فهرس الكتاب

الصفحة 1395 من 2431

وقال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

وقال ربنا تبارك وتعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم مسليًا له واعدًا له بالنصر والعاقبة الحسنة: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] .

ونبي الله يعقوب صلى الله عليه وسلم حين ألقوا بأخيهم في الجُب وأتوا أباهم يبكون ويزعمون الذئب أكل يوسف عليه السلام قال كما أخبر الله عنه: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .

المراد به: الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى 187.

وقال ابن جريج عن مجاهد: «أي: لا أشكو ذلك إلى أحد» 188.

وقال مجاهد أيضًا: «الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه» 189.

وقال أبو حيان رحمه الله: «أتجمل لكم في صبري؛ فلا أعاشركم على كآبة الوجه، وعبوس الجبين، بل على ما كنت عليه معكم، وقال الثوري: من الصبر أنْ لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تبكي نفسك» 190.

وقال ابن القيم رحمه الله: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: «الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه» 191.

وقال ابن القيم رحمه الله: «وقيل: الصبر لله غناء، وبالله تعالى بقاء، وفي الله بلاء، ومع الله وفاء، وعن الله جفاء، والصبر على الطلب عنوان الظفر، وفي المحن عنوان الفرج» 192.

فيا من ابتليت فأبشر، فقد قال رب العزة والجلال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ، والبشرى من الله، نسأل الله من فضله.

أولًا: ثمرات الصبر في الدنيا:

إن الصبر خلق عظيم؛ لذا جعل الله تبارك وتعالى ثمرات في الدنيا والآخرة لمن تخلق بهذا الخلق النبيل، وفيما يلي نعرض لبعض من ثماره في الدنيا فمنها:

1.محبة الله تبارك وتعالى ومحبة الناس.

وأخبر سبحانه في كتابه بأنه يحب الصابرين كما في قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض) 193.

فالصبر بجميع أنواعه من أهم الأسباب التي ينال بها العبد محبة الله تبارك وتعالى ومحبة الناس.

2.معية الله تبارك وتعالى.

وأخبر سبحانه في كتابه أنه مع الصابرين، وهي معية نصر وتأييد وتوفيق، كما في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

وقال: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .

وقال {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

وقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] .

وابن القيم رحمه الله يقول: «فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة، وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى، وبقوله اهتدى المهتدون: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} » 194.

ومن كان الله معه؛ فلا يضره شيء، ولا يناله أذى، من كان الله معه؛ كفاه ما أهمه، ونصره على عدوه، وسدده ووفقه لطاعته، ولا نجاح في الدنيا ولا نصر ولا تمكين إلا بالصبر، ولا فلاح في الآخرة ولا فوز ولا نجاة إلا بالصبر.

3.الصبر شرط أساسي في الإمامة في الدين والتمكين في الأرض.

أخبر الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، وبين أن الإمامة في الدين متعلقة بالصبر واليقين، كما في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله بأنه سمع ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين» 195.

4.النصر على الأعداء.

فقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه بأن النصر والمدد معلق على الصبر وعلى تقوى الله جل وعلا، فقال سبحانه: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] .

ومن الأدلة التي تؤكد أن النصر مع الصبر كثرة الآيات والأحاديث التي تأمر بالصبر عند لقاء العدو، منها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .

وقوله: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] .

والصبر والتقوى سبب في المدد بالملائكة من عند الله، كما في قوله: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] .

وجَعلَ سبحانه وتعالى الإمَامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين، كما في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

ومن الأمثلة على ذلك أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حينما امتحن المحنة العظيمة في فتنة القول بخلق القرآن؛ فصبر على ذلك البلاء، وصابر، وثبت على الحق؛ فأورثه الله الإمامة في الدين، وأصبح إمامًا لأهل السنة والجماعة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام، أو يا غليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟) ، فقلت: بلى، فقال: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة، وإذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء، لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا) 196.

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «فقوله صلى الله عليه وسلم: (إنَ النصر مع الصبر) يشمل النصرَ في الجهادين: جهادُ العدوِ الظاهر، وجهادُ العدوِ الباطن، فمن صبرَ فيهما؛ نُصِرَ وظفر بعدوِه، ومن لم يصبر فيهما وجَزِعَ؛ قُهِرَ وصار أسيرًا لعدوه، أو قتيلًا له» 197.

5.الانتفاع بآيات الله والاتعاظ بها.

وأخبر سبحانه بأن الذين ينتفعون بآيات الله ويتعظون بها هم أهل الصبر، كما في قوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين، لعبرة لكل صَبَار، أي: في الضراء، شكور، أي: في السراء، كما قال قتادة: نعم العبد، عبد إذا ابتُلِي صَبَر، وإذا أعطي شكر» 198.

وقال رحمه الله: «وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، -عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام-، لعبرةً وَدَلالةً لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم» 199.

وقال البغوي رحمه الله: «الصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وأراد: لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين» 200.

قال ابن سعدي رحمه الله: « {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في أيام الله على العباد {لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: صبار في الضراء والعسر والضيق، شكور على السراء والنعمة» 201.

ثانيًا: ثمرات الصبر في الآخرة:

لعظم فضل خلق الصبر جعل الله تبارك وتعالى له ثمرات متعددة في الدنيا والآخرة، وقد تقدم ثماره في الدنيا، ومن ثماره في الآخرة ما يلي:

أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم بأنه سيبتلي عباده بأنواع من البلاء، فسيبتليهم بالخوف والجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، والناس أمام هذا البلاء قسمين: منهم من تذمر وتململ وتضجر من هذا البلاء؛ فهذا سيحرم خيرًا كثيرًا، ومنهم من صبر على هذا البلاء، وقابل ذلك بالشكر لله والاسترجاع فينال برضوان الله تبارك وتعالى وينال ثوابه سبحانه، ولا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله، أو نفسه، أو ولده، أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء.

وقد قال تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبر تعالى أنه يبتلي عباده المؤمنين أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .

فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف، وقال هاهنا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} أي: بقليل من ذلك {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} أي: ذهاب بعضها {وَالْأَنْفُسِ} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {وَالثَّمَرَاتِ} أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه الله ومن قنط أحل الله به عقابه، ولهذا قال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ، وقد حكى بعضُ المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان، ونقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد، وفي هذا نظر، والله أعلم.

ثم بيَنَ تعالى مَنِ الصابرون الذين شكرهم، قال: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي: تسلَوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَة يوم القيامة؛ فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أي: ثناء من الله عليهم ورحمة» 202.

من المعلوم أن الله تبارك وتعالى يضاعف الأجور والحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وهذا يشمل الصبر، ولكن الصبر يزيد على ذلك بأن الله تبارك وتعالى أخبر في كتابه الكريم أن الصابرين يوفيهم أجرهم بغير حساب، كما في قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا.

وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك.

وقال السدي: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: في الجنة» 203.

وقال الماوردي رحمه الله بأن في هذه الآية أربعة أوجه:

أحدها: يعني بغير مَنٍ عليهم ولا متابعة، قاله السدي.

الثاني: لا يحسب لهم ثواب عملهم فقط ولكن يزدادون على ذلك، قاله ابن جريج.

الثالث: لا يعطونه مقدرًا لكن جزافًا.

الرابع: واسعًا بغير تضييق.

وحكي عن علي كرم الله وجهه قال: كل أجر يكال كيلًا ويوزن وزنًا إلا أجر الصابرين فإنه يحثى حثوًا» 204.

وقال الشوكاني رحمه الله: «أي يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب: أي بما لا يقدر على حصره حاصر، ولا يستطيع حسبانه حاسب، قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف، وقال مقاتل: أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب، والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له؛ لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو مُتَنَاهٍ، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة، ومثوبة جليلة تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير أن يتوفر على الصبر، ويزم نفسه بزمامه، ويقيدها بقيده فإن الجزع لا يرد قضاء، قد نزل ولا يجلب خيرًا قد سلب، ولا يدفع مكروهًا قد وقع، وإذا تصور العاقل هذا حق تصوره وتعقله حق تعقله علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، وغير الصابر قد نزل به القضاء، شاء أم أبى، ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقدر قدره ولا يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى، ولم يظفر بغير الجزع» 205.

وأخبر سبحانه بأن المؤمنين يؤتون أجرهم مرتين جزاء صبرهم، كما في قوله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول، ثم بالثاني يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني؛ ولهذا قال: {بِمَا صَبَرُوا} أي: على اتباع الحق؛ فإنَ تجشُم مثل هذا شديد على النفوس» 206.

وهذا عام في جميع أنواع الصبر كما قال ابن سعدي رحمه الله: «هذا عام في جميع أنواع الصبر، الصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها، والصبر على طاعته حتى يؤديها، فوعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، أي: بغير حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند الله، وأنه معين على كل الأمور» 207.

لقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم بأن عاقبة الصبر في الآخرة الفوز بالجنة، التي هي مطلب كل مسلم، وغاية كل مؤمن بالله في آيات متعددة ومن ذلك قوله سبحانه: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .

ففي هذه الآية يبين الله تبارك وتعالى أنه لا يُوفق للأعمال الصالحة إلا الذين صبروا، الذين هم أصحاب الحظ العظيم الذي هو الجنة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: «الذين أعد الله لهم الجنة» 208.

وقال قتادة: «الحظ العظيم» : الجنة، أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة» 209.

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {وَمَا يُلَقَّاهَا} أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يفيده شيئًا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس بواضع قدره، بل من تواضع لله رفعه، وهان عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحليًا له، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق» 210.

وأخبر سبحانه بأن الصابرين يفوزون بالجنة في يوم القيامة جزاء صبرهم، كما في قوله: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أخبر عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} أي: جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين من النار» 211.

وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: «قوله: {بِمَا صَبَرُوا} ، أي: بسبب صبرهم في دار الدنيا، على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريا، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزئون بهم، جزاهم الله يوم القيامة الفوز بجنته، ورضوانه، جاء مبينًا في مواضع أخر مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في النار، والعياذ بالله، كقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34 - 36] » 212.

وقال الله تعالى مبينًا أن الجنة ينالها الصابرون جزاء صبرهم: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12] .

وقال قتادة: «وجزاهم بما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته ومحارمه، جنةً وحريرًا» 213.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقوله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَولهم وبوأهم {جَنَّةً وَحَرِيرًا} أي: منزلًا رحبًا، وعيشًا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا، وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدارَاني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} فلما بلغ القارئ إلى قوله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا» 214.

وقال البغوي رحمه الله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} على طاعة الله واجتناب معصيته، وقال الضحاك: تاب على الفقر، وقال عطاء: على الجوع، {جَنَّةً وَحَرِيرًا} قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير» 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت