دلت الكثير من الآيات على مكر وكيد الكافرين والمنافقين برسل الله تعالى والمؤمنين، منها: قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 42] .
وقوله عز وجل: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح: 22] .
وقوله سبحانه: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 45] .
وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] .
وقوله جل شأنه: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] 68.
وقد بيَّن الله عاقبة مكر وكيد الكافرين والمنافقين وأنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله، وستكون العاقبة لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، كما مكر الذين من قبلهم برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
وبيَّن الله تعالى أنه يدمر من يمكر، وقومه برسل الله بقوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 50 - 52] .
ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] 69.
كما أوصى الله المؤمنين بما يدفع المكر والكيد وهو: الصبر والتقوى، وذلك في قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .
ثالثًا: المكر والكيد بين المسلمين بعضهم لبعض، وهذا محرم ولا يجوز، ومنه قوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5] .
ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] .
وكذلك الغدر بالمسلمين، يدخل في المكر والكيد، وهو محرم لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) 70.
والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًّا لا يطلع عليه الناس، فيكشف الغدر والغادر يوم القيامة علانية ويطلع عليه بصورة فيها شيء من الإهانة، ويصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل 71.
رابعًا: الإسرار بالمودة للكافرين:
بيَّن الله تعالى بأن من يسرّ من المسلمين إلى المشركين بالمودة فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقًا إلى الجنة ومحجة إليها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] ؛ لأن المودة هي عماد عقيدة الولاء والبراء للباري سبحانه، ومكانها القلب الذي هو موئل العاطفة، ومنبت الإحساس والمشاعر، وهي معنى خفي ? يطلع عليه إ? الخالق عالم الغيب والشهادة، ولذلك كان عطاء لله تعالى للعبد على قدر إخلاصه في هذه المحبة لله ولرسوله ولدينه ولعباده المؤمنين، فلابد أن تجرد هذه المحبة لله وتصفى وتنقى من أي شائبة بشرك أو غبار رياء، أو تكدير نفاق 72.
والإسرار في الآية على وجهين:
أحدهما: تعلمونهم سرًا أن بينكم وبينهم مودة.
الثاني: تعلمونهم سرًّا بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، وقد فسر بأن معناه: يظهرون، وهذا صحيح؛ فإن الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسر، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإن قولهم: أسررت إلى فلان يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء 73.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية وما بعدها من أول هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وكان قد كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم 74.
فقد روى علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ- وهو مكان بين مكة والمدينة- فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي. ويروى أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى أهل مكة يتنصح لهم، فكتب إليهم أن رسول الله يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان كتب إليهم كتابًا ووجه به مع امرأة يقال إنها كانت مولاة بني هاشم، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي والزبير خلفها فلحقاها فسألاها عن الكتاب فأنكرت، ففتشا ما معها فلم يجدا شيئًا، فقال علي رضوان الله عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذبنا فأقسم علي عليها لتخرجن الكتاب أو ليضربنها بالسيف، فقالت لهما: وليا وجوهكما وأخرجت الكتاب من قرن من قرون شعرها، فجاء بالكتاب إلى النبي عليه السلام فعرضه على حاطب فاعترف به، وقال: إن لي بمكة أهلًا ومالًا فأردت أن أتقرب منهم، ولن يرد الله بأسه عنهم، فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الآية إلى آخر القصة 75.
لكن الآية عامة في كل من يسر مودة الكافرين؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب 76.
خامسًا: الإسرار بمواعدة النساء بالزواج:
حرم الله تعالى النكاح في العدة، وأوجب التربص على الزوجة مدتها، وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون الصبر عن ذكر النكاح والتكلم فيه، فأذن في التصريح بذلك مع جميع الخلق، وأذن في ذكر ذلك بالتعريض مع العاقد له، وهو المرأة أو الولي؛ وهو في المرأة آكد.
قال الإمام ابن عطية: «أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع، أو تحريض عليه فإنه لا يجوز، وقال أيضًا: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] » 77.
والتعريض هو: القول المفهم لمقصود الشيء، وليس بنص فيه، أي: الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح، والتعريض المباح في العدة بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول لها الرجل مثلًا: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك، ولعل الله أن يسوق إليك خيرًا، أو يقول: رب رجل يرغب فيك، وما جرى مجرى هذه الألفاظ. والتصريح هو: التنصيص عليه والإفصاح بذكره. والتعريض مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته، كأنه يحوم على النكاح، ويمشي حوله ولا ينزل به 78.
وقد اختلف العلماء في السر المراد في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه الزنا، قاله: جابر بن زيد، وأبو مجلز: لاحق بن حميد، والحسن بن أبي الحسن، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وهو اختيار الإمام الطبري 79.
الثاني: الجماع، وهو قول الشافعي، ويكنى به عن الجماع حلاله وحرامه؛ لكونه يكون في سر، وقد يعبر به عن العقد؛ لأنه سبب فيه 80.
الثالث: التصريح بالنكاح: ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، أي: لا تتعدوا معهن وعدًا صريحًا على التزوج بهن 81.
والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرًّا، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء، وقيل: المراد به هنا هو الزنى، وهو اختيار الإمام الطبري، أو هو التعريض بالقول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، قال الإمام ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك 82.
قال سيد قطب في ظلال هذه الآية: «والعلة في النهي عن المواعدة؛ لأن المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، بخلاف التعريض فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه؛ لأن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين، أو حمل تبين، والعدة معلقة بوضعه .. وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة؛ لأن هذا الحديث لم يحن موعده؛ ولأنه يجرح مشاعر، ويخدش ذكريات.
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض -لا التصريح- بخطبة النساء. أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها» 83.
تنكشف أسرار الناس يوم القيامة فلا يخفى منه على الله شيء، وهذا ما سنبينه في النقاط الآتية:
أولًا: انكشاف السرائر:
في يوم القيامة تنكشف السرائر، ويعرض الناس على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، وفي ذلك اليوم يعرض العباد على الله لحسابهم، فلا يخفى على الله تعالى من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم وأمورهم شيء، فهو يعلم السر وأخفى، ويدل على هذا المعنى آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] .
وقوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] .
وقوله جل شأنه: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 38] .
وكذلك قوله سبحانه: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] 84.
وفي هذا المقام قال سيد قطب في ظلال قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] فالكل مكشوف. مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل، مكشوف المصير. وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرى النفوس تعري الأجساد، وتبرز الغيوب بروز الشهود .. ويتجرد الإنسان من حيطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح منه ما كان حريصًا على أن يستره حتى عن نفسه! وما أقسى الفضيحة على الملأ. وما أخزاها على عيون الجموع! أما عين الله فكل خافية مكشوفة لها في كل آن، ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حق الشعور، وهو مخدوع بستور الأرض. فها هو ذا يشعر به كاملًا وهو مجرد في يوم القيامة. وكل شيء بارز في الكون كله. الأرض مدكوكة مسوّاة لا تحجب شيئًا وراء نتوء ولا بروز، والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئًا، والأجسام معرّاة لا يسترها شيء، والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر وليس فيها سر! ألا إنه لأمر عصيب، أعصب من دك الأرض والجبال، وأشد من تشقق السماء! وقوف الإنسان عريان الجسد، عريان النفس، عريان المشاعر، عريان التاريخ، عريان العمل ما ظهر منه وما استتر، أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله، من الإنس والجن والملائكة، وتحت جلال الله وعرشه المرفوع فوق الجميع ..
وإن طبيعة الإنسان لمعقدة شديدة التعقيد ففي نفسه منحنيات شتى ودروب، تتخفى فيها نفسه وتتدسس بمشاعرها ونزواتها وهفواتها وخواطرها وأسرارها وخصوصياتها، وإن الإنسان ليصنع أشد مما تصنعه القوقعة الرخوة الهلامية حين تتعرض لوخزة إبرة، فتنطوي سريعًا، وتنكمش داخل القوقعة، وتغلق على نفسها تمامًا.
إن الإنسان ليصنع أشد من هذا حين يحس أن عينًا تدسست عليه فكشفت منه شيئًا مما يخفيه، وأن لمحة أصابت منه دربًا خفيا أو منحنى سريًّا! ويشعر بقدر عنيف من الألم الواخز حين يطلع عليه أحد في خلوة من خلواته الشعورية ..
فكيف بهذا المخلوق وهو عريان. عريان حقًّا. عريان الجسد والقلب والشعور والنية والضمير. عريان من كل ساتر. عريان ... كيف به وهو كذلك تحت عرش الجبار، وأمام الحشد الزاخر بلا ستار؟! ألا إنه لأمر، أمر من كل أمر!!! وبعدئذ يعرض مشهد الناجين والمعذبين، كأنه حاضر تراه العيون 85.
وانكشاف السرائر يوم القيامة لا يقتصر على الأعمال فقط، بل تنكشف عقائد المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر، ويظهرون الإسلام، ويبدى لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون من قبل، على أحد المعاني لقوله عز وجل: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) } [الأنعام: 28] 86.
ثانيًا: إسرار الندامة:
أخبر الله تعالى أن الكافرين يسرون الندامة يوم القيامة، والندامة: الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 54] .
وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] 87.
وإسرار الندامة يوم القيامة على معنيين:
الأول: الإخفاء والكتمان، أي: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة من الذين أضلوهم، وستروها عنهم، وهذا قول عامة المفسرين، وهو المشهور في اللغة والشائع في الاستعمال؛ لأن السر من الأضداد - كما سبق - ولا موجب للعدول عن المشهور والشائع في الاستعمال إلا بدليل؛ ولأن (السر) يستعمل غالبًا في الكتمان، وذلك ما ينصرف إليه الذهن بادئ الرأي، وهو أنسب بالمقام.
الثاني: الإظهار والإعلان، أي: أظهروا الندامة وأعلنوها على ما فاتهم من الكفر والعصيان، ويدل على هذا المعنى أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر؛ كي يظهروا خلاف ما يبطنون، وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من المفسرين؛ لأن الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، أخفيته، وأسررته، أعلنته، فيكون المعنى في قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54] أي: أظهروها 88.
ومما يؤيد هذا المعنى أن الندامة تظهر يوم القيامة جهرًا في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .
وكذلك قوله سبحانه: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10، 11] .
وقد حكى جماعة من المفسرين عن المبرّد وجهًا ثالثًا في معنى إسرار الندامة: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سرار 89.
ومن خلال النظر في أقوال المفسرين يمكن القول بأن الإسرار يوم القيامة يحتمل المعاني الثلاثة: ففي مواطن يكتمون الندامة، وفي أخرى يظهروها، مع بدو الندامة في أسرة وجوههم في جميع الأحوال.
لما كان الله تعالى له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وكان المطلع على ما فيهن، بحيث لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] .
وكذلك قوله تعالى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] .
وقوله سبحانه: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] .
والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
أخبر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة بأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9] .
وفي الآية إشارة إلى أن ابتلاء السرائر يوم القيامة يتحقق بظهورها بعد الخفاء والاستتار ليتم تمحيصها واختبارها.
وهذا المعنى يتضح في قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] 90.
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم 91، وذلك لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .
قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .