فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 2431

مثال ذلك قصة قارون في قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] .

إن الناس لما رأوه -قارون- على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا {يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار، وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا 38.

وقد جاء التحذير الرباني من هذا الفعل: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] .

إن الناظر في هذه الآية يلحظ مدى اهتمام القرآن بقطع الطريق على النفس ولجمها قبل أن تتوغل في مستنقع الحسد الذي يبدأ بمد العين إلى ما في أيدي الناس، بل تبين أن النظرة الصحيحة عند رؤية النعيم الذي يتمتع به الآخرون تكون بتذكر ما عند الله من النعيم المقيم.

3.الحسد على الصلاح.

إن من الأمور التي تكون في الإنسان ويحسد عليها، صلاحه وتقواه، يدل على ذلك قصة يوسف، قال تعالى حكاية عن يعقوب لولده يوسف عليهما الصلاة والسلام: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] .

فقد قال يعقوب لابنه يوسف: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} هذه {عَلَى إِخْوَتِكَ} فيحسدوك، {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} إن الشيطان لآدم وبنيه عدو، وقد أبان لهم عن عداوته وأظهرها، يقول: فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك بك، بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك 39.

«وقد علم يعقوب عليه السلام أن إخوة يوسف عليه السلام العشرة كانوا يغارون منه؛ لفرط فضله عليهم خلقًا وخلقًا، وعلم أنهم يعبّرون الرؤيا إجمالًا وتفصيلًا، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف عليه السلام على إخوته الذين هم أحد عشر، فخشي إن قصها يوسف عليه السلام عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حد الحسد، وأن يعبرّوها على وجهها فينشأ فيهم شر الحاسد إذا حسد، فيكيدوا له كيدًا ليسلموا من تفوقه عليهم وفضله فيهم» 40.

يتضح مما تقدم أن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام، حسدوه على صلاحه وتقواه، وأضمروا له العداوة، والكيد؛ حسدًا منهم له على تقدمه عليهم، وكذا حال الحساد، يفعل الحسد فعله في نفوسهم سواء أكان الحسد للصلاح والتقوى أم لغيرهما.

-أولًا: حسد إبليس لآدم:

من سنن الله الثابتة: الصراع بين الحق والباطل من اللحظة الأولى التي خلق الله سبحانه وتعالى فيها آدم عليه السلام، وأمر الملائكة بالسجود له، وكان ممن شملهم الأمر إبليس -عليه لعنة الله-، فاستجاب الملائكة للأمر الرباني، ورفض إبليس ذلك، ومنذ تلك اللحظة اشتعلت نار الحسد في قلب إبليس، وقد ظهر هذا الحسد من خلال عدة صور بيّنها الله سبحانه وتعالى وهي كالآتي:

الصورة الأولى: رفض إبليس الاستجابة لأمر الله تعالى بالسجود لآدم، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

فقد أمر الله تعالى الملائكة وإبليس معهم بالسجود لآدم؛ إكرامًا له وتعظيمًا؛ وعبودية الله تعالى، فامتثلوا أمر الله، وبادروا كلهم بالسجود، إلا إبليس امتنع عن السجود؛ واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، إباءً واستكبارًا نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه 41.

إن الآية الكريمة السابقة تحمل في طياتها معاني وإرشادات كثيرة.

إذ أنها تبيّن مدى امتثال الملائكة أمر الله تعالى، وتطبيقهم الفوري، حيث عقب الأمر بالسجود بالفاء {فَسَجَدُوا} ، أما إبليس اللعين فأبى السجود، وأصر على ذلك مستكبرًا، رافضًا أمر الله تعالى 42.

الصورة الثانية: التفاخر بالخلقة على آدم، بأنه ناري الخلقة وآدم طيني، {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

فقد حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، قائلًا: أنا ناري، وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر 43، والذي دفعه إلى التكبر عن أوامر الله تعالى، والتعالي عليها، والادعاء أن النار لها الأفضلية على الطين؛ هو الحسد، وفي هذا مراوغة في الإجابة، وادعاء للخيرية بغير دليل، وهي إطاعة للعقل وإهمال للأمر، وترك للدليل وذهاب إلى القياس؛ بادعاء أن النار أفضل من الطين، فخسر وخاب 44.

الصورة الثالثة: طلب إنظاره إلى يوم القيامة، وأخذ العهد على نفسه بإغواء بني آدم، {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 14 - 17]

وفي هذه الآيات الكريمة يظهر أثر الحسد المهلك؛ إذ قاده للتمادي والإصرار على معصية الله تعالى، بل والتوعد بالعمل على إغواء عباد الله.

وهكذا يلحظ أثر الحسد السيء، وكيف قاد إبليس للاستكبار على أمر الله تعالى، وعدم الاستجابة له، ثم إلى الغرور والتفاخر بالنفس، ثم إلى التمادي في المعصية والتوعد أمام الجبار سبحانه بالعمل على إغواء عباده.

ومعنى قوله: {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .

أي: من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك، وذلك بسبب إظهاره الاستكبار فكانت النتيجة أن ألبس الصغار 45، وقوله: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} [الأعراف: 18] .

أي: «خروج صغار واحتقار، لا خروج إكرام، بل مذمومًا مبعدًا عن الله وعن رحمته، وعن كل خير» 46.

إن المطالع للآيات التي جاء فيه ذكر قصة إبليس مع آدم عليه الصلاة والسلام يجد أن رد إبليس فيها على أمر الله، كان بالرفض والتكبر، والامتناع من السجود لآدم عليه السلام، فحذّر سبحانه وتعالى بني آدم من اتباعه في خطابه لأبيهم آدم، وبيّن لهم أن عداوته قائمة دائمة إلى يوم الدين.

ولكن ما سبب تلك العداوة؟ والجواب: «أن إبليس كان حسودًا، فلما رأى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده، فصار عدوًّا له» 47.

فـ «المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر؛ لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر، والكفار إنما نازعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بسبب الحسد والكبر، فذكر الله تعالى هذه القصة هاهنا ليصير سماعها زاجرًا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين» 48.

ثانيًا: حسد ابن آدم عليه السلام قابيل لأخيه هابيل:

إن الله سبحانه وتعالى، وهو يقص علينا القصص في كتابه، يوضح لنا أن تغلغل آفة الحسد في النفس يجعل الإنسان يقدم على ارتكاب جريمة القتل، حتى في حق أقرب الناس إليه (أخيه) ، وهذا واضح في قصة ابني آدم عليه السلام.

يقول تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 27 - 31] .

إن في إخبار الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة، في ظل ما يلقاه من تكذيب وإعراض من قومه، ومن أهل الكتاب، الذين كفروا به حسدًا من عند أنفسهم، من التسلية الشيء الكثير، وكأنه يقول له: لا تتعب من حسد هؤلاء ومكرهم، فقد حسد الأخ أخاه حتى أوصله حسده إلى قتله، فلا تحزن بما فعل هؤلاء واصبر حتى يأتي أمر الله.

فقد قرّب كل واحد منهما قربانًا إلى الله تعالى، فتقبّل الله تعالى قربان أحدهما دون الآخر، فتحرّك الحسد في قلبه، ودفعه إلى التحرك والعمل، فقال لأخيه {لَأَقْتُلَنَّكَ} ، فهو بهذا يتمثّل أمر الحسد في تنفيذ القتل ليتخلص منه، ويضمن عدم تقدّمه وتفوّقه عليه، وهذا دأب الحاسد، وديدنه، فهو لا يرتاح، ولا يهدأ له بال، ولا يبرد الحسد في عروقه؛ حتى ينفذ مقصده ومآربه 49.

وهنا يردّ عليه التقي الورع الواثق بالله تعالى، الذي تقبّل الله تعالى قربانه، منبّهًا له، ومبيّنًا أن تقوى الله تعالى، والإخلاص له من أهم أسباب القبول عند الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ، وإن كنت مصرًّا على قتلي، فلن أفعل فعلك، فخوفي من الله تعالى، ربي وربك يمنعني فعل ذلك، والإقدام عليه، فهذه جريمة لا أجرؤ على الإقدام عليها، {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، وبعد هذا التذكير، والتحذير والتخويف له، لعله يرجع عن رأيه، وما يريد فعله، أردف ذلك أن غرضي من هذا، إن لم ترجع عن فعلك، أن تحمل إثمي وإثمك، وتبوء بهما، وهذا يجعلك من أصحاب النار، وهذا مصير الظالمين 50.

ومع كل ما تقدم من الوعظ والإرشاد، والتخويف والتحذير، لم يتعظ ولم يرجع عما يخطط له، وبقيت نار الحسد مشتعلة في صدره، تحثه على الإقدام لارتكاب جريمته، {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} ، مع كل ما تقدم من التذكير بالله تعالى، والتخويف، والتحذير من سوء العاقبة والمصير، لم يرتدع، فجاء التعبير بفاء التعقيب، {فَطَوَّعَتْ} وشبّه الفعل بأمر عصي على الانقياد فطوّعه حتى سهل وروض، أو بشيء صلب شديد الصلابة، يصعب كسره، وتنفيذه، فألانته نفسه، وسهّلته، وزيّنته له، وذلك نتج عن الحرب القائمة في نفسه بين عنصري الخير والشر، فانتصر عنصر الشر في نفسه، ودفعه الحسد الذي يغلي في صدره إلى ارتكاب جريمته، فناله الخسران بسبب فعلته 51.

إن الآيات الكريمة السابقة قد تضمّنت بيانًا لأخلاق صاحب الحسد، وسوء طويته وشنيع فعله؛ إذ أن حسده قد يحمله «على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسّه به رحمًا، وأولاهم بالحنو عليه، ودفع الأذية عنه» 52.

ثالثًا: حسد إخوة يوسف عليه السلام:

لقد قصَّ الله تعالى علينا هذا الخبر في سورة وصفها بأنها أحسن القصص؛ لما تضمنته من الدروس والعبر المهمة، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] .

وقال الشوكاني: «واختلف في وجه كون ما في هذه السّورة هو أحسن القصص؟ فقيل: لأنّ ما في هذه السّورة من القصص يتضمّن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها، وقيل: لما فيها من حسن المحاورة، وما كان من يوسف من الصبر على أذى إخوته وعفوه عنهم، وقيل: لأنّ فيها ذكر الأنبياء والصّالحين والملائكة والشّياطين والجنّ والإنس والأنعام والطّير وسير الملوك والمماليك والتجّار والعلماء والجهّال والرجال والنّساء وحيلهنّ ومكرهنّ، وقيل: لأنّ فيها ذكر الحبيب والمحبوب وما دار بينهما، وقيل: إنّ (أحسن) هنا بمعنى (أعجب) ، وقيل: إنّ كلّ من ذكر فيها كان مآله السّعادة» 53.

«ووجه أحسنيتها اشتمالها على: حاسد ومحسود، مالك ومملوك، وشاهد ومشهود، وعاشق ومعشوق، وحبس وإطلاق، وخصب وجدب، وذنب وعفو، وفراق ووصال، وسقم وصحة، وحل وارتحال، وذل وعز، وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء الله تعالى، ولا مانع من قدره، وأنه سبحانه إذا قضى لإنسان بخير ومكرمة، فلو أن أهل العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا، وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن التدبير من العقل، وبه يصلح أمر المعاش، إلى غير ذلك مما يعجز عن بيانه بنان التحرير» 54. لقد كان يوسف وأخوه أصغر أبناء يعقوب عليه السلام، وكان يحبهما حبًّا كثيرًا، فكان هذا الأمر دافعًا لاشتعال نار الحسد في قلوب الإخوة 55.

وذات ليلة رأى يوسف عليه السلام رؤيا قصّها على أبيه، فكانت رؤيا تبشّر بمستقبل زاهر لهذا الغلام الصغير؛ إذ أنها بشرى بأنه سيحمل لواء النبوة كما حملها آباؤه من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فكانت هذه الرؤيا عنوانًا آخر من عناوين شدة محبة يعقوب عليه السلام له، قال تعالى مسطرًا ذلك في كتابه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] .

وهنا يقف الأب موقف الرجل الحكيم الحريص على أبنائه، الخبير بطبائع البشر، حاثًّا إياه على عدم قص هذه الرؤيا على الإخوة الذين كانوا في الأصل يحسدونه على قربه من قلب أبيهم ومحبته له؛ إذ بسماعهم لهذه الرؤيا سيزداد حسدهم أكثر، {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] 56.

وتعليل أمره بعدم قص الرؤيا قوله: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} أي: فيحسدوك ويبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} الشيطان عدو لآدم وبنيه، قد أبان لهم عن عداوته وأظهرها، فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك بك فيحسدوك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك 57، وقد وقع ما حذّر منه عليه السلام، فوقع الحسد في قلوب الإخوة، واتخذ صورًا متنوعة قصها القرآن الكريم.

الصورة الأولى: وصفهم لأبيهم بأنه في ضلال مبين بمحبته ليوسف عليه السلام، {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 8] .

فقد كان هذا القول حسدًا منهم ليوسف وأخيه لما رأوا من ميل يعقوب إليه وكثرة شفقته عليه، (ووصف أبيهم بالضلال المبين) يعني لفي خطأ بيّن في إيثاره حب يوسف علينا مع صغره لا نفع فيه، ونحن عصبة ننفعه ونقوم بمصالحه، من أمر دنياه، وإصلاح أمر مواشيه، وليس المراد من ذكر هذا الضلال: الضلال عن الدين؛ إذ لو أرداوا ذلك لكفروا به، ولكن أرادوا به الخطأ في أمر الدنيا، وما يصلحها 58.

الصورة الثانية: التفكير بقتل يوسف والتخلص منه، {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] .

يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلوا لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحين 59.

فقد قادهم الحسد إلى التفكير في قتل يوسف والتخلص منه؛ ليحوزوا على قلب أبيهم ومحبته الكاملة لهم، التي لا يشاركهم فيها أحد، وهذه آية من عبر الأخلاق السيئة، وهي: التخلص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن هو دونه فيه، أو مساويه، بإعدام صاحب الفضل، وهي أكبر جريمة؛ لاشتمالها على الحسد، والإضرار بالغير، وانتهاك ما أمر الله بحفظه 60.

الصورة الثالثة: إصرارهم على ارتكاب الخطأ مع معرفتهم التامة بذلك، وتعليل ذلك بأنهم سيتوبون بعد ذلك إلى الله، {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] .

الصورة الرابعة: التخلص منه بإلقائه في غيابة الجبّ، {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف: 15] .

إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة، وجعل هذا الأخ يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فانطلقوا به إلى الجبّ يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت 61.

الصورة الخامسة: الكذب على أبيهم والادعاء على الذئب بأنه قد أكل يوسف وهم عنه غافلون، {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 16 - 18] .

لقد فعلوا فعلتهم النكراء، فجاءوا أباهم مساءً باكين كي لا يظهر عليهم أثر التآمر، مظهرين أسفهم وندمهم على تقصيرهم في الحفاظ عليه، وتتابعت الحجج أنهم كانوا يتسابقون ويلعبون، وتركوا يوسف عند المتاع، فأكله الذئب، ودليلهم في ذلك الدم الكذب على قميصه، ولكنها حجة تحمل في طياتها إدانتهم 62.

رابعًا: حسد أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم:

أولًا: حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم.

إن الله سبحانه وتعالى قد بيّن لأهل الكتاب على لسان أنبيائهم عليهم السلام، أنه سيكون نبي في آخر الزمان، واضح الصفات، {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

معروف الاسم، يقول سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

فتمنى اليهود أن يكون هذا النبي منهم، متوعّدين العرب به، مستنصرين به عليهم، {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت