزيز على نوعين: آجال في العبادات، وآجال في المعاملات.

ويعرف الفقهاء الأجل بأنه: المدة المستقبلة التي يضاف إليها أمرٌ من الأمور، سواءٌ كانت هذه الإضافة أجلًا للوفاء بالتزامٍ، أو أجلًا لإنهاء التزامٍ، وسواءٌ كانت هذه المدة مقررةً بالشرع، أو بالقضاء، أو بإرادة الملتزم فردًا أو أكثر.

وهذا التعريف يشمل:

أولًا: الأجل الشرعي، وهو المدة المستقبلة التي حددها المشرع الحكيم سببًا لحكمٍ شرعيٍ، كالعدة.

ثانيًا: الأجل القضائي: وهو المدة المستقبلة التي يحددها القضاء أجلًا لأمرٍ من الأمور كإحضار الخصم، أو البينة.

ثالثًا: الأجل الاتفاقي، وهو المدة المستقبلة التي يحددها الملتزم موعدًا للوفاء بالتزامه (أجل الإضافة) ، أو لإنهاء تنفيذ هذا الالتزام (أجل التوقيت) سواءٌ كان ذلك فيما يتم من التصرفات بإرادةٍ منفردةٍ أو بإرادتين 66. 67

والذي ورد في كتاب الله تعالى من هذه الآجال هو الأجل الشرعي ويكون في العبادات، والأجل الاتفاقي وهو في المعاملات.

أولًا: الأجل في العبادات:

تميزت العبادات في شريعة الإسلام بانضباطها بأوقات وأماكن وأحوال مخصوصة فالصلاة والزكاة والصوم والحج، أمهات العبادات هذه كلها ذوات أوقات بدء وانتهاء متناهية في الدقة والانضباط، وهذه العبادات وغيرها مما هو بين العبد وربه، ولكن هناك عبادات تكون في المعاملات بين الناس كالزواج والطلاق والوصية والميراث، وهذه معاملات شرع الله تعالى فيها أحكامًا تعبدية وضبطها بآجال معلومة كي لا يقع فيها الخطأ أو تعمد الضرر؛ إذ إن هذه الأمور مما يكون للنفس فيها حظ الأثرة وحب جلب المنفعة ولو على حساب الآخرين، وهي مما يقع فيه الخلاف كثيرًا بين الناس، ولذا فإنك ترى أن القرآن الكريم اعتنى بشكل بين بضبط آجال أحوال انقضاء الحياة الزوجية سواء بالطلاق أو الوفاة، وكذلك ذكر أجل انقضاء المنفعة بالأنعام التي تهدى إلى الحرم حتى لا يتجاوز فيها الأنسان فيظلم الفقير.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) } [البقرة: 234] .

يعني: شرعًا؛ فما وجد من متوفى عنها زوجها لم تتربص فليس ذلك من الشرع، فجرى الخبر على لفظه ... والتربص: هو الانتظار، ومتعلقه ثلاثة أشياء: النكاح، والطيب والتنظف، والتصرف والخروج ... والمقصود بهذه العدة براءة الرحم من ماء الزوج؛ فامتناع النكاح إنما هو لأجل الماء الواجب صيانته أولًا. وامتناع عقد النكاح إنما هو لاستحالة وجوده شرعًا على محل لا يفيد مقصوده فيه وهو الحل ... وقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} يعني: انقضت العدة.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} هذا خطابٌ للأولياء، وبيان أن الحق في التزويج لهن.

{فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: من جائزٍ شرعًا، يريد من اختيار أعيان الأزواج، وتقدير الصداق دون مباشرة العقد؛ لأنه حقٌ للأولياء 68.

يقول تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) } [البقرة:231 - 232] .

وهاتان آيتان تجيئان في سياق الحديث عن الطلاق وأحكامه في سورة البقرة.

يقول الصابوني متحدثًا عن أجل المطلقة: يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج المطلقات اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من الزمن هي مدة (ثلاثة أطهار) ، أو (ثلاث حيض) ؛ لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وأزواجهن أحق بهن في الرجعة من الأجانب، إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من هذه الرجعة (الإصلاح) لا (الإضرار) ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أمر الله عز وجل 69.

ويأتي الأجل في الآية الأولى احترازًا عن فعل كان يفعله العرب في الجاهلية ويفعله كثير من الناس عمومًا وهو مضارة المرأة بجعلها معلقة لا زوجة ولا مطلقة فقد.

أخرج الطبري بسنده عن الحسن أنه سئل عن قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} قال: «كان الرجل يطلق المرأة ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها، يضارها، فنهاهم الله عن ذلك» 70.

ولذا فقد أمر تعالى في الآية بأحد فعلين: إما الإمساك بإحسان، أو التسريح بإحسان.

أما الأجل في الآية الثانية فيأتي احترازًا عن فعل يكون من جهة أهل المطلقة عضلًا ومنعًا لها أن تعود إلى زوجها نكاية فيه لما حصل بينهم من سوء وطلاق آنفًا، وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته رضي الله عنهما، فعن الحسن أن أخت معقل بن يسارٍ طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقلٌ»، فنزلت: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] 71.

إشكال:

قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 232] انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضعٍ آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصةً، وذلك في قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228] ؛ لأن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعةٌ إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروءٍ 72 في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] .

فاتضح من تلك الآية أن معنى {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها 73.

يقول تعالى في عدة المطلقة ذات الحمل: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) } [الطلاق: 4] .

{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} أجل الشيء الانتفاع بها على هذا القول، وأجله أيضًا آخر مدته، والمراد بالأجل هنا: آخر المدة التي تتربصها المرأة، أي: آخر عدتهن أن يضعن حملهن، وظاهر هذا أن المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن وفاة 74.

وقد دل على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع حملها: حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فعن عبد الله بن عتبة قال: أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: (أنها كانت تحت سعد ابن خولة، وهو من بني عامر بن لؤيٍ، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها 75، تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعككٍ، رجلٌ من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكحٍ حتى تمر عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي) 76.

وفي ختام ذكر هذه الآجال يؤكد القرآن الكريم على الالتزام بها والوقوف عندها حتى تستقيم أحوال العباد، ولا يتجرأ من يتجرأ على حدود الله وحرمات الناس وأعراضهم.

يقول تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) } [البقرة: 235] .

إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه .. وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة. لأن هذا الحديث لم يحن موعده، ولأنه يجرح مشاعر، ويخدش ذكريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت