أولًا: المعنى اللغوي:
الصلاح لغة: ضد الفساد، يقال: أصلح الشيء بعد فساده، أي: أقامه، وأصلح الدابة، إذا أحسن إليها 1. قال ابن فارس: «صلح» الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد، يقال: صلح الشيء يصلح صلاحًا» 2.
والصلاح والفساد، يختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل الصلاح في القرآن تارة بالفساد، وأخرى بالسوء 3.
وقال ابن سيده: «الصلاح ضد الطلاح، صلح يصلح ويصلح صلاحًا وصلوحًا، فهو صالح وصليح، والجمع صلحاء، وصلوح، والصالح هو: الذي يؤدي إلى الله عز وجل ما افترض عليه، ويؤدي إلى الناس حقوقهم، أي القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد 4، وقيل الصالح: المستقيم الحال في نفسه» 5.
والمصلح هو: المقيم على الإيمان المؤدي فرائضه اعتقادًا وعملًا 6.
ثانيا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر المفسرون عدة تعريفات للصلاح منها ما يأتي:
أولًا: الصلاح عند الإمام أبي جعفر الطبري: لفظ عام يشمل الصلاح في استواء الخلق، والصلاح في الدين، والصلاح في العقل والتدبير 7.
ثانيًا: عرف السمعاني الصلاح بقوله: «الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة» 8.
ثالثًا: عرفه الزمخشري بقوله: «هو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة» 9.
وردت مادة «صلح» في القرآن الكريم (180) مرة، يخص موضوع البحث منها (168) مرة 10.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 2 ... {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} [الرعد:23]
اسم الفاعل ... 136 ... {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت:46]
وجاء الصلاح في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه 11:
الأول: الإيمان: ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} [الرعد:23] يعني: ومن آمن من آبائهم.
الثاني: حسن المنزلة: ومنه قوله تعالى: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف:9] يعني: تحسن منزلتكم عند أبيكم.
الثالث: تسوية الخلق: ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} [الأعراف:189 - 190] يعني: سوي الخلق في صورة الإنس.
الرابع: الطاعة: ومنه قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء:227] يعني: الطاعات التي أطاعوا الله عز وجل.
الإصلاح:
الإصلاح في اللغة:
خلاف الإفساد 12.
الإصلاح اصطلاحًا:
التغيير إلى استقامة الحال 13.
وقيل: هو «إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد» 14.
الصلة بين الصلاح والإصلاح:
أن الصلاح قاصر على الشخص نفسه، والإصلاح متعدي إلى الغير، بحيث يشمل إصلاح العقائد عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد وما بينهما تحت عنوان الإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله واليوم الآخر، وإصلاح العبادات عن طريق إرشاد الخلق إلى ما يزكي النفوس ويغذي الأرواح ويقوم الإرادة ويفيد الفرد والمجموع منها، وإصلاح الأخلاق عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلهم وتنفيرهم من رذائلها في قصد واعتدال وعند حد وسط لا إفراط فيه ولا تفريط 15.
الصلح:
الصلح لغة:
الصلح بالضم هو السلم-بكسر السين وفتحها-من تصالح القوم بينهما، والصلح أيضًا: اسم جماعةٍ متصالحين، يقال: هم لنا صلحٌ: أي مصالحون 16.
الصلح اصطلاحًا:
عبارة عن عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي 17.
الصلة بين الصلاح والصلح:
أن الصلح سبب للصلاح والاستقامة؛ لأن القيام بالصلح بين الناس من أخلاق الصالحين.
الفساد:
الفساد لغة هو:
خروج الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرًا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة 18.
الفساد اصطلاحًا:
كلمة عامة تتناول كل ما هو خلاف الصلاح من المعاصي والهلاك قحط المطر
وقلة النبات القتل السحر وغيرها 19.
الصلة بين الصلاح والفساد:
أن الفساد ضد الصلاح ونقيضه.
الصلاح في القرآن الكريم يأتي على نوعين هما:
أولًا: صلاح الخلق:
وصلاح الخلق على قسمين:
وهو استواء الخلق والعقل كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) } [الأعراف:189 - 190] .
قال أبو جعفر الطبري: « {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} ، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ، واختلف أهل التأويل في معنى الصلاح الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ، فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا، وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًا مثلهما، ولا يكون بهيمة، فقد أشفقا أن لا يكون إنسانًا» .
ثم قال أبو جعفر: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حواء، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين» 20.
وفي هذه الآية اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} هل يعود إلى آدم وحواء، أم يعود إلى غيرهما، على أقوال، والراجح أن الضمير يرجع إلى ذرية بني آدم، ممن جاء بعده جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد 21.
قال الإمام الرازي: «قال الإمام القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد» 22.
ومن الصلاح المادي في القرآن ما ورد في قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:89 - 90] .
{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} جعلناها صالحة للولادة بعد العقار أي: بعد عقرها، أو حسنة وكانت سيئة الخلق 23.
«قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرًا فجعلت ولودًا، وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق. قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا» 24.
وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح 25.
قال الراغب الأصفهاني: «وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحًا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده، وتارة يكون بالحكم له بالصلاح، قال تعالى: {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد:2] .
قال تعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [الأحزاب:71] .
وقال تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} [الأحقاف:15] قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:81] .
أي: المفسد يضاد الله في فعله، فإنه يفسد والله تعالى يتحرى في جميع أفعاله الصلاح، فهو إذا لا يصلح عمله» 26.
والمراد به الإيمان والاستقامة على الدين، وهذا الصلاح قد يكون في جماعات وأمم، وقد يكون في أفراد، على ما يأتي:
الأول: فمن الصلاح المعنوي الذي يكون في جماعات وأمم، قوله تعالى في بني إسرائيل: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) } [الأعراف:168] .
أي: فرقًا متباينين في أقطار الأرض فقل أرض لا يكون منهم فيها شرذمة، وهذا حالهم في كل مكان تحت الصغار والذلة سواء كان أهل تلك الأرض مسلمين أم كفارًا ومنهم منحطون عن الصالحين وهم الكفرة، وذلك إشارة إلى الصلاح أي ومنهم قوم دون أهل الصلاح؛ لأنه لا يعتدل التقسيم إلا على هذا التقدير 27.
«يذكر تعالى أنه فرق بني إسرائيل في الأرض أممًا أي طوائف وفرقًا كما قال: {وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) } [الإسراء:104] .
منهم الصالحون ومنهم دون ذلك أي فيهم الصالح وغير ذلك» 28، وجعل كل فرقة منهم في قطر من أقطارها، بحث لا تخلو ناحية منها، منهم، تكملة لإدبارهم، حتى لا تكون لهم شوكة منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، أي من ينحط عن درجة الصلاح، لكفر أو فسق 29.
وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) } [آل عمران:113 - 114] .
فقد بين الله تعالى في الآية أن أهل الكتاب ليسوا سواء بل إن منهم أمة أهل الإيمان، ومنهم أمة أهل الكفر، فهم غير متساوين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد، والخير والشر 30.
الثاني: وقد يكون الصلاح المعنوي في أفراد وصفهم الله بذلك، قال تعالى في يحيى عليه السلام: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:39] .
والصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم 31.
وقال سبحانه في عيسى عليه السلام: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) } [آل عمران:46] يعني أنه من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء وإنما ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من الصالحين بعد ما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا أردفه بقوله ومن الصالحين ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات 32.
وهذا كقوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) } [الأنعام:85] .
والآيات الواردة في وصف الأنبياء بالصلاح كثيرة وما ذكرناه هو على سبيل المثال لا الحصر.
وقال تعالى في وصف الأفراد من غير النبيين: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) } [الكهف:82] .
فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية 33
أما صلاح الجن فإنه من الصلاح المعنوي، قال تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) } [الجن:11] «يقول تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي غير ذلك {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} أي طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} أي منا المؤمن، ومنا الكافر» 34.
والمعنى كما قال القرطبي: «أي لم يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء» 35.
ثانيًا: صلاح الأعمال:
إن صلاح الأعمال يكون في إخلاصها لله سبحانه وتعالى، فالعمل الصالح هو ما أريد به وجه الله تعالى وينتظم جميع أنواعه من الصلاة والزكاة وغيرهما 36، كما يكون العمل صالحًا، بالمتابعة على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله ذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } [النساء:124 - 125] 37.
أولًا: صلاح الأنبياء عليهم السلام:
وصف الله سبحانه وتعالى الأنبياء عليهم السلام بالصلاح، فقال في إبراهيم عليه السلام: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) } [البقرة:130] .
وقال في يحيى عليه السلام: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) } [آل عمران:39] .
وقال في عيسى عليه السلام: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) } [آل عمران:46] .
وقال سبحانه في زكريا وإلياس عليهم السلام مع السابقين: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) } [الأنعام:85] .
وقال في لوط عليه السلام: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) } [الأنبياء:74 - 75] .
وقال في إسماعيل عليه السلام: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) } [الأنبياء:85 - 86] .
وقال في يونس عليه السلام: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) } [القلم:48 - 50] .
ويمكن بيان الحكمة من وصفهم بالصلاح فيما يأتي:
أولًا: تعظيم صفة الصلاح، وتعظيم للموصوف بها، قال الزمخشري مبينًا الحكمة من وصف الأنبياء عليهم السلام بالصلاح: «واعلم أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما يكون تنويها بقدر موصوفها. فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة، قد يراد إعظام الصفة بعظم موصوفها، وعلى هذا الأسلوب جرى وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) } [الصافات:112] وأمثاله، تنويهًا بمقدار الصلاح إذ جعل صفة الأنبياء، وبعثًا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته» 38.
وقال الرازي: «والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) } [الأنبياء:86] وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19] .
وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم:4] .
وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالًا على أكمل الدرجات» 39.
ثانيًا: خص الأنبياء بذكر الصلاح؛ لأنه لا يتخلل صلاحهم خلاف ذلك، وقال الزجاج: الصالح هو الذي يؤدي ما افترض عليه وإلى الناس حقوقهم.
ثالثًا: ومن الحكمة أيضًا أن الصلاح والإصلاح هو الغاية للنبوة؛ لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإطلاق، كما أن وصفهم بالصلاح فيه بيان بأنهم من المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة 40.
رابعًا: ووصف الأنبياء عليهم السلام بالصلاح يدل على أن الصلاح درجة عالية لا ينالها إلا أهل الاجتباء 41.
وذكرها للتنويه بشأن الصلاح، فإن الأنبياء معدودون في زمرة أهله، وإلا فإن كل نبي لا بد أن يكون صالحًا، والنبوة أعظم أحوال الصلاح 42، وفي ذلك إيماء إلى أن الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات 43.
خامسًا: أن الصلاح وصف للأنبياء عليهم السلام، ومن دونهم؛ فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبع الرسول بأنه صالح 44.
والصلاح على إطلاقه هو أكمل صفة وأتمها يمكن أن يظفر بها إنسان حتى الأنبياء فهى الكمال الإنسانى في أعلى مراتبه وأشرف منازله، ولهذا كان من دعوات الأنبياء عليهم السلام أن يكونوا من عباد الله الصالحين.
كما قال الله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } [النمل:19] .
وقال تعالى على لسان إبراهيم، وهو يطلب الولد الصالح: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) } [الصافات:100] .
وقال سبحانه في وصف عيسى عليه السلام: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) } [آل عمران:46] ومعنى هذا أن الصلاح صفة ملازمة له، قبل النبوة ومع النبوة، فلو لم يكن نبيا من الأنبياء لكان صالحا من عباد الله الصالحين 45.
أما الحكمة من طلب الذرية الصالحة:
الحكمة من الدعاء بطلب الصالحين في قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) } [الصافات:100] ؛ لأن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب الصلاح لنفسه، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) } [الشعراء:83] .