فهرس الكتاب

الصفحة 855 من 2431

{فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) } [يوسف:63 - 68] 107.

فهذا من أهم ما فعله يوسف مع إخوته دون تجريح، أو شفاء غليل، أو معاملة بالمثل، بل أحسن استقبالهم وجهز متاعهم، ورتب للقاء أخيه الأصغر بكل هدوء وطمأنينة، فهو يعلم أن الله معه وسيوفقه، فعاملهم بما يرضي الله لينال من الله ما يرضيه.

دخولهم على يوسف مع شقيقه:

عندما طلبوا من أبيهم اصطحاب أخيهم للذهاب معهم إلى مصر من أجل الميرة؛ {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) } [يوسف:64] .

وبعد عهود ومواثيق قبل أبوهم ذلك، وأوصاهم بوصايا تعينهم في السفر.

{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) } [يوسف:69] .

يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والإلطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس، أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرمًا معظمًا 108.

احتواؤه لشقيقه والاجتهاد في إصلاح حال والده:

{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) } [يوسف:70] وهي خطة منه عليه السلام ليحتوي أخاه بين يديه لأمر قادم.

عن ابن عباس: تعرف إليه أنه أخوه، وهو الظاهر، وهو قول ابن إسحاق وغيره، أعلمه أنه أخوه حقيقة واستكتمه، وقال له: لا تبالي بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم 109.

ويقال: لئن نسب يوسف أخاه للسرقة فقد تعرف إليه بقوله: إني أنا أخوك-سرًا-، فكان متحملًا لأعباء الملامة في ظاهره، محمولًا بوجدان الكرامة في سره 110.

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) } [يوسف:76] .

أي: ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف على السارق، لإيصال يوسف إلى أربه، رحمة منه وفضلًا، وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته 111.

{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) } [يوسف:77] .

وبهذه الطريقة المحكمة استطاع يوسف احتواء أخيه، وأمرهم كبيرهم أن يعودوا لأبيهم ويخبروه بما حصل وقال عن نفسه {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف:80] .

فازداد حزن يعقوب وذكره هذا الحدث بفقدان يوسف من قبل، وكل هذا بسوء التعامل بين الأخوة، و اتباع الشيطان، والكيد بمن آتاه الله من فضله.

فقال: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف:87] .

يوسف يحزن لحال إخوته فيسعفهم:

ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة، وقد أضرت بهم المجاعة، ونفدت منهم النقود، وجاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية لديهم يشترون بها الزاد، يدخلون وفي حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من قبل، وشكوى من المجاعة تدل على ما فعلت بهم الأيام:

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) } [يوسف:88] .

وعند ما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى في نفس يوسف قدرة على المضي في تمثيل دور العزيز، والتخفي عنهم بحقيقة شخصيته، فقد انتهت الدروس، وحان وقت المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على بال، فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة إليهم، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي يعرفونه وحدهم، ولم يطلع عليه أحد إلا الله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف:89 - 90] .

مفاجأة! مفاجأة عجيبة، يعلنها لهم يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه بيوسف وأخيه في دفعة الجهالة، ولا يزيد سوى أن يذكر منة الله عليه وعلى أخيه، معللًا هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل الله في الجزاء.

اعتراف الأخوة بالخطأ على أخيهم والتوبة من ذلك:

أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم صورة ما فعلوا بيوسف، ويجللهم الخزي والخجل وهم يواجهونه محسنًا إليهم وقد أساؤوا، حليمًا بهم وقد جهلوا، كريمًا معهم وقد وقفوا منه موقفًا غير كريم: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) } [يوسف:91] .

اعتراف بالخطيئة، وإقرار بالذنب، وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان، يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل، شيمة الرجل الكريم، وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة.

{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) } [يوسف:92] .

لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم، فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور، والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين 112.

فالعزيز الحق عزيز بحق، وليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، بل العفو عند المقدرة.

فلما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق-بسبب ما وقعوا فيه من الظلم لأخيهم أولًا ومعصية والدهم لحقدهم عليه- وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم 113.

ومهما يكن من غي وسفه، فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والرجوع إلى الرشد فلاح.

قبول الأخ لاعتذار إخوته وإكرامهم أينما كانوا:

{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف:91] أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكنك مما تريد {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:91] .

وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف 114.

فقال لهم: لا تعيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو 115، وهذه نعمة تحمد، وخلة تدوم، وصفة تلازم، فكانت هذه تيجان خلق مضافة إلى تيجان الملك.

قال الله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } [يوسف:99 - 100] .

فلم يقل: «نزغ الشيطان إخوتي» بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة.

{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، {الْحَكِيمُ} في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها 116.

إخوة يقتدى بهم في الإصلاح وحسن العفو:

فلله ما أعظم الحسد في إفساده وداد الإخوان، وما أقبح الولوج في طاعة الشيطان، فمن حرم غيره حقه حرمه الله كذلك، ومن استغنى عن أخيه فقد يحتاج إليه في أصعب اللحظات، ومن قدر على الظفر من إخوانه بعد ظلمهم له فليحسن القضاء، والعظيم يبقى في محله إن لم يزدد رفعة وسموًا، أعطاهم حين منعوه، ووصلهم حين قطعوه، وعفا عنهم بعد إذ ظلموه، وتلك جماع الأخلاق.

جمعها يوسف عليه السلام في أحسن قصص، وجعلها رايات للسائرين، ومنارات للعارفين، ومقامات تنفع العامل بها إلى يوم الدين.

وقد اعترف إخوة يوسف بتعمد خطئهم، فكان دليلًا على صدق التغيير للأفضل.

فقالوا لأخيهم يوسف عليه السلام: إنا كنا-بلا استثناء- أي: والحال أن شأننا أنا كنا مذنبين بما فعلنا معك، وآثمين في أمرك، والخاطئ: الذي يتعمد الخطيئة 117، وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف 118.

وصار هذا منهجًا عمليًا في تطبيق الصحابة رضي الله عنهم، فهم خير سلف لخير خلف.

فعن المعرور بن سويد، قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية» ، قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه، قال: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» 119.

موسى عليه السلام: وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام 120.

وفي بداية عمره وزمان ولادته، علا فرعون في الأرض وطغى على بني إسرائيل «يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين» .

وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه.

وذلك - والله أعلم - حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها 121.

ولما وضعته أمه؛ قال الله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .

دور أخته الكبرى في حياته:

عن ابن عباس {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص:11] .

أي: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرًا، أحي ابني أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، وقوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص:11] يقول تعالى ذكره: فقصت أخت موسى أثره، فبصرت به عن جنب: يقول فبصرت بموسى عن بعد لم تدن منه ولم تقرب، لئلا يعلم أنها منه بسبيل 122، قال الله:

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) } [القصص:12 - 13] .

فكانت أعظم أخت سعت لرد الوليد لوالدته، وأحسنت لأخيها وهو طفل رضيع، فالأخوة باب واسع، للولوج إلى بيت جميل.

بركة موسى على أخيه هارون:

حين كبر موسى عليه السلام، وفر من بلده بعد قتل القبطي، ووصل مدين وتزوج منها، ثم عاد لأرضه أوحى الله إليه أن يدعو فرعون وقومه إلى توحيد الله.

فخاف مما مضى عليه السلام وقال لله: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) } [القصص:34] أي: معينًا لي.

وهارون اسمٌ أعجميٌ غير منصرف، وقيل: معرب أرون، والأرن: النشاط، سمي به لنشاطه بالطاعة، ثم قيل: هارون.

وقد سماه الله تعالى في التنزيل بعشرة أسماء تصريحًا وتعريضًا:

1.وزيرٌ: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) [طه:29] .

2.أخٌ: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي) [الأعراف:151] .

3.رسولٌ: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) [طه:47] .

4.مرسلٌ: (فَأَرْسِلْ إِلَى? هَارُونَ) [الشعراء:13] .

5.نبىٌ: (أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) [مريم:53] .

6.ردءٌ: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) [القصص:34] .

7.أفصح: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) [القصص:34] .

8.مصدقٌ: (يُصَدِّقُنِ) [القصص:34] .

9.خليفةٌ: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِ) [الأعراف:142] .

10.هارون: اسمه.

وقد ذكره الله تعالى بهذا الاسم في مواضع من التنزيل:

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء:48] . {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) } [الأعراف:122] ، [الشعراء:48] .

وقوله تعالى: {لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف:142] .

وقوله تعالى: {هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص:34] .

وقوله تعالى: {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13] .

وقوله تعالى: {أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم:53] .

وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان:35] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍ رضي الله عنه: (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى) 123.

فكان مدح موسى لأخيه هارون بشيء صحيح يعلمه منه واقعًا، ولم يزد ثناءً عليه.

فطلب أن يعينه الله بمعين من أهله، هارون أخيه، فهو يعلم عنه فصاحة اللسان وثبات الجنان وهدوء الأعصاب، وكان موسى عليه السلام قويًا؛ فطلب إلى ربه أن يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه 124.

واستجاب الله له فقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم:53] ليشد أزره في أداء الرسالة 125، أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًا، كما قال في الآية الأخرى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) } [القصص:34] .

وقال: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (36) } [طه:36]

وقال: {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) } [الشعراء:13 - 14] .

ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا 126.

وفي هذه الشفاعة بيان الحرص العظيم من الأخ لأخيه في حب الخير له.

وجعله الله منة من مننه عليه فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) } [الفرقان:35] .

عن قتادة: عونًا وعضدًا 127، يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة؛ لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه 128.

هارون عليه السلام وزيرًا لأخيه موسى عليه السلام:

صار خطاب القرآن الكريم يتوجه بالأمر للأخوين عليهما السلام، وذلك بعد إشراك الله لهارون في الرسالة ليكون عضدًا لأخيه، فقال الله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) } [يونس:87] .

فالله تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام 129، والمراد أنهم يجعلون بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سرًا لئلا يصيبهم من الكفار معرة بسبب الصلاة، ومما يؤيد هذا قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس:87] .

أي: التي أمركم الله بإقامتها فإنه يفيد أن القبلة هي: قبلة الصلاة إما في المساجد، أو في البيوت لا جعل البيوت متقابلة، وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس:87] .

ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك، فقال: وبشر المؤمنين؛ لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعله عامًا في استقبال القبلة، وإقامة الصلاة؛ لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصًا بموسى؛ لأنه الأصل في الرسالة وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيمًا للبشارة وللمبشر 130.

وهذا من أحسن النظم وأبدعه، فإنه ثنى أولًا: إذ كان موسى وهارون هما الرسولين المطاعين، ويجب على بني إسرائيل طاعة كل واحد منهما سواء، وإذا تبوءا البيوت لقومهما فهم تبع لهما، ثم جمع الضمير فقال: وأقيموا الصلاة؛ لأن إقامتها فرض على الجميع، ثم وحده في قوله: وبشر المؤمنين أن موسى هو الأصل في الرسالة وأخوه ردءًا ووزيرًا، وكما أرسلا برسالة واحدة كانا رسولًا واحدًا كقوله تعالى: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزخرف:46] .

فهذا الرسول هو الذي قيل له: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس:87] 131.

ولقد ذكر الله موسى بالقوة وكان يأخذه الغضب، إلا أن ذلك لا يمنع من معرفة حقوق الأخ لأخيه حتى يكون الأخ مع أخيه نفسًا واحدة كما تقدم.

خلافة هارون أخاه موسى حين ذهب للقاء ربه عز وجل:

قال الله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) } [الأعراف:142] .

أي: كن خليفتي فيهم، قال موسى هذا لما أراد المضي إلى المناجاة -فقال لهارون- وأصلح أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم والرفق بهم وتفقد أحوالهم ولا تتبع سبيل المفسدين، أي: لا تسلك سبيل العاصين ولا تكن عونًا للظالمين 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت