فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 2431

المجتمع

أولًا: المعنى اللغوي:

لفظة المجتمع مشتقة من الفعل: جمع، قال ابن فارس: «الجيم والميم والعين أصلٌ واحد يدل على تضام الشيء» 1.

والجمع بمعنى: ضم الشيء بعضه لبعض بعد تفرقة، يقال: جمع الشيء يجمعه جمعًا، وجمعه وأجمعه فاجتمع وتجمع واستجمع، ومن ذلك: المجموع، وهو الذي جمع من هاهنا وهاهنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد، واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع، وتجمع القوم: اجتمعوا من هاهنا وهاهنا، والجماع: أخلاطٌ من الناس، وقيل: هم الضروب المتفرقون من الناس 2.

وجماع الناس: أخلاطهم من قبائل شتى، ومن كل شيءٍ، وكل ما تجمع وانضم بعضه إلى بعضٍ يقال له: جماعٌ 3.

والمجتمع: «موضع الاجتماع، والجماعة من الناس» 4.

ثانيًا: المجتمع في الاصطلاح:

وضع العلماء المختصون بعلم الاجتماع عدة تعريفات للمجتمع، وكلها تعريفات متشابهة ومتقاربة، من هذه التعريفات تعريف المجتمع بأنه: «كل مجموعة أفراد تربطهم رابطةٌ ما، معروفةٌ لديهم، ولها أثرٌ دائمٌ أو مؤقتٌ في حياتهم، وفي علاقاتهم مع بعض» 5.

ويعرف المجتمع المسلم بأنه: «خلائق مسلمون في أرضهم مستقرون، تجمعهم رابطة الإسلام، وتدار أمورهم في ضوء تشريعاتٍ إسلامية وأحكام، ويرعى شؤونهم ولاة أمر منهم وحكام» 6.

القرية:

القرية لغة:

هي البلد المسكون؛ مأخوذة، من القري، وهو التجمع، وسميت البلاد المسكونة قرية؛ لتجمع الناس بها 7.

القرية اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للقرية عن المعنى اللغوي؛ إذ القرية في الاصطلاح «اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس» 8، وهي مكونة من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق القرية على المدن 9.

الفرق بين القرية والمجتمع:

من خلال التأمل في تعريف القرية وتعريف المجتمع نلاحظ أن الكلمتين قريبتان في المعنى والمدلول؛ حيث إن كلتيهما تدل على مجموعة الناس المجتمعين في مكان واحد، وتجمعهم روابط مشتركة ولكن لفظ المجتمع يستعمل للدلالة على الناس المقيمين في مكان معين، أما لفظ القرية فيغلب استعماله للدلالة على المكان الذي يجتمع فيه الناس.

القبيلة:

القبيلة لغة:

يطلق لفظ القبيلة على الجماعة من الناس الذين ينتسبون إلى أبٍ واحدٍ أو جدٍّ واحدٍ 10.

القبيلة اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هي «الجماعة المجتمعة من الناس التي يقبل بعضها على بعض» 11.

الفرق بين القبيلة والمجتمع:

من خلال التعريفات السابقة لكلٍ من القبيلة والمجتمع نلحظ أن اللفظين قريبان جدًا في المعنى الذي يدل عليه كل منهما؛ فكلاهما يدل على مجموعة الناس الذين بينهم روابط مشتركة، إلا أن لفظ القبيلة يغلب استعماله على من كان بينهم رابطة النسب، وكانوا منسوبين لرجلٍ واحدٍ، أما لفظ المجتمع فإنه يدل على مجموعة الناس الذين بينهم روابط معينة؛ قد تكون روابط نسب، وقد تكون روابط الدين والملة، وقد تكون روابط أخرى، وبذلك فلفظ المجتمع أعم من لفظ القبيلة وأشمل منه.

الشعب:

الشعب لغة:

يطلق لفظ الشعب على القبيلة العظيمة، أو الحي العظيم الذي يتشعب من القبيلة، وقيل: هو القبيلة نفسها. والجمع: شعوبٌ 12، وذكر بعض اللغويين أن الشعب هو الجماعة الكبيرة التي ترجع لأبٍ واحدٍ، وتخضع لنظام اجتماعي واحد، وتتكلم لسانًا واحدًا، وهو أوسع من القبيلة 13.

الشعب اصطلاحًا:

لا يختلف التعريف الاصطلاحي للشعب عن التعريف اللغوي له؛ إذ الشعب في الاصطلاح: «القبيلة المتشعبة من حيٍ واحدٍ» 14.

الفرق بين الشعب والمجتمع:

نلاحظ أن الفرق بين الشعب والمجتمع هو نفس الفرق بين القبيلة والمجتمع؛ وذلك لأن لفظ الشعب يدل على القبيلة الكبيرة، وهم جماعة الناس الذين يربطهم نسبهم لأبٍ واحدٍ، أو جدٍ واحدٍ؛ وعلى ذلك فلفظ المجتمع أعم من لفظ الشعب.

فالمجتمع والقبيلة والشعب ألفاظٌ مترادفةٌ، إلا أن لفظ المجتمع أعم من اللفظين الآخرين، وأوسع دلالةً منهما؛ إذ الناس في القبيلة الواحدة أو في الشعب الواحد يغلب أن يكون الرابط بينهم رابط نسب وقرابة، أما الناس في المجتمع الواحد فقد يكون الرابط بينهم رابط نسب وقرابة، وقد يكون رابط دين وملة، أو يكون رابطًا سياسيًا أو قوميًا أو غير ذلك.

أما القرية فيغلب استعماله للدلالة على المكان الذي يجتمع فيه الناس.

المجتمع المسلم مجتمعٌ متميزٌ؛ لأنه قام على شريعة ربانية نشأ وتدرج عليها، فكانت هي الحاكمة والراعية له منذ أن قام، بل مهدت لقيامه قبل أن يقوم، شريعةٌ أوجدت مجتمعًا، وليس مجتمعا شكل قوانين أو دساتير وفق الأحداث أو استجابة لطائفة أو تحت ضغوط من جهة أو تحقيقًا لمصالح طبقة معينة، أو لتلبية حاجات موقوتة، بل جاءت الشريعة بالخير للجميع والعدل للجميع والمصلحة للجميع، في ظل هذه الشريعة قام المجتمع المسلم وتطور، وعلى ضوئها يتجدد وفق أصول ثابتة وفروع متنوعة واجتهادات متجددة، تحافظ على طابع هذا المجتمع وهويته الإسلامية.

قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

فالخاصية الرئيسة التي تفرد بها المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات أنه مجتمعٌ رباني برز إلى الوجود، والتعبير بقوله: {أُخْرِجَتْ} يدل دلالةً واضحةً على حقيقة نشأة هذه الأمة، وحقيقة النظام الذي يقوم عليه وجودها، «فهي أمة مخرجة إخراجًا، وفق نموذج معين، يحققه نظام معين، وهي لم تخرج نفسها وفق نموذج من تصوراتها العقلية، أو ضرورتها، إنما وضع لها نظامها من لدن خالقها، وأخرجت للناس على وفقه إخراجًا ربانيًّا» 15.

وتدبر قوله تعالى: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تلحظ أن خير هذه الأمة ليس حكرًا عليها وحدها، بل يجب أن يعم هذا الخير؛ لينعم به سائر الناس.

قال ابن عباس رضي الله عنه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: «خير الناس للناس» 16.

المجتمع المسلم ليس مجتمعًا ملائكيًا معصومًا من الخطأ، بل هو مجتمعٌ بشريٌ واقعيٌ، فواقع المجتمع الإسلامي الذي أوجده الإسلام مع تميزه في المعالم والحضارة والشخصية إلا أنه قد لا يخلو من وجود عصاة أو بغاة أو منافقين أو أصحاب بدع وأهواء أو سراق ولصوص وقطاع طرق، ولكن العبرة بسيادة الشريعة وغلبة أهل الحق وكثرة الصالحين وتمكن الدين وهيمنته على النظم والأحكام والأعراف والتقاليد 17.

والله سبحانه وتعالى الذي شرع للمجتمع المسلم ما يصونه ويرقى به هو تعالى أعلم بطبيعة النفس والمجتمع، أعلم بما يصلح البشر ويناسب بشريتهم.

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 26 - 28] .

ولقد حذر الله البشرية من عدوها الذي يتربص بها ويكيد لها ويستدرجها بحبائله ومكائده إلى الرذيلة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] .

والتزكية لا يدركها الإنسان بنفسه فحسب، ولا يحصلها بسعيه المجرد، وإنما هي توفيقٌ من الله وعصمة وفضل منه ورحمة، ومن ثم فالمؤمن يستعين بربه دائمًا أن يحصنه وأن يزكيه.

ومن تلك الأسس:

قال تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 108 - 109] .

فالبناء إن لم يعتمد على أسس متينة وقواعد ثابتة لا يمكث طويلًا بل سرعان ما ينهار، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي لب العقيدة الإسلامية وجوهرها، والسعي لرضوان الله هي غاية الغايات وأسمى الأمنيات، فالعقيدة هي الأساس المتين، والسراج المبين، والسياج الحصين للمجتمع المسلم، لقد نزل القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يعلم الناس العقيدة وأصول الشرائع ومكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وينشئ الجماعة المسلمة التي ستكون نواةً لتشييد أول مجتمع إسلامي في المدينة المنورة بعد الهجرة المباركة، ثلاث عشرة سنة في إرساء قواعد بناء المجتمع المسلم، تعليم الصحابة معنى لا إله إلا الله، لا رب غيره ولا معبود سواه، ولا حكم إلا له، ولا عون إلا منه، ولا حول ولا قوة إلا به، لا إله إلا الله: تحرير الإنسان من الخضوع والاستسلام لغير الله سبحانه وتعالى والاحتكام إلى غير شرعه، لا إله إلا الله: اجتماع القلب على محبة الله وتعظيمه وموالاته وطاعته، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة من يعلم المجتمع المدني الناشئ العقيدة ويقرئهم القرآن، ثم كانت الهجرة النبوية؛ لتشكيل هذا المجتمع الجديد وإخراجه وفق شرع الله.

وتوحيد الله سبحانه وتعالى ومعرفته هو النور الذي يمحو كل ظلمة، والحق الذي يفند كل شبهة، والحقيقة التي تبدد الأوهام والأساطير والخرافات، التي تستبد بكثير من الناس وتستهويهم وتطاردهم، فتنكد عيشهم وتكدر صفوهم، وتضيق معايشهم، وتثقل كاهلهم، وتسقم نفوسهم، وتحير عقولهم، وتبلبل أفكارهم، وتفرقهم شيعًا، مع انقباض الصدور ووحشة القلوب، أما عقيدة التوحيد: فإنها تجمع القلوب وتشرح الصدور، وتؤلف النفوس وتنير العقول وتشحذ الهمم، وتسمو بالأرواح وتنهض بالمجتمعات.

قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ? قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ?10?رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ?) [الطلاق: 10 - 11] .

من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظلمات الجهل والأوهام إلى نور العلم، من ظلمات الشك والحيرة إلى نور اليقين.

كل مجتمع له رسالة تجمعه ورؤية توحده، وعقيدة التوحيد هي رسالة المجتمع المسلم ورؤيته وشعاره وكلمته الجامعة، رسالة المجتمع المسلم السامية، توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة التي هي غاية خلق الإنسان، والسعي إلى إرضائه جل جلاله، ورؤيته التي ينظر بها لهذا الكون وللحياة ويمشي بها في الناس، وشعاره الذي يتمثله ويستحضره ويهتف به ويحيا له ويتوحد عليه.

قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ? أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 257] .

وقال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 122] .

والإيمان يغرس بذور المراقبة، ويروي شجرة التقوى في الأفئدة، ويزرع المحبة والألفة في القلوب، ويوقد سراج المعرفة في العقول، ويقدح زناد الهمة ومشاعل التنافس إلى الخيرات في المجتمعات، وهو أقوى الروابط بين القلوب وأوثق العرى بين النفوس.

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103] .

(. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ? لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ? إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 63] .

والإيمان بأن هناك يومًا يفصل الله فيه بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، يقتص للمظلوم من الظالم، ويحاسب الحاكم، ويسأل الراعي والمؤتمن، ويجازي المبتلى، ويكافئ الصابر والمحتسب، ويثيب المطيع ويعاقب العاصي، وينتقم من الطغاة والمجرمين، الإيمان بهذا اليوم العظيم واستذكاره مما ينير الطريق ويقوم السلوك، ويثبت الخائف ويسلي المبتلى، ويجلي الأحزان، ويهدي الحيران، ويهذب النفوس، ويداوي القلوب، ويطهر المجتمعات من الآفات، ويضبط المعاملات، ويقيم ميزان العدل، ويرسخ القيم، ويوحد الغايات.

قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ?45?الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ?46?) [البقرة: 45 - 46] .

فالإيمان باليوم الآخر واليقين بلقاء الله مما يحفز على الجد في العبادة والمسارعة إليها والنهوض لأدائها.

قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 1 - 6] .

فالإيمان بيوم البعث يدفع لمراقبة الله، ومحاسبة النفس، ورعاية الحقوق والوفاء بها مع أداء الواجبات.

والإيمان بالكتب والرسل: فالكتب هي الميزان والمنهاج، والشرعة والسراج، لا تستقيم الحياة ولا تقوم للمجتمعات قائمة بدون منهج رباني يقيمها، ونجوم هدًى تقودها، وأسوةٍ حسنة تتأسى بها، وسننٍ قويمٍ تترسمه.

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ? وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ?25? [الحديد: 25] .

والإيمان يقتلع جذور اليأس وأسباب القلق والهموم، ويبدد المخاوف، ويذهب الأحزان، ويغرس الأمل في القلوب والمحبة والوئام بين الناس، مما يطهر المجتمع من الأحقاد والضغائن التي تفضي إلى الجرائم، ويطهر أفراده من الأمراض والعقد النفسية التي ابتليت بها المجتمعات المحرومة من الإيمان.

قال تعالى مخبرًا عن قول يعقوب عليه السلام لبنيه: (?يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ? إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87] .

وهذا يعني أن المؤمن متفائلٌ طموحٌ مستبشرٌ مؤملٌ في روح الله.

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَ?نُ وُدًّا(96 ) ) [مريم: 96] .

أي: مودة في قلوب العباد.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 277] .

وعدهم الله سبحانه وتعالى بالأمن والسعادة.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى? مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) [محمد: 2] .

أصلح أحوالهم وشؤونهم وأمورهم، والأمن والطمأنينة وصلاح البال من ثمرات الإيمان وعمل الصالحات.

والإيمان من أسباب الهداية والتوفيق والسداد في أمور الدنيا والدين.

قال تعالى: (ٹ ٹ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ? تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) [يونس: 9] .

والمجتمع المؤمن هو خير المجتمعات على الإطلاق إذا كان متمسكًا بإيمانه متوجًا له بالأعمال الصالحات، فهو الأفضل على الإطلاق، وهذا الأمر ملحوظٌ وملموسٌ؛ فالمجتمعات المؤمنة يغلب عليها الطهر والعفاف، والتكافل والتراحم والصدق والأمانة، والتنافس في الخير.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَ?ئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ?7?جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ?8?) [البينة: 7 - 8] .

بإيمانهم وصلاحهم بلغوا أسمى المراتب في الدارين.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟ والذي نفسي بيده، لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملكٍ، واقرؤوا إن شئتم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَ?ئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) » 18.

وحياة الأنبياء والمرسلين حافلة بالمواعظ والدروس والعبر والفوائد التي يجب الوقوف عندها والاقتطاف منها في حياتنا (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ? مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَ?كِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 111] .

وهي السياج الذي يحمي المجتمع المسلم ويقيمه وينظم شؤونه، ويعالج مشكلاته، ويقدم الحلول الحاسمة لأزماته، ويقوي روابطه، ويدعم وحدته، ويقوي دعائمه ويوثق وشائجه، والشريعة تشمل العبادات والمعاملات، العبادات: وهي محور حياة المجتمع المسلم وأساس تكوينه، ونبراس سبيله، وهي الزاد الذي يتزود به، والوقود الذي يتحرك به وينطلق به نحو المعالي ويحلق به في أجواء الفضيلة، والمنهج الذي يرقى به وينهض، به تزكو النفوس، وتتوقد القرائح، وتنبعث الهمم، هي المنظم لسلوك الإنسان، والعلاج لما قد يصيبه من خلل أو يعتريه من علل، فالصلاة مدرسةٌ وجامعةٌ ومستشفى ومنتدى ورابطة؛ فيها شفاء الأرواح، ورياضة الأبدان، وجمع القلب، وتزكية النفس.

قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45] .

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ? وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45] .

والصوم شفاء للأبدان وصفاءٌ للأرواح، وهو عبادةٌ جماعية، فيها توحيدٌ للمشاعر، وبها يعطف الغني على الفقير والكبير على الصغير، وختامها عيدٌ سعيدٌ يجدد الروابط ويقوي الصلات بين أفراد المجتمع.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ? وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185 ) ) [البقرة: 183 - 185] .

والحج عبادةٌ جماعية فيها شفاء للأرواح والأبدان، واجتماعٌ على الذكر والعبادة، وتحقيق للمصالح وتحصيل للمنافع، وتزكيةٌ للنفوس، وحفزٌ للهمم، وتواصلٌ بين الأمم والشعوب، وثقافة ومعرفة، وسياحةٌ وتنميةٌ لاقتصاد الفرد والمجتمع.

قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ? فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ? وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? ? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ?197?) [البقرة: 197] .

(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: 27 - 28] .

والزكاة طهرٌ للمال ولنفوس الأغنياء من الأنانية والشح والأثرة والجشع، ولنفوس الفقراء من الحسد والحقد والطمع.

قال تعالى: (. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: 103] .

وفيها بركةٌ ونماءٌ للمجتمع، وتنميةٌ للاقتصاد.

قال تعالى: (ھ ھ ے ےوَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ? وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم: 39] .

والجهاد سياجٌ للمجتمع، وحمايةٌ له من المخاطر الخارجية، وتحقيقٌ لأمنه، وحمايةٌ لممتلكاته، وسببٌ للحياة الكريمة الأبية للشعوب والمجتمعات.

قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ? وَعَسَى? أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ? وَعَسَى? أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال: 24] .

إذا دعاكم للجهاد ففيه حياةٌ للنفوس.

عن عروة بن الزبير: «إذا دعاكم لما يحييكم» ، أي: «الحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم» 19.

من ركائز المجتمع المسلم ومن سماته تلك القيم والأخلاق والآداب، التي تكتنفه وتحيط به إحاطة السوار بالمعصم والأسوار للبستان، والفناء بالبيت، فتصونه وتزينه، وترقى به، قيم ثابتة راسخة وأخلاق طيبة، وآداب ساميةٌ كريمة، وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ في مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، بل وحذر القرآن من مساوئ الأخلاق وسيئ العادات، وما من خلقٍ كريمٍ إلا وفي القرآن الكريم صورٌ عمليةٌ له، وما من خلقٍ ذمه القرآن إلا وذكر نماذج له، والأنبياء -عليهم السلام- هم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة لمكارم الأخلاق، وفي مقدمتهم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الذي بين القرآن جميل خلقه على وجه الإجمال والتفصيل، من ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍں) [القلم: 4] .

وقال جل جلاله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 128] .

وقال سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159] .

وقال جل وعلا عن أنبيائه: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ? قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ? إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى? لِلْعَالَمِينَ ?90?) [الأنعام: 90] .

ولقد سجل القرآن صفحات مشرقة تحكي أخلاق الأنبياء ودعوتهم لمكارم الأخلاق، وكذلك أخلاق بعض الصالحين ووصاياهم؛ لتبقى للمجتمع نماذج يستضيء بها وأسوة يحتذى حذوها.

من سمات المجتمع الذي يقيمه الإسلام أنه مجتمع عادل، يحقق العدالة بين جميع أفراده دون تفريق بين أحدٍ، فالعدالة سياجه وميزانه، وهي ضرورة لقيام المجتمع المسلم واستقراره، العدالة بين المسلم والمسلم، وبين المسلم وغير المسلم، العدالة بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين القوي والضعيف، وبين الذكر والأنثى، وبين الحاكم والمحكوم.

قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ ? فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?9?) [الحجرات: 9] .

فالعدالة أمر من الله، يجب أن تحكم وتسود.

قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ? إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58] .

والمؤمن إيجابيٌ يسعى للحق، نفاعٌ لنفسه ولغيره، ليس كلًّا على أحد، الأمر بالعدل ديدنه وهجيراه، ولقد فرق القرآن بين المسلم المطيع لربه الفعال النافع لمجتمعه وبين العاجز المتواني الذي يشكل عبئًا على عشيرته ومجتمعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت