وفي تذييل الآية الكريمة بعدم حب الله تعالى للخائنين لطائف بديعة، منها أنه تعليل للأمر بالنبذ، وأن الله تعالى لا يحب من كانت الخيانة طبعه، وفيه من طمأنة الرسول ومن سار على منهاجه ما فيه؛ فكون هؤلاء الخائنين محرومين من حب الله لهم، يعني أنهم محرومون من الأمن والهداية، ومحرومون من النصر والغلب، وممنوعون من التمكن، فمن حرم حب الله تعالى حرم كل خير، وتخلّت عنه كل سعادة.
كما تلمح من هذا التذييل والتعليل البديع إشارة من القرآن الكريم للرسول بمناجزة قتال الخائنين، وعدم تركهم، ما دام تيقن من عزمهم على الخيانة، ففي التذييل «تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال؛ لكونها خيانة، فيكون تحذيرًا له صلى الله عليه وسلم منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثًّا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولًا، وعلى قتالهم ثانيًا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم» 74.
وفي ذلك بيان صريح لمنهجية التعامل مع الخائنين في المستقبل، فيا ليت قومي يعلمون، يقول أبو حيان: «الظاهر أن هذا استئناف كلام، أخبره الله تعالى بما يصنع في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى سالف الدهر» 75.
بل جعلها صاحب المنار قاعدة، من (القواعد الحربية العسكرية والسياسية) التي اشتملت عليها سورة الأنفال، فقال في (القاعدة التاسعة) : «وجوب معاملة ناقضي العهد بالشدة التي يكونون بها عبرة ونكالًا لغيرهم، تمنعهم من الجرأة والإقدام على مثل خيانتهم بنقضهم، ومنه يظهر الفرق بين تعاليم الإسلام الجامعة بين الحزم والعدل، والشدة والفضل، وبين ما عليه دول المدنية الإفرنجية من القسوة والظلم» 76.
إننا أمام نظرية قرآنية جامعة ومنهجية متكاملة في التعامل مع الخائنين، سواء كانوا أفرادًا أم دولًا، وسواء كانت الخيانة مادية أم معنوية، إذا أخذ المسلمون بتلك المنهجية في تعاملهم مع هؤلاء الخائنين، كفّوا شرهم، ومنعوا أذاهم، ووأدوا فتنتهم في جحرها، ودفنوها في مهدها، ولا يتنافى هذا مع السماحة والندى، فلكل حلة لبوسها، ولكل عقوبة جزاؤها، وقديمًا كان العرب بفطرتهم الصحيحة يتفهّمون هذا المعنى، ويدركون قيمة القوة في مكانها، والمسامحة في بابها، قال أبو تمام 77:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا
فليقس أحيانًا على من يرحم
لله عز وجل في الخائنين سنن ثابتة لا تتحوّل ولا تتبدّل، نصّت عليها آيات القرآن الكريم، ويمكننا أن نتناول تلك العاقبة في النقاط الآتية:
أولًا: حرمان الهداية إلى الحق:
ومن عقوبات الله تعالى للخائنين: أنه تعالى يحرمهم الهداية إلى الحق، والوصول إلى الصراط المستقيم، فهداية الله نوعان:
-هداية دلالة وإرشاد.
-وهداية معونة وتوفيق.
فالله تعالى يهدي عباده إلى طريقه المستقيم، ويعينهم على تلك الهداية، أما الناكثون عن طريق الحق، الرافضون لمنهاج الصدق فالله تعالى يكلهم إلى أنفسهم، ويخليهم إلى قدرتهم، وفي ذلك يقول تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] .
ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] .
والآيات الكريمة في ذلك كثيرة.
وقد نصّت آيات بعينها على حرمان الخائنين من هداية الله، كقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] .
والمعنى: «لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد مبالغة» 78.
«أي: لا يصلح» 79، أو: «وأن الله لا يوفّق أهل الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم» 80، أو أنه تعالى «لا يهدي الخائنين بكيدهم» 81.
قال السدي: «يعني لا يصلح عمل الزناة» 82.
ومن بدائع القرآن الكريم ومنهاجيته في البيان عن تلك القضية أنه أوردها بصورة قاعدية سننية، تمضي على الجميع، وتعم كل الخائنين، وهذا ما نلمحه من تذييل الآية الكريمة: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] .
فهي واردة في حادثة معينة، ومع ذلك وردت في صورة عامة بتلك الصورة البنائية البيانية المعبّرة.
ومن لطائف الكتاب العزيز هنا أنه عبّر عن الزنا بالخيانة؛ ذلك أن هذا الفعل في حق الزوج خيانة، ولعل السر في التعبير بهذه الصيغة التنزه عن ذكر اللفظ في هذا المقام، وإن كان قد ورد في موطن آخر، والتنبيه على استبشاعه؛ حيث جرمه يلحق أكثر من طرف: الزوج، والولي، وكل من يهمه أمرها، بل المجتمع بأسره.
كما عبّر عن تيسير الوصول بالهداية، وعبّر عن تركه بتركها؛ مبالغة في بيان تلك العقوبة التي تلحق الخائنين، وتعمهم؛ «لئلا يتوهّم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها، فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق، فأطلقت الهداية التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول، وأطلق نفيها على نفي ذلك التيسير، أي أن سنة الله في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع 83. كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] .
«أي: أنها أقرّت بأنه سبحانه وتعالى لا ينفذ كيد الخائنين، ولا يوصّله إلى غايته» 84.
وفي هذا التذييل البديع طمأنة لقلوب من وقعت عليهم الخيانة، وتسرية عن نفوسهم؛ حيث إن الله تعالى وعدهم أنه لا يهدي كيد من خانهم، ولا يوليهم إلى غايتهم التي خانوا من أجلها، كما أن «فيه إشارة إلى أن الله تعالى يوصل عباده الصادقين بعد الغم إلى السرور ويخرجهم من الظلمات إلى النور» 85.
«لا يرشد من خان أمانته، ويفضحه في عاقبته» 86.
والنص على إبطال كيد الخائنين ينبّه على أن غير الخائنين يهديهم الله تعالى، ويصلح أعمالهم؛ لأنه تعالى «خص الخائنين تنبيهًا أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه وقوله: {لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] أي: لأريدن بها سوءًا» 87.
ومن أبرز الدلائل على عدم هداية الله للخائنين، وأنه لا ينعم عليهم بأن يكونوا في سبيله الحق، أو على طريقه المستقيم، أنه يحرمهم من اتباعه، ويخلي بينهم وبينه، ولو كانت مصادر الهداية أقرب ما تكون منهم، أو كانت بواكير الوحي بين أيديهم، وفي بيوتهم، وأقرب مثال لذلك بيوت كانت بيوت النبوة، وأشخاص عاصروها، وعاشروها في حياتهم، ونزل الوحي في مساكنهم، ومع ذلك لم يتنسّموا عبيره، ولم يجدوا ريحه، وليس مثال امرأة نبي الله نوح وامرأة نبي الله لوط اللتين قال الله عنهما: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10] عنا ببعيد.
أي: «كانتا في عصمة نبيين عظيمين، متمكّنين من تحصيل خير الدنيا والآخرة، وحيازة سعادتهما، {فَخَانَتَاهُمَا} بإفشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئًا من الإغناء من عذاب الله تعالى، {وَقِيلَ} لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: {ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} أي: مع سائر الداخلين من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء.
قال القشيري: لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القرابة يوم العقوبة.
قال ابن عطية: وقول من قال: إن في المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد، قلت: لا بعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهن المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفًا وقربًا من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سره، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه، وكل من نصحك فقد أحبك، وكل من أهملك فقد مقتك» 88.
وليس هذا المثل خاصًّا بمن ضرب لهم، كعادة القرآن في منهجياته، بل عادة ضرب الأمثال في اللغة، فكل من خان وتنكب الطريق عقوبته الحرمان والتيه وعدم الدلالة وفقدان الهداية.
ففي «ضرب هذا المثل دليل على أن القرب من الأنبياء والصالحين، لا يفيد شيئًا مع العمل السيء» 89.
فهم مع قربهما من مصدر الوحي، وصلتهما بمنبع الرسالة لم يغنيا عنهما من الله شيئًا؛ «تنبيهًا بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة دون الوسيلة» 90، ودخلتا النار «مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام» 91.
وفي ذلك بيان واضح لمن أراد أن يذّكر، وعبرة لمن أراد أن يعتبر، وورود هذا المثل بعد أن ذكر في صدر السورة ما يتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنهن لا ينفعهن قربهن من النبي دون عملهن وطاعتهن، «وكذلك كفار مكة وإن كانوا أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفعهم صلاح النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أزواجه إذا خالفنه» 92.
وفي ذكر المثل في الآية الكريمة دليل على عموم القاعدة، وسننية القضية، وأنه ينسحب حكمها على كل من جمع صفاتها.
يقول الخازن: «وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين والصالحات من النساء، وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره، ولا يضر المطيع معصية غيره، وإن كانت القرابة متصلة بينهم، وأن القريب كالأجانب بل أبعد، وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبيًّا» 93.
وهذه لمحة من لمحات العدالة المطلقة في شريعة الإسلام فلا قرب ولا بعد إلا بالعمل، ولا نسب ولا شرف إلا برضا الله تعالى، كما أنها سمة من سمات التأهل للشهود الحضاري، وريادة البشرية على منهاج عدل، «فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلًا بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين لوط ونوح وامرأتيهما، فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئًا {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} » 94.
وتلك «سنة الله فيمن توغل في الظلم والشر والفساد أنه يحرم التوبة فلا يموت إلا كافرًا» 95.
ثانيًا: حرمان محبة الله عز وجل:
ومن أقسى عقوبات الله تعالى للخائنين: أنه يحرمهم محبته، ويمنعهم مودته، تلك المحبة التي هي سبب كل خير، وعدمها سبب كل بلاء وضر.
ومحبة الله معناها: «مراعاته لهم» 96، أو هي: «حالة لا يعبر عنها مقالة» 97.
وقال صاحب البصائر: «ولا يحدّ المحبّة بحدّ أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها. ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة، وإنّما يتكلّم النّاس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها» 98.
وقد نصّت آيات القرآن الكريم على تلك العقوبة، فقد أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع من يخاف خيانتهم أن ينبذ إليهم عهدهم على بيان ووضوح؛ ذلك أن الله تعالى لا يحب الخائنين، فقال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] .
وقال في بيان سبب من أسباب مدافعته عن المؤمنين: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .
وقال في سبب نهيه عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107] .
أي: «لا يرضى فعلهم، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال» 99.
فالله لا يحبهم؛ «لأنهم متصفون بالخيانة، فلا تستمر على عهدهم فتكون معاهدًا لمن لا يحبهم الله؛ ولأن الله لا يحب أن تكون أنت من الخائنين» 100.
وموقع التذييل هذا من الآية ووروده عقب هذا الأمر بمناجزتهم والمنابذة إليهم على سواء مشعر بعلّية عدم حب الله للخائنين، ويحتمل أن تكون تلك الجملة الكريمة تعليلًا معنويًّا للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة سيقت لذم من خان رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقض عهده 101.
ومن روائع المنهاج القرآني أنه أورد صيغة عدم الحب خالية عن تحديدها حتى تكون عامة شاملة، سواء كانت تلك الخيانة في حق المؤمنين أو في حق الكافرين، أي: «حتى ولو في حق الكافرين، لا يحبها أيضًا» 102.
وفي ذلك من خصائص السننية من الاطراد والعموم والشمول ما فيه.
كما أن في ذلك من دلالات تهيئة الأمة للشهود الحضاري ما لا يخفى؛ فالإسلام -والقرآن دستوره- ينهى عن الخيانة ولا يحب أصحابها، ولو كانت في حق الكافرين، ويؤمر نبيه بأن ينبذ إليهم على سواء، ولا يباغتهم قبل أن يعرفوا نقض عهدهم، وعلى سواء بما تحمله تلك الكلمة من بيان، أي: على وضوح وجلاء، أو بحيث يصل الخبر إليهم ويستوون في معرفته.
«وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه، وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه» 103.
وعاش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تلك القيم عيشة حقيقية واقعية لفتت أنظار العدو قبل الصديق، إلى ربانية هذا الدين، ومثله العليا التي لا تقوم أخلاقه على نسبية تختلف من شخص إلى آخر ولا من جنس إلى جنس، ولا من دين إلى دين، بل الكل أمام القيمة سواء.
فقد «روي أنّ معاوية كان بينه وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدرًا، فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء) 104 فرجع معاوية» 105.
ويؤكد هذا الفهم أن القرآن الكريم قال في موطن آخر: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] .
«تلاحظ أن الآية لم تقل: بين المؤمنين، ولكن قالت: {بَيْنَ النَّاسِ} حتى لا تكون هناك تفرقة في العدل بين مؤمن وغير مؤمن، فغير المؤمن مخلوق لله، استدعاه الله إلى هذا الوجود، وسبحانه قد أعد له مكانه في هذا العالم؛ لذلك لابد أن تراعي العدل معه في كل الأمور ولا تظلمه بل تعطيه حقه؛ لأنك بذلك تكون أنت مددًا من إمدادات الله. وقد كان هذا السلوك العادل الذي أمر به الله سببًا في دخول عدد كبير في الإسلام» 106.
كما تلمح شدة بيان القرآن عن حرمانهم محبة الله تعالى من تركيب الجملة وسياقها، وقد أكد نفي محبة الله تعالى للخيانة «بالجملة الاسمية، وبـ (إن) ، ونفي المحبة أبلغ في النهي؛ لأن محبة الله مطلوبة، فإذا كانت الخيانة لا تؤدي إليها فهي منهي عنها نهيًا شديدًا مؤكدًا» 107.
كما تلمح بلاغة الآية وعمق دلالتها عن دفاع الله عن المؤمنين وعدم حبه للخائنين من ترتب الجملة الاستئنافية المبدوءة بإن كأنها تعليل لما سبق في صدر الآية، كما قال صاحب التحرير والتنوير: و «تعليل الدفاع بكونه عن الذين آمنوا، بأن الله لا يجب الكافرين الخائنين، فلذلك يدفع عن المؤمنين لرد أذى الكافرين، ففي هذا إيذان بمفعول {يُدَافِعُ} المحذوف، أي: يدافع الكافرين الخائنين» 108.
وتلمح بلاغتها أيضًا في حذف مفعول {يُدَافِعُ} في صدر الآية «فلم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين، فلذلك قال بعده: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} ؛ فنبّه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار» 109.
وهي بشرى واضحة للمؤمنين الذين ابتلوا بالخيانة ممن ائتمنوهم، ووثقوا فيهم، بأن الله سيحفظهم وسينصرهم على هؤلاء الخائنين؛ فتلك سنة الله تعالى التي لا تتخلّف ولا تتبدل.
وبتلك المناهج التي يربي الإسلام عليها أتباعه يعلي قيمة البشرية، ويرسّخ معنى الحضارة الحقة التي تمسك بمقود العالم، فلا يظلم فيه فقير لحساب غني، ولا يهان فيه ضعيف إرضاء لقوي؛ لأن صاحب المنهاج هو رب البشرية، وسيد العالمين، الإله الحق الذي خلقه كلهم عنده سواء، وفضله عليهم كلهم سواء.
«إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع؛ ويريد للبشرية أن تعف؛ لا يبيح الغدر في سبيل الغلب؛ وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد؛ ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.
إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود؛ ومن ثمّ لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ؛ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة .. وليس مسلمًا من يبرّر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية؛ لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات.
إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل؛ فإن الشط الممرع لابد أن تلوّثه الأقدام الملوثة في النهاية. من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة، وفي مقابل هذه النصاعة وهذه النظافة يعد الله المسلمين النصر، ويهون عليهم أمر الكفار والكفر!» 110.
والمبالغة في لفظة {خَوَّانٍ} ليست على بابها، فليس المراد نفي المحبة عن الخوان فتثبت للخائن، بل المراد أن المشركين خوانون، أو «لأن خيانة أمانة الله تعالى وكفران نعمته لا يكونان حقيرين، بل هما أمران عظيمان، أو لكثرة ما خانوا فيه من الأمانات، وما كفروا به من النعم، أو للمبالغة في نفي المحبة على اعتبار النفي أولًا، وإيراد معنى المبالغة ثانيًا» 111.
وقد تكون صيغة المبالغة للنسب، فشملت ما لا مبالغة فيه، أو مراعاة الحال من الآية في شأنه.
ومما يؤيد نصرة الله تعالى لمن وقعت في حقه الخيانة، وينصره على الخائنين، الإذن بالقتال بعد نفي المحبة عن كل خوان كفور، وتلك سنة الله في الخيانة، لا تتبدل ولا تتغير، «وما دام هناك الخوّان والكفور فلابدّ للسماء أن تؤيّد رسولها، وأن تنصره في هذه المعركة أولًا، بأن تأذن له في القتال، ثم تأمره بأخذ العدة والأسباب المؤدية للنصر، فإن عزّت المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من عندي» 112.
وفي هذه الآية إشارة لطيفة بترك المدفوع عن المؤمنين عامًّا مطلقًا، وجعل سياقها يشير إلى الخيانة، وذلك بشارة عظيمة للمؤمنين الذين يتعرضون للخيانة، بأنه عز وجل متكفل بالدفاع عنهم.
إن لطف الله بعباده دائم، شامل، سواء عن طريق محبتهم وتأييدهم، أو عن طريق رصده لأعدائهم، فهو تعالى متكفل بالدفاع عنهم، ونصرتهم على أعدائهم، وتلك سنة الله الماضية، وناموسه الباقي، ما بقيت على الأرض حياة وأحياء.
ثالثًا: إبطال كيدهم:
ومن عقوبات القرآن الكريم للخائنين أن الله تعالى يبطل كيدهم، ويفلّ حدهم، ولا ينيلهم مبتغاهم، حتى وإن بدا للناظر المتعجل أنهم وصلوا إلى غايتهم، وظفروا بمنيتهم، ونالوا ما يصبون إليه، فمقاييس الحق غير مقاييس الباطل، وغايته غير غايته، وقد ومضت سنة الله تعالى بذلك، كما نصت الآيات الكريمة عليه.
لقد عبّر القرآن الكريم غب كيد امرأة العزيز على لسانها عن ذلك فقالت: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] .
ومعنى عدم هداية كيدهم يبيّن سننية القرآن الكريم في إبطال كيدهم، فعدم هداية كيدهم يعني: أنه «لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد؛ مبالغةً» 113.
وأتت الآية الكريمة مبينة استغراق الأمر لجميع الخائنين بـ (ال) التي تفيد الاستغراق، إضافة إلى ورودها بصيغة الجمع؛ «لئلا يتوهّم أن الحديث عن خائن معين .. فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق» 114.
فكل خائن بهذه الصورة لا يصل إلى مبتغاه، ويبطل الله كيده، وتلك سنة الله الماضية، وقانونه الدائم في الخلق.