فهرس الكتاب

الصفحة 2138 من 2431

وقد بين عدد من المفسرين وجه الحكمة واللطف بالمسلمين، برؤيتهم عدد الكافرين قليل، ففي ذلك تثبيت لهم وتنشيط وزيادة جرأة على القتال، ونزع للخوف من قلوبهم، ووجه الحكمة من تقليل المسلمين في أعين المشركين بداية المعركة، أن يغتروا بأنفسهم، وعدم الاستعداد والجد والحذر في مقاتلتهم، بل ومفاجأتهم بالعدد، ورؤيتهم كثر أثناء المعركة يفاجئهم ويبهتهم فيهابون منهم، ويدب الفزع في قلوبهم، فتكسر شوكتهم حين يرون ما ليس في حسابهم، فينهزموا بقدرة الله وإرادته 57.

إن لطف الله بعباده المؤمنين، وإنعامه عليهم بنعمة الرؤية لبعضهم بعضًا في معركة بدر لآية من آيات الله للفئة المؤمنة، صاحبة الإيمان الصادق، الذي به استحقوا رعاية الله ورحمته وكرامته، لينصر دينه، وهذا وعد الله للمؤمنين في كل زمان ومكان، بأن ينصرهم ويهزم عدوهم، «فإن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة -ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة» 58.

سابعًا: مشهد تزيين الشيطان للمشركين أعمالهم:

لقد زين إبليس أعمال المشركين بأن وسوس لهم وشجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج.

قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) } [الأنفال: 48] .

لقد أوهمهم الشيطان أنهم لا يقاتلون بكثرة عددهم، وأزال مخاوفهم من إتيان عدوهم بني بكر في ديارهم أثناء خروجهم، وقال لهم الشيطان: لا غالب لكم اليوم من بني آدم، وغرهم أنه مجيرٌ لهم، ويمنعهم من المسلمين، ولكن لما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين، ونظر بعضهم إلى بعض، نكص الشيطان على عقبيه ورجع مدبرًا هاربًا، وتبرأ منهم وتخلى عنهم، فهو يرى الملائكة الذين بعثهم الله بمدد للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم 59.

ففي هذا النص القرآني إثبات أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم، وشجعهم على الخروج بإعلان إجارته لهم ونصرته إياهم، وأنه بعد ذلك لما تراءى الجمعان ورأى أحدهما الآخر خذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم، ولم يوف بعهده معهم، أما الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم، والتي قال لهم بها: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} وهل جاء على صورة رجل؟ فلا نعلم؛ لعدم ورود نص قرآني أو حديث نبوي صحيح يبين ذلك 60.

وهكذا الشيطان دائما يزين للناس أعمالهم ويضلهم، ثم يتخلى عنهم، قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120] .

ولكن كيد الشيطان ضعيف، لا يقوى على مقابلة أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الفارق بين جند الشيطان كيف يوسوسون للمشركين ويضللونهم، وبين الملائكة الذين هم جند الرحمن يثبتون المؤمنين ويؤيدونهم ويعدونهم بنصر الله دون خذلان.

ثامنًا: مشهد المنافقين:

لقد قال المنافقون بالمدينة وأصحاب القلوب المريضة المليئة بالشهوات والشبهات والشكوك، ضعفاء الاعتقاد والايمان: إن المسلمين اغتروا بدينهم، وإنهم خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهمًا أنهم ينصرون بسبب دينهم.

وقد وضح موقفهم هذا قول الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] 61.

«إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق ومرض القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار، لما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلة عددهم قالوا مشيرين إلى المسلمين: غر هؤلاء دينهم، أي: اغتروا فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به، وكنى بالقلوب عن العقائد، والمرض أعم من النفاق؛ إذ يطلق مرض القلب على الكفر» 62.

إن المنافقين وكذلك أصحاب القلوب المريضة وضعيفي الاعتقاد، من أسباب هدم بنيان المسلم بأراجيفهم وخداعهم، وما ينجي العبد منهم هو التوكل على الله، لذلك رد الله عليهم في الآية السابقة: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] .

«أي: ومن يكل أمره إلى الله ويؤمن إيمان اطمئنان بأنه ناصره ومعينه، وأنه لا يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء أراده، يكفه ما يهمه وينصره على أعدائه وإن كثر عددهم وعظم استعدادهم؛ لأنه العزيز الغالب على أمره، الحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه بمقتضى سننه في نظام العالم، ومن ذلك أن ينصر الحق على الباطل» 63.

«ما أشبه موقف المنافقين بموقف الشيطان، إنه موقف المتخاذل المتفرج، المحرض على الشر، ثم المتخلي عن المؤازرة وقت الشدة والمحنة، أما الشيطان: فيوسوس بالباطل لأعوانه، ثم يحجم عن الشيء الذي زين به، وحبب فيه، وأغرى الناس عليه. فالواجب على العاقل الحذر منه، والتفكير في عواقب الأمور، وعدم الانسياق في تيار الأهواء والوساوس الشيطانية، فمن انجرف في سيل الشيطان فإن الله يعاقبه أشد العقاب.

وأما المنافقون -الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر- والذين في قلوبهم مرض فيصطادون عادة في الماء العكر، وينتهزون الفرص، ويوقعون الفتنة، وينتظرون الانحياز للغالب، ويشككون في قوة المؤمنين، ويتهمونهم بالتهور والطيش؛ لقلتهم عددًا وعددًا أمام الكثرة في العدد والعدد. وقد خيب الله الفريقين: الشيطان والمنافقين، فنصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة الكثيرة، والله يؤيد بنصره من يشاء؛ لأن من يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه، ويثق به، ويلجأ إليه، فإن الله حسبه وناصره ومؤيده» 64.

إن نظرة الكافرين والمنافقين دائمًا نظرة مادية لا روحية، فما قاله المنافقون هو تقدير التكافؤ في أنظار الناس وفي موازين القوى العسكرية، ولكنه في ميزان الله مختلف قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .

المقياس الحقيقي هو الإيمان والتوكل على الله.

يقول سيد قطب: «والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة فهم يرون ظواهر الأمور، دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة، والثقة في الله، والتوكل عليه، إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب الخاوية من الإيمان، ولكن الذي يختلف هو التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئًا وراءه، والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من «الواقع» الحقيقي!

الواقع الذي يشمل جميع القوى، ويوازن بينها موازنة صحيحة {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه!

وهذا ما يرجح الكفة، ويقرر النتيجة، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائمًا، فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة.

ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف فهناك الله وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض! والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة، وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، وأن ترى بنور الله وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله، وأن تلقي بالها دائمًا إلى تعليم الله سبحانه وتعالى للمؤمنين: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} » 65.

تاسعًا: مشهد الأسرى والغنائم:

لقد نزلت الآيات معاتبةً للمسلمين في شأن الأسرى والغنائم.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 67 - 70] .

حيث استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهم ضمانا لقوة الدولة الإسلامية، حيث إنهم يشكلون عامل تحد وخطورة، ولأنهم أئمة الكفر وصناديد مكة، وأشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأخذ الفدية منهم؛ إذ كان يرى أن في ذلك قوة للمسلمين على الكفار، وكان يأمل أن يهديهم الله تعالى للإسلام.

وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، وقد تباين فداء الأسرى، فمن كان ذا مال أخذ فداؤه، وتتناقص الأموال المأخوذة منهم بعد ذلك تبعًا لكفاءتهم المالية، وقد حفظت لنا المصادر نماذج منها، فمن ذلك أنه استوفى من العباس بن عبد المطلب مائة أوقية من الذهب فداء عنه، ومن عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية، واستوفى من آخرين أربعين أوقية لكل منهم 66.

«لقد كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى تحفها الرحمة، والعدل، والحزم، والأهداف الدعوية، ولذلك تعددت أساليبه، وتنوعت طرق تعامله صلى الله عليه وسلم، فهناك من قتله، وبعضهم قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر من عليهم، وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المن عليهم» 67.

وقد بين حديث ابن عباس ما دار في شأن الأسرى: قال ابن عباسٍ: (فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ، وعمر:(ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكرٍ: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيلٍ فيضرب عنقه، وتمكني من فلانٍ نسيبًا لعمر، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) -شجرةٍ قريبةٍ من نبي الله صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] . إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] . فأحل الله الغنيمة لهم) 68.

لقد نزل القرآن الكريم موافقًا لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن الأسرى، ومعاتبًا للمسلمين في شأن الأسرى والغنائم، فهذه الآيات عتاب من الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أنه ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان، أي: القتل والتخويف الشديد.

وما كان ينبغي للصحابة رضي الله عنهم أن يأخذوا الغنائم ويتنافسوا عليها وهي من عرض الدنيا قبل أن يعلموا حكم الله فيها، والله دائما يريد للمؤمنين الغلبة والعزة في الدنيا، ويريد لهم الآخرة بالأجر والثواب والجنة.

فالآيتان الكريمتان: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67 - 68] .

تبين أن الحكم المؤقت في غزوة بدر بالنسبة للأسرى كان قتلهم، بما يتناسب مع واقع الدولة الإسلامية آنذاك، وهذه قاعدة هامة في بناء الدولة، فحينما تكون ناشئة وفي مرحلة التكوين والإعداد، ينبغي ألا تظهر بمظهر اللين، حتى ترهب من قبل أعدائها 69.

«فإنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين؛ لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبًا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء -قبل إذنه سبحانه وتعالى وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك» 70، فالله قضى وقدر وسبق إثباته في اللوح المحفوظ لأهل بدر أنه قد أحل لهم الغنائم والفداء، ورفع عنهم العذاب فلا يعاقب المخطئ على اجتهاده 71.

وحكم الأسرى الذي استقرت عليه الشريعة أنه مفوض للإمام أن يختار الحكم الذي فيه المصلحة، إما بقتلهم أو إطلاق سراحهم، أو أخذ الفدية منهم، كما جاء في قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] .

«ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين، يرجى إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم، والدفع عنهم، فالمن عليه أصلح» 72.

وبعد أن عاتب الله سبحانه وتعالى المسلمين على أخذ الفداء والغنيمة؛ لأنهم بفعلهم هذا يريدون عرض الدنيا؛ إذ ليس فيه مصلحة للدين.

قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] .

أباح لهم الفداء وجعله من جملة الغنائم المباحة التي أبيحت لهم في مطلع السورة، فالمعنى أي: أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم من الفدية، حال كونه حلالًا لكم، طيبًا بنفسه لا حرمة فيه، أو كلوه أكلًا حلالًا لا شبهة فيه، والفائدة إزاحة ما وقع في نفوسهم من أكل الفداء بسبب تلك المعاتبة، أو حرمة الغنائم على الأولين من الأمم السابقة، ففي هذه الآية بيان للطف الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة بأن أحل لها الغنائم 73.

وبعد أن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسرى، وشق عليهم أخذ أموالهم منهم، أنزل الله هذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70] ؛ لبيان الهدف من الأسر، وهو الاستمالة لهم، والترغيب لهم في الإسلام، وتهديدًا وإنذارًا لهم إذا بقوا على الكفر، ففي هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن وقع في أيديهم من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: إن يعلم الله في قلوبكم الآن أو في المستقبل إيمانًا وإخلاصًا وحسن نية وعزمًا على طاعة الله ورسوله، والتوبة عن الكفر، وعن جميع المعاصي، ومنها العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته، يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما كان منكم من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب عن المعاصي، رحيم بالمؤمنين، فهو يمدهم بعنايته وتوفيقه وإسعاده 74.

إن هدف إسلامنا العظيم بأخذ الأسرى إنما ليلمس في قلوبهم مكامن الخير والرجاء والصلاح، وليوقظ في فطرتهم أجهزة الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة للهدى، ولترغيبهم بالإسلام لا ليستذلهم انتقامًا، ولا ليسخرهم استغلالًا كما كانت تتجه فتوحات الرومان وغيرهم 75.

عاشرًا: نهاية الغزوة:

قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .

لقد انتهت غزوة بدر بنصر كبير للمؤمنين، أعز الله فيه الإسلام والمسلمين، وأذل فيه الكفر والكافرين، فكانت غزوة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، وكان لها أثر كبير في إعلاء شأن الإسلام، وانتصار العقيدة، كما كانت أصداء انتصار المسلمين شديدة على أعداء الإسلام من يهود ومشركين.

قال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

لقد أظهر المسلمون في المعركة بطولات فائقة، حيث كانوا يقاتلون وهم يؤملون إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وعرفت الدنيا أن القوى الروحية لا تقهرها القوى المادية، وأن النفس البشرية إذا امتلأت بالإيمان وحب الشهادة تضاءلت أمامها شم الجبال الراسيات، والله هو القوي القاهر يمد عباده المؤمنين بنصر من عنده إذا صدقوا الإيمان، وأخلصوا له في الجهاد، وانتصروا على شهواتهم وأنفسهم، واتقوا الله حق تقواه نعم لقد انجلت المعركة عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة منكرة للمشركين، فقتل سبعون من صناديدهم، وأسر سبعون 76، ومن بقي سارع إلى الهرب، وقد قدم المسلمون يومئذ أربعة عشر شهيدًا: 77 منهم ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار 78.

وإن من نتائج غزوة بدر أن قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها، وتعززت مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشككون في المدينة يتجرؤون على إظهار كفرهم وعداوتهم للإسلام، وكذلك ازدادت ثقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، واشتد ساعدهم، ودخل عدد كبير من مشركي قريش في الإسلام، وإلى جانب ذلك كسب المسلمون من المعركة مهارات عسكرية، وأساليب جديدة في الحرب، وانتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من غنائم.

أما قريش فكانت خسارتها فادحة، فإضافة إلى مقتل أبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء الكفر، وأسر عدد كبير منهم، فقد كانت المعركة خسارة معنوية عليهم، أما اليهود فقد هالهم أن ينتصر المسلمون في المعركة، وأن تقوى شوكتهم، فأخذوا يدبرون المكائد وينقضون العهود 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت