وهذا مع اعتماد موسى على أخيه؛ لكن لا بد من التوجيه لأخيه وإرشاده للسياسة الحسنة، والتحذير من طرق سبيل المفسدين، لكنهم خالفوا موسى وهارون، والخلاف شر كما يقال، وقد يكون سببًا في نزاع الأخوة.
التفاهم عند وجود الخطأ والتثبت بين الأخوة:
{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) } [الأعراف:150] .
«أخذ برأس أخيه يجره إليه» ، فإن ذلك كان من فعل نبي عليه السلام، لموجدته على أخيه هارون في تركه أتباعه، وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قول موسى عليه السلام له: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) } [طه:92 - 93] ؟
وحين أخبره هارون بعذره فقبل عذره، وذلك قوله لموسى: {يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) } [طه:94] .
وقال: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ} [الأعراف:150] 133.
ونسبه إلى الأم -في سورة طه- مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور؛ استعطافًا له وترقيقًا لقلبه 134، فذكر له هارون أمورًا تبين أنه اجتهد في إصلاحهم، فلما خالفوه لم يستطع عليهم، لكنه لم يرض بما فعلوه ولم يقرهم على مخالفاتهم لأنبيائهم.
فلما تحقق موسى عليه السلام براءة ساحة هارون عليه السلام كما قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) } [طه:90] فعند ذلك {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) } [الأعراف:151] .
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح؛ فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح) 135.
فلا بد لمن ظن فيه الخطأ أن يبين لأخيه ما يجب أن يزول عنه، وأن يكون العذر صحيحًا، مع مراعاة حال أخيه خاصة في غيرته لله، والأخ الناصح ينظر في عذر أخيه ويتأمله ليقبله، ولقد قبل موسى عليه السلام عذر أخيه مباشرة لعلمه بصدقه في ذلك.
لذا قال هارون: {يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) } [طه:94] .
فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم فلو تبعتك لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و {أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} حيث تركتهم وليس عندهم راع ولا خليفة؛ فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني مع القوم الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء فندم موسى على ما صنع بأخيه وهو غير مستحق لذلك {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) } [الأعراف:151] 136.
فكان موسى عليه السلام فاتحة خير لأخيه هارون، فصارا أخوين في النسب والدين والرسالة، وقد امتن الله عليهما بذلك، وجعلهما قدوة لمن بعدهما، وخلد ذكرهما في العالمين، فكانت هذه الأخوة الحميمة والخصال العظيمة أرقى شيء بقي لنا {مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة:248] .
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، البنوة، الصحبة، العلاقات الاجتماعية، الوحدة
1 انظر: الصحاح، الجوهري 8/ 141.
2 الكليات، الكفوي ص 63.
3 نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين 2/ 92.
4 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص 1433.
5 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 84، 85.
6 المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد بن علي المقري 1/ 96.
7 فتح الباري، العسقلاني 10/ 154.
8 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 3/ 32.
9 الكشاف، الزمخشري 1/ 301.
10 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد، رقم 466، 1/ 162.
11 إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ص 651.
12 المفردات، الراغب الأصفهاني 1/ 480.
13 الفروق اللغوية، العسكري 1/ 121.
14 روائع البيان، الصابوني 2/ 217.
15 روح المعاني، الألوسي 17/ 557.
16 تسهيل العقيدة الإسلامية، عبد الله الجبرين ص 10.
17 انظر: في ظلال القرآن 6/ 3527 وهذا النقل، وإن طال، مهم في هذا الباب لحسن صياغته وجمعه وحلاوة تعبيره.
18 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 1004.
19 لطائف الإشارات، القشيري 3/ 562.
20 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 22.
21 العذب النمير، الشنقيطي 3/ 264.
22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 1755.
23 انظر: جامع البيان، الطبري 6/ 328.
24 محاسن التأويل، القاسمي 5/ 370.
25 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 447.
26 أحكام القرآن، الجصاص 4/ 274.
27 جامع البيان، الطبري 6/ 157.
28 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 498.
29 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 379.
30 جامع البيان، الطبري 3/ 490.
31 محاسن التأويل، القاسمي 9/ 82.
32 فتح القدير، الشوكاني 5/ 271.
33 الكشاف، الزمخشري 4/ 82.
34 المصدر السابق، 4/ 187.
35 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 1993.
36 لمسات بيانية، السامرائي 1/ 692.
37 أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 911.
38 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 186.
39 جامع البيان، الطبري 3/ 662.
40 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 301.
41 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 579.
42 في ظلال القرآن، سيد قطب 2/ 350.
43 الحيوان، الجاحظ 3/ 496.
44 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/ 74.
45 أحكام القرآن، ابن العربي 1/ 487.
46 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، رقم 2645، 2/ 798.
47 مفاتيح الغيب، الرازي 10/ 25.
48 التفسير المنير، الزحيلي 4/ 312.
49 بدائع الصنائع، الكاساني 4/ 2.
50 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان في الصغر، رقم 1152، 3/ 458.
51 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 261.
52 أحكام القرآن، الجصاص 3/ 67.
53 العقد الفريد، ابن عبدربه 3/ 18.
54 التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/ 178.
55 الكشاف، الزمخشري 2/ 68، محاسن التأويل، القاسمي 5/ 114.
56 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 236.
57 المفردات، الراغب الأصفهاني 1/ 68.
58 العشيرة: الجماعة أو القبيلة.
وقيل: الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده.
انظر: فتح الباري، ابن حجر 10/ 454.
59 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 1363.
60 فتح القدير، الشوكاني 4/ 158.
61 انظر: الدراري المضيئة، الشوكاني 2/ 429.
62 جامع البيان، الطبري 3/ 628.
63 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 417.
64 انظر: المحلى، ابن حزم 8/ 285.
65 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 180.
66 محاسن التأويل، القاسمي 3/ 66.
67 روح المعاني، الألوسي 4/ 638.
68 أضواء البيان، الشنقيطي 7/ 105.
69 فتح القدير، الشوكاني 1/ 714.
70 محاسن التأويل، القاسمي 3/ 73.
71 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، رقم 2056، 2/ 377.
72 جامع البيان، الطبري 7/ 84.
73 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 353.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، رقم 4330، 3/ 1306.
74 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 244.
75 جامع البيان، الطبري 11/ 386.
76 المصدر السابق، 11/ 389.
77 محاسن التأويل، القاسمي 8/ 428.
78 التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 243.
79 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 1/ 307.
80 أحكام القرآن، الجصاص 5/ 285.
81 مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 183.
82 أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلح، ذكر السبب الذي من أجله أنزل الله (وأصلحوا ذات بينكم) ، رقم 5093، 11/ 491.
83 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 836.
84 الكشاف، الزمخشري 3/ 323.
85 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم 48، 1/ 40.
86 انظر: فتح الباري، ابن حجر 1/ 214.
87 جامع البيان، الطبري 10/ 257.
88 أضواء البيان، الشنقيطي 7/ 566.
89 في ظلال القرآن، سيد قطب 7/ 155.
90 جامع البيان، الطبري 12/ 26.
91 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 773.
92 محاسن التأويل، القاسمي 7/ 392.
93 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 1306.
94 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663.
95 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 1324.
96 تفسير المراغي 6/ 136.
97 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 673.
98 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 1500.
99 لطائف الإشارات، القشيري 3/ 169.
100 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (أم كنتم شهداء ... ) ، رقم 3374، 2/ 1042.
101 انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير 1/ 350 وقال: «وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم، وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول» .
102 معالم التنزيل، البغوي 3/ 258.
103 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 947.
104 جامع البيان، الطبري 7/ 150.
105 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم، رقم 4910، 5/ 135.
106 أي: يأتون بالطعام، والمائر: هو الذي يأتي بالطعام.
انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 43.
107 انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير 1/ 384.
108 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 960.
109 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 310.
110 لطائف الإشارات، القشيري 2/ 196.
111 محاسن التأويل، القاسمي 6/ 210.
112 بتصرف: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2023.
113 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 963.
114 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 468.
115 جامع البيان، الطبري 7/ 291.
116 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 470.
117 التفسير المنير، الزحيلي 13/ 54.
118 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 468.
119 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، رقم 30، 1/ 15.
120 قصص الأنبياء، ابن كثير 2/ 455.
121 انظر: المصدر السابق 2/ 456.
122 انظر: جامع البيان، الطبري 10/ 37.
123 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 6/ 76.
والحديث أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب علي رضي الله عنه، رقم 3706، 3/ 1142.
124 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2333.
125 محاسن التأويل، القاسمي 7/ 108.
126 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 166.
127 فتح القدير، الشوكاني 4/ 104.
128 أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 124.
129 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 913.
130 فتح القدير، الشوكاني 2/ 653.
131 انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص 309.
132 فتح القدير، الشوكاني 2/ 344.
133 جامع البيان، الطبري 6/ 68.
134 فتح القدير، الشوكاني 3/ 452.
135 أخرجه الحاكم في المستدرك، تفسير سورة طه، رقم 3435، 2/ 412.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولم يتعقبه الذهبي.
136 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 596.