فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 2431

الذل

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ذلل) على الخضوع والاستكانة واللين 1.

والذُل: نقيض العز، يقال: ذَل يَذِل ذُلًا وذِلة وذِلَالة ومَذَلَة، وتذلل له، أي: خضع، والذِل بالكسر: اللين، وهو ضد الصعوبة 2.

وقال الراغب: «الذُل: ما كان عن قهر، والذِل بعد تصعب وشماس 3 من غير قهر، ذلت الدابة بعد شماس ذِلًا، وهي ذلولٌ، أي: ليست بصعبة» 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال ابن عاشور: «الذلة: خضوع في النفس واستكانة من جراء العجز عن الدفع» 5.

من خلال هذا التعريف، يلاحظ أن ابن عاشور اقتصر على تعريف الذل المذموم، وهو المتبادر إلى الذهن.

وقال العسكري: «الذلة: الضعف عن المقاومة، ونقيضها العزة، وهي القوة على الغلبة، ومنه الذلول وهو المقود من غير صعوبة؛ لأنه ينقاد انقياد الضعيف عن المقاومة، وأما الذليل فإنه ينقاد على مشقة» 6.

وردت مادة (ذلل) في القرآن الكريم (24) مرة، يخص موضوع البحث منها (18) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 2 ... {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) } [طه:134]

المصدر ... 10 ... {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء:24]

اسم التفضيل ... 2 ... {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون:8]

الاسم ... 4 ... {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران:123]

وجاءت كلمة الذل في القرآن على وجهين 8:

الأول: القلة، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران:123] ، أي: قليلًا.

الثاني: التواضع، ومنه قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] ، أي: متواضعين على المؤمنين.

الصغار:

الصغار لغة:

الصَغار، بالفتح: الذل والضيم، وكذلك الصغر، بالضم، والمصدر الصغر، بالتحريك، يقال: قم على صغرك وصغرك، الليث: يقال صغر فلانٌ يصغر صغرًا وصغارًا، فهو صاغر، إذا رضي بالضيم وأقر به، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] 9.

الصغار اصطلاحًا:

هو الاعتراف بالذل والإقرار به 10.

الصلة بين الذل والصغار:

الصغار زيادة في الإذلال والهوان 11.

الخزي:

الخزي لغة:

خزي خزيًا ومخزاة: ذل، وأخزاه الله، وهو من أهل المخازي والمخزيات، ورجل خز، وامرأة خزية. وخزوته: قهرته 12، وخزي الرجل لحقه انكسار، إما من نفسه وإما من غيره 13.

وفي لسان العرب: «المخزى في اللغة، المذل المحقور بأمرٍ قد لزمه بحجة، وكذلك أخزيته ألزمته حجةً إذا أذللته بها» 14.

الخزي اصطلاحًا:

جميع الآيات التي ورد فيها مادة (خزي) تدور حول معنى الذل والهوان والفضيحة.

الصلة بين الذل والخزي:

الخزي ذلٌ مع افتضاح، وقيل: هو الانقماع لقبح الفعل، والخزاية الاستحياء؛ لأنه انقماع عن الشيء لما فيه من العيب، قال ابن درستويه: الخزي الإقامة على السوء، خزي يخزى خزيًا، وإذا استحيا من سوء فعله أو فعل به قيل: خزي يخزى خزاية؛ لأنهما في معنى واحد، وليس ذلك بشيء؛ لأن الإقامة على السوء والاستحياء من السوء ليسا بمعنى واحد 15.

الخضوع:

الخضوع لغة:

الانقياد والمطاوعة 16.

جاء في كتاب جمهرة اللغة مادة (خ ض ع) «خضع الرجل، يخضع خضوعًا إذا ذل، وكل ذليل خاضع» 17.

الخضوع اصطلاحًا:

إظهار الانقياد والطاعة لذي سلطان.

الصلة بين الذل والخضوع:

الذل: الانقياد كرهًا، ونقيضه العز، وهو الإباء والامتناع، والانقياد على كره، وفاعله ذليل، والذل والانقياد طوعًا، وفاعله ذلول 18.

أما الخضوع: فهو التطامن، والتطأطؤ، والخاضع المطأطئ رأسه وعنقه 19.

ينقسم الذل إلى نوعين من جهة أنه محمود ومذموم، ولقد ذكر القرآن الكريم كلا القسمين، فمن أشرف أنواع الذل المحمود الذي يكون مع الخالق عز وجل ثم مع الوالدين ثم مع المؤمنين، وفي المقابل الذل المذموم الذي يكون مع ما يعبد من دونه عز وجل، أو مع الحكام المستبدين، أو مع الشيطان.

أولًا: ذل محمود:

من أشرف أنواع الذل المحمود هذا الذي يكون مع الخالق عز وجل، وهذا الذل عنوان العز والشرف والنصر في الدنيا والآخرة.

إن الحكمة من خلق الإنسان هي: عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .

يقول ابن عطية في تفسير هذه الآية: «ما خلقت الإنس والجن إلا معدين ليعبدوني، وكأن الآية تعديد نعمه، أي: خلقت لهم حواسًا وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلًا، فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب وصرف نفسه عن ذلك» 20.

والعبادة هي: إظهار الخضوع والذل للمعبود عز وجل 21.

قال ابن القيم في النونية 22:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

وقال ابن القيم أيضًا: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد، أي: مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًا خاضعًا» 23.

فتحقيق الذل إذًا يكون بتحقيق العبودية لله تعالى وحده.

قال الذهبي: «من خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه» 24.

يحكى عن بعض العارفين، أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه 25.

قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء:24].

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلًا رحمة منك بهما، تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبا» 26.

وقال السعدي: «تواضع لهما ذلًا لهما ورحمة واحتسابًا للأجر؛ لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد» 27.

جاء في الحديث الذي يرويه عبدالله ابن مسعودٍ قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال:(الصلاة على وقتها. قال: ثم أيٌ؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أيٌ؟ قال: الجهاد في سبيل الله) 28.

فقرن الله بر الوالدين بعبادته وحده لا شريك له، وجعله في المنزلة الثانية من أحب الأعمال إليه بعد الصلاة لأكبر دليل على عظم هذا الأمر.

ولا نعمة تصل إلى الإنسان أعظم وأجل من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين، فمن أعظم الحقوق علينا بعد حق الله عز وجل حق الوالدين، وقد ذكر الله عز وجل بهذا الحق في جملة من آياته، وجعله مقرونًا بعبادته.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36] .

وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة:83] .

وذكر الله بر الوالدين مقرونًا بتوحيده، وإخلاص العبادة له، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما إحسانًا تامًا في المعاملة 29.

[انظر التواضع: خفض الجناح للوالدين وللمؤمنين]

وهو بمعنى التراحم والتواضع والعطف، وليس بمعنى التذلل والانكسار على وجه الضعف والخور.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54]

قال الطبري: « {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، أرقاء عليهم، رحماء بهم، ويعني بقوله: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، أشداء عليهم، غلظاء بهم» 30.

وقال ابن كثير: «قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه» 31.

وقال سيد قطب: «قوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} هي الصفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين، فالمؤمن ذلول للمؤمن، غير عصي عليه ولا صعب، هين لين، ميسر مستجيب، سمح ودود وهذه هي الذلة للمؤمنين» 32.

[انظر: التواضع: تواضع مع الخلق]

ثانيًا: ذل مذموم:

ما يعبد من دون الله أشياء كثيرة منها:

-الهوى.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ) [الجاثية:23] .

أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به، فأصبح هواه إله يعبد من دون عز وجل 33.

قال ابن القيم: (لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه) 34.

-الآلهة من دون الله.

قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .

في هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله والتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا، والعجيب أنك تراهم يتذللون لهذه الآلهة حتى تجلب لهم النفع 35.

وقد ذكر الله تعالى هذه الآيات بعد قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] .

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه صلى الله عليه وسلم الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدون من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو ملك جميع ذلك» 36.

لربما لم تعرف البشرية ذلًا أكثر من ذل الناس لفرعون وجنوده آنذاك، لدرجة أن فرعون قال للناس: أنا ربكم الأعلى.

ففرعون يعتبر نفسه الإله والحقيقة المؤكدة في الدين، ولذلك كان قلقًا من رسالة موسى عليه السلام، وتتضح مخاوفه في الآية القرآنية.

قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26] .

فمن مظاهر الذل الذي تعرض له بنو إسرائيل من فرعون يتضح من خلال قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4] .

بعد أن جعل فرعون أهل مملكته شيعًا وأحزابًا، اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم، أي: يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء 37.

يقول سيد قطب: «إنه حين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة، فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلًا واستكانة وخوفًا، فأما حين استعلن الإيمان، في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب وهم مرفوعوا الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج و دون تحرج، و دون اتقاء للتعذيب، فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة، وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح والقلوب» 38.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] .

من أقبح أنواع الذل هذا الذي يكون مع الشيطان، ففي الآية السابقة تجسيد لمشهد من مشاهد غزوة أحد، حيث طاوع بعض المسلمين الشيطان بعد أن وسوس لهم معصية النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان، فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم.

والمراد بالزلة هنا: ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ترتب عليها هزيمتهم 39.

قال الراغب: «استزله إذا تحرى زلته، وقوله تعالى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} أي: استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة في الأصل: استرسال الرجل من غير قصد» 40.

نخلص مما سبق أن أشرف أنواع الذل المحمود هذا الذي يكون مع الخالق عز وجل، فهذا النوع من الذل يترتب عليه أجر وثواب عظيم، بل إن عبادة الذل والافتقار إليه عز وجل من العبادات النادرة، ولذلك قال أحدهم: إنه دخل على الله من عبادة الصيام فوجد خلقًا كثيرًا ودخل على الله من عبادة الصلاة فوجد خلقًا كثيرًا، قال: ثم دخلت عليه من عبادة الذل والافتقار فلم أجد إلا القليل، في المقابل فإن من أخطر أنواع الذل المذموم هو الذل يكون مع الشيطان، فهذا النوع من الذل إن لم يحذر منه الإنسان قطعًا سيورده المهالك.

العقاب بالذل في الدنيا والآخرة من أبشع أنواع العقاب التي تلحق بالمشركين والعصاة من المسلمين، فقد تعددت وتنوعت صور إذلال الله لهم في الدنيا والآخرة، هذا ما سنتعرف عليه من خلال النقاط الآتية:

أولًا: العقاب بالذل في الدنيا:

تنوعت صور إذلال الله تعالى للعصاة في الدنيا، ومن تلك الصور:

1.ضنك الحياة والعيش.

قد يعاقب الله بعض عباده بضنك العيش في الدنيا؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .

أي: فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المال الوفير، والحطام الكثير .. فإن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه 41.

2.الأسر والخوف والرعب.

ومن العصاة من أذلهم الله عز وجل بالرعب والقتل والأسر، وهم العصاة من أهل الكتاب.

قال تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب 26 - 27] .

قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ} أي: الخوف؛ وهو جندي من جنود الله تعالى، وهذا الرعب الذي ألقاه الله عز وجل في قلوب الكافرين هو الذي فرقهم، وأخرجهم من حصونهم المنيعة، ولم يجعل لكثرة عددهم قيمة، فألحق الله بهم الهزيمة والذل على أيدي المؤمنين، قوله: {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ} وهم المقاتلون الذين يحملون السلاح، وقوله {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} وهم النساء والذراري، وغيرهم مما لا يحملون السلاح، وأعطاهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد زوالهم وانهزامهم، ووعدهم الله تعالى بأماكن جديدة، لم يذهبوا إليها إمعانًا في ذل اليهود، وهي خيبر 42.

3.الخسف.

ومما يلحق العصاة من ذلٍ في الدنيا: الخسف.

قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص:81] .

أمر الله تعالى أن تبتلع قارون وداره وأمواله، انتقامًا منه لكفره ونفاقه، وبغيه وكبريائه، فلم تمنع ثروته ولا جاهه ولا أتباعه عذاب الله عنه، لما أراد الله خذلانه بخسف الأرض به وبداره، ومن فيها من أعوانه الظلمة المجرمين، ولا هو استطاع بجهده وقدرته أن يمنع العذاب عن نفسه 43.

ثانيًا: العقاب بالذل في الآخرة:

إن ميزان العدل الإلهي في غاية الوضوح والاعتدال، فأهل النار إنما يعاقبون في الآخرة ويلحق بهم الذل والصغار بسبب فسادهم وإشراكهم بالله وكفرهم بآياته ولقائه واتخاذهم آيات الله هزوًا وسخرية، وقد ذكر الحق عز وجل في غير موضع في كتابه العزيز حال أهل النار من أهل الكفر والعصيان، وما يسومهم من أصناف الذل والهوان، لذا كان من دعاء المؤمنين الصادقين.

قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران:192] .

ومن المواقف التي يتعرض فيها العصاة والكفار للذل في الآخرة:

1.عند قبض أرواحهم.

قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: 50 - 51] .

والمعنى: لو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرًا مخيفًا، وأمرًا فظيعًا تقشعر من هوله الأبدان، ثم فصل الله سبحانه هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال: {الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} والمراد بوجوههم: ما أقبل منهم، وبأدبارهم: ما أدبر وهو كل الظهر، وخص سبحانه الضرب للوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء، ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلًا عن الضرب عليها، أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم 44.

وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد: 27] .

أي: فكيف حالهم، أو فكيف يعملون ويحتالون حينئذ؟ {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} هذا تصوير لتوفيهم، أي: يتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهديد، إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع شديدة 45.

2.عند الخروج من القبر.

قال تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [المعارج:42 - 44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت