لم يرد لفظ التشاؤم في القرآن الكريم، بل جاء ما يدل عليه في بعض الآيات الكريمة بالمعنى نفسه وبسياقات متنوعة، لذا لا بد أن نبين معنى التشاؤم في اللغة والاصطلاح.
أولًا: المعنى اللغوي:
التشاؤم في اللغة: مصدر شئم، والشؤم: خلاف اليمن، يقال: رجل مشؤوم على قومه، أي: غير مبارك، والجمع مشائيم، وتشاءم القوم به مثل تطيروا به، ويقال: شؤم الدار: ضيقها وسوء جارها، نذير شؤم: علامة وقوع مكروه، ما ينبئ بشر ويبعث على الخوف، والتشاؤم: توقع الشر 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي.
عرفه الحليمي: بأنه سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق 2.
أو هو توقع حدوث الشر أو المكروه من شيء ما تراه أو تسمعه وتتوهم وقوع المكروه به 3، ويكون وجوده سببًا في وجود ما يحزن ويضر 4.
«ويأتي بمعنى تشاؤم الإنسان بشيء يقع تحت المناظر والمسامع مما تنفر منه النفس مما ليس بطبيعي، فأما نفارها مما هو طبيعي في الإنسان كنفاره من صرير الحديد وصوت الحمار فلا يعد من هذا، وأصله في زجر الطير، وما سواه ملحق به، ثم كثر في غيره حتى قال تعالى حكاية عمن أخبر عنه: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل: 47] . أي: السبب الذي يسعدكم ويشقيكم عند الله» 5.
ويتضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي أن التشاؤم: حالة نفسية تلازم بعض الناس، وتبعث في نفوسهم اليأس وعدم الرضا بقدر الله عز وجل.
التطير:
التطير في اللغة:
وهو مأخوذ من مادة (ط ي ر) ، والطاء والياء والراء أصل واحد يدل على خفة الشيء في الهواء، ثم يستعار ذلك في غيره وفي كل سرعة، فأما قولهم: تطير من الشيء، فاشتقاقه من الطير، كالغراب وما أشبهه 6، والاسم (الطيرة) وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء، قال تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ} [النمل: 47] أصله: تطيرنا، فأدغم 7.
التطير في الاصطلاح:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن اللغوي.
قال ابن القيم رحمه الله: «التطير: هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع» 8.
قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله: «وإنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالةً أشد على النفس، لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء النفع» 9.
الصلة بين التطير والتشاؤم:
يتضح من المعنى اللغوي والاصطلاحي أن التطير مأخوذ من الطير في الأصل، ويأتي بمعنى التشاؤم أو التيمن بحركات الطير وأصواتها، ثم صار لفظًا عامًا لكل ما تشاءمت به من طائر أو إنسان أو حيوان أو جماد، وغير ذلك، وعلى هذا فالتطير هو التشاؤم بما يرى من مرور الطير ونحو ذلك ناحية الشمال أو بما يسمع من صوت طائر، كائنًا ما كان، وعلى أية حال كان، ثم أطلق على كل ما يتوهم أنه سبب في حصول الشر.
التفاؤل:
التفاؤل في اللغة:
وأصله الفأل (الفاء والألف واللام) ، أي: ما يتفاءل به، وضد الطيرة، والجمع: فؤول، قال الجوهري: الجمع أفؤل، وتفاءلت به وتفأل به؛ قال ابن الأثير: يقال تفاءلت بكذا وتفألت، على التخفيف والقلب، والفأل: أن يكون الرجل مريضًا فيسمع آخر يقول يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول يا واجد، فيقول: تفاءلت بكذا، ويتوجه له في ظنه كما سمع أنه يبرأ من مرضه أو يجد ضالته، والطيرة: ضد الفأل، وهي فيما يكره كالفأل فيما يستحب، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، والفأل يكون فيما يحسن وفيما يسوء، والاسم الفأل مهموز، يقال: لا فأل عليك، بمعنى لا ضير عليك، ولا طير عليك، ولا شر عليك 10.
التفاؤل في الاصطلاح:
وهو حسن ظن بالله عز وجل 11.
الصلة بين التفاؤل والتشاؤم:
العلاقة بين التفاؤل والتشاؤم هو: أن الفأل يأتي من طريق حسن الظن بالله تعالى والتوكل عليه، بينما التشاؤم لا يكون إلا في السوء والمكروه.
التوكل:
التوكل في اللغة:
مصدر توكل يتوكل، وهو مأخوذ من مادة (وك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في أمر ما، ومن ذلك التوكل، وهو: إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك 12.
التوكل في الاصطلاح:
صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار 13.
الصلة بين التوكل والتشاؤم:
التوكل هو ثقة العبد بالله تعالى والاعتماد عليه في كل الأمور، والرضا بقضائه وقدره، بخلاف التشاؤم الذي يظهر فيه سوء الظن بقضاء الله تعالى وقدره.
لا شك أن التشاؤم هو من عادات أهل الجاهلية والأمم الوثنية السابقة حيث كانوا يتشاءمون من أمور كثيرة، لذا جاء الإسلام فأبطلها؛ لأنها تخل بعقيدة المسلم الصحيحة القائمة على الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وفي هذا المبحث سنبين بعض الأقوام الذين كانت أبرز صفاتهم التشاؤم وذلك من خلال النماذج الآتية:
أولًا: تشاؤم قوم صالحٍ عليه السلام:
كان دأب الكفار من قبل أنهم يتطيرون بالأنبياء والرسل عليهم السلام، كما أخبر الله تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام في قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل: 47] .
وقوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، أو ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه 14.
وأجاب صالح عليه السلام فقال لهم: « {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} ، بأنه ومن معه ليسوا سبب شؤم، ولكن سبب شؤمهم وحلول المضار بهم هو قدرة الله، واستعير لما حل بهم اسم الطائر مشاكلة لقولهم {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} ، ومخاطبة لهم بما يفهمون لإصلاح اعتقادهم، بقرينة قولهم اطيرنا بك» 15.
ثم بين أن هذا جهل منهم بقوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} ، أي: تختبرون بتعاقب السراء والضراء، والإضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه، ويحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته 16.
ثم ذكر مآل أمرهم وشديد عقابه بهم فقال تعالى عنهم: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) } [هود: 67 - 68] .
ويتضح مما تقدم: أن ثمود -وهم قوم صالح عليه السلام- كانوا يتشاءمون من نبيهم ومن معه من المؤمنين، كأنهم يقولون لهم: أنتم نحس علينا، بمعنى أنك يا صالح كنت أنت ومن معك سببًا لتشاؤمنا، فرد عليهم صالح عليه السلام: طائركم الذي تدعونه لأنفسكم عند الله وحده، وإنكم تمتحنون بتلك الأوهام من التشاؤم، وتظنون أنه يسعدكم أو يشقيكم، وأن علم الغيب الذي تتعرفونه بالطير هو عند الله تعالى علام الغيوب، ونتيجة تشاؤمهم وكفرهم بنبيهم ومن معه أهلكهم الله تعالى بالصيحة، فصعقوا بها جميعًا، فانكبوا على وجوههم ولم ينج منهم أحد.
ثانيًا: تشاؤم أصحاب القرية:
قال تعالى مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس: 18 - 19] .
وقولهم: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: لم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا.
وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم.
وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها، وقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} ، قال قتادة: بالحجارة، وقال مجاهد: بالشتم، {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، أي: عقوبة شديدة 17.
قال الزمخشري: «وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه، وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا، وبشؤم هذا» 18.
قال ابن عاشور: «لما غلبتهم الحجة من كل جانب وبلغ قول الرسل {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) } [يس: 17] من نفوس أصحاب القرية مبلغ الخجل، والاستكانة من إخفاق الحجة، والاتسام بميسم المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم؛ انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه مقنعا للرسل بترك دعوتهم؛ ظنًا منهم أن ما يدعونه شيء خفي لا قبل لغير مخترعه بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيروا بهم ولحقهم منهم شؤم، ولا بد للمغلوب من بارد العذر» 19.
وقول أصحاب القرية: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي: «إنا تشاءمنا بكم، ومعنى «بكم» بدعوتكم، وليسوا يريدون أن القرية حل بها حادث سوء يعم الناس كلهم، من قحط أو وباء أو نحو ذلك من الضر العام، مقارن لحلول الرسل أو لدعوتهم، -وقد جوزه بعض المفسرين- وإنما معنى ذلك: أن أحدًا لا يخلو في هذه الحياة من أن يناله مكروه، ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث إلى مقارناتها دون معرفة أسبابها، ثم أن يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أمورًا لا تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن يعينوا من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه وتقبله طباعهم، يغالطون بذلك أنفسهم، شأن أهل العقول الضعيفة، فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم» 20.
«ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن دعوتهم أحدثت مشاجرات واختلافًا بين أهل القرية، فلما تمالأت نفوس أهل القرية على أن تعليل كل حدث مكروه يصيب أحدهم بأنه من جراء هؤلاء الرسل، اتفقت كلمتهم على ذلك فقالوا: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ، أي: يقولها الواحد منهم أو الجمع، فيوافقهم على ذلك جميع أهل القرية» 21.
حينئذ أجابهم الرسل بقولهم: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ، أي قالوا لهم: سبب شؤمكم من أفعالكم لا من قبلنا كما تزعمون، فأنتم أشركتم بالله سواه، وأولعتم بالمعاصي واجترحتم السيئات، أما نحن فلا شؤم من قبلنا، فإنا لا ندعو إلا إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له والإنابة إليه، وفي ذلك منتهى اليمن والبركة 22.
قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ، أي: أعمالكم معكم 23.
ثم قالوا: {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} ، أي: «أمن جراء أنا ذكرناكم وأمرناكم بعبادة الله مخلصين له الدين تقابلوننا بمثل هذا الوعيد؟ بل أنتم قوم ديدنكم الإسراف ومجاوزة الحد في الطغيان، ومن ثم جاءكم الشؤم، ولا دخل لرسل الله في ذلك» 24.
ويتضح مما تقدم أن أصحاب القرية قد تشاءموا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى لهم وتوقعوا الشر منهم ومن دعوتهم، لذلك كذبوهم وهددوهم بالتعذيب أو القتل أو الرجم، إلا أن الله تعالى نجاهم من أصحاب تلك القرية، ولم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية، ولا ما هي القرية، ولعل عدم الإفصاح عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئًا في دلالة القصة، بل ذكرت على سبيل الاتعاظ والاعتبار.
ثالثًا: تشاؤم آل فرعون:
قال تعالى عن قوم فرعون: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) } [الأعراف: 131] .
والمعنى: «فإذا جاءت آل فرعون العافية والخصب والرخاء وكثرة الثمار، ورأوا ما يحبون في دنياهم {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} ، نحن أولى بها {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ، يعني جدوب وقحوط وبلاء {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} ، يقول: يتشاءموا ويقولوا: ذهبت حظوظنا وأنصباؤنا من الرخاء والخصب والعافية، مذ جاءنا موسى عليه السلام» 25.
قال ابن عاشور رحمه الله: «والمراد به في الآية: أنهم يتشاءمون بموسى ومن معه، فاستعمل التطير في التشاؤم بدون دلالة من الطير، لأن قوم فرعون لم يكونوا ممن يزجر الطير فيما علمنا من أحوال تاريخهم، ولكنهم زعموا أن دعوة موسى فيهم كانت سبب مصائب حلت بهم، فعبر عن ذلك بالتطير على طريقة التعبير العربي» 26.
«فمعنى {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى} يحسبون حلول ذلك بهم مسببًا عن وجود موسى ومن آمن به؛ وذلك أن آل فرعون كانوا متعلقين بضلال دينهم، وكانوا يحسبون أنهم إذا حافظوا على اتباعه كانوا في سعادة عيش، فحسبوا وجود من يخالف دينهم بينهم سببًا في حلول المصائب والإضرار بهم، فتشاءموا بهم، ولم يعلموا أن سبب المصائب هو كفرهم وإعراضهم، لأن حلول المصائب بهم يلزم أن يكون مسببًا عن أسباب فيهم لا في غيرهم» 27.
لذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] .
ومقصود الآية الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى عليه السلام من الشؤم.
قال ابن عباس: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} ، أي: «مصائبهم عند الله» 28.
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، أي: «لا يعلمون ذلك فيقولون ما يقولون، وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلم ولكن لا يعمل بمقتضى علمه. وقالوا شروع في بيان بعض آخر مما أخذوا به من فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات وعدم ارعوائهم عما هم عليه من الكفر والعناد» 29.
وبعد أن ذكر أن هذه الحسنات والسيئات التي لم تردعهم عما هم فيه من الطغيان ذكر أنه أصابهم بضروب أخرى من العذاب، وهي في أنفسها آيات بينات، كما أخبر الله عنهم في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) } [الأعراف: 130] .
وهم مع ذلك لم يرعووا عن كفرهم وعنادهم وتشاؤمهم بموسى عليه السلام ومن معه، {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) } [الأعراف: 132] .
فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله تعالى بالغرق، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف: 136] .
رابعًا: تشاؤم كفار قريش:
سار كفار قريش على ما سار عليه الأقوام والأمم السالفة في تشاؤمهم برسلهم وأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، وقد فعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتطيروا به، وردوا كل مصائبهم إليه وإلى ما يدعو إليه، فقال الله تعالى عنهم: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] .
«أي: إن تصبهم حال حسنة تحسن عندهم، من رخاء أو خصب أو ظفر أو غنيمة أو سعة في الرزق، يقولوا: هذه الحال من عند الله تعالى، فإن كان النصر قالوا: من عند الله، وإن يصبهم أمر يسيئهم، كالهزيمة، قالوا: ذلك من محمد، كأنهم ينسبونه إلى سوء تدبيره عليه الصلاة والسلام، أو يتشاءمون به، ويهبطون بذلك هبوطًا شديدًا فالحسنة ما يحسن عندهم، والسيئة ما يسوؤهم، وذلك التفكير الذي يفكرونه ناشئ من ضعفهم النفسي، وضعفهم الإيماني، وسوء ظنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك شأن أهل النفاق ومن يستمعون إليهم من ضعفاء أهل الإسلام» 30.
وجيء في حكاية قولهم: {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، بكلمة (عند) للدلالة على قوة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، أي: قالوا ما يفيد جزمهم بذلك الانتساب، ولما أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} مشاكلة لقولهم، وإعرابًا عن التقدير الأزلي عند الله 31.
«والقول المراد في قوله: {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، هو قول نفسي، لأنهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علنًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به، أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين، يقولون: هذه من عند محمد، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب» 32.
فأخبر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يقول لهم: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، أي: «الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر، والمؤمن والكافر» 33.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها» 34.
ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} ، أي: لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به، من أن كل ما أصابهم من خير أو شر، أو ضر وشدة ورخاء فمن عند الله، لا يقدر على ذلك غيره، ولا يصيب أحدًا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاءً ونعمة إلا بمشيئته، وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره 35.
وقال ابن القيم رحمه الله: «ولو فقهوا أو فهموا لما تطيروا بما جئت به؛ لأنه ليس فيما جاء به الرسول ما يقتضي الطيرة، فإنه كله خير محض لا شر فيه، وصلاح لا فساد فيه، وحكمه لا عبث فيها، ورحمة لا جور فيها، فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا؛ فإن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير المحض والمصلحة والحكمة والرحمة، وليس فيما أتيتهم به لو فهموا ما يوجب تطيرهم، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم، وهو عند الله كسائر حظوظهم وأنصبائهم التي يتناولوها منه بأعمالهم وكسبهم، ويحتمل أن يكون المعنى: طائركم معكم، أي: راجع عليكم، فالطير الذي حصل لكم إنما يعود عليكم» 36.
للتشاؤم أسباب عديدة ومتنوعة، من أهمها:
أولًا: الكفر:
إن التشاؤم شرك بالله تعالى، خصوصًا إذا اعتقد المتشائم أن ما يتشاءم به مؤثر بذاته، فهو شرك أكبر، وذلك لأنه اعتقد مع الله عز وجل موجدًا وخالقًا آخر، وأما إذا اعتقد أن المؤثر هو الله تعالى ولكن هذه سبب، فيعد هذا شركًا أصغر، لأنه جعل التشاؤم سببًا في التأثير، والشرع لم يجعله سببًا.
ولا شك أن التشاؤم قد يصل بالإنسان إلى الكفر لما فيه من شرك وادعاء علم الغيب واعتقاد جلب النفع ودفع الضر، واليأس مما عند الله تعالى من خير؛ مما يؤدي إلى انتفاء الإيمان من المتشائم تدريجيًا وصولًا إلى الكفر؛ لذلك ذم الله تعالى اليائسين منه بقوله تعالى: {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .
أي: «أنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييأس من رحمته، وأما الكافر فإنه لا يعلم رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييأس من رحمته» 37.