فهرس الكتاب

الصفحة 1065 من 2431

الحيوان

أولًا: المعنى اللغوي:

الحيوان من الفعل: (حيّ) ، الحاء والياء، والحرف المعتل أصلان: الأوّل: الحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان، وهذا يعني أن الحياة خلاف الموت، ويسمّى المطر حيًّا؛ لأن به حياة الأرض، ويقال: ناقةٌ محي ومحييةٌ، يعني: لا يكاد يموت لها ولد، وتقول: أتيت الأرض فأحييتها، إذا وجدتها حيّة النّبات غضّة، والثاني: الاستحياء الذي هو ضدّ الوقاحة، يقولون: استحييت منه استحياءً، وحييت منه أحيا، إذا استحييت، وحياء النّاقة، أي: فرجها 1.

والمحيا مفعل من الحياة، تقول: محياي، والحيّ واحد أحياء، وأحياه الله فحيي، وقيل في الجمع: حيوا مخففًا، واستحياه، واستحيا منه بمعنى من الحياء، ويقال: استحيت بياء واحدة، وأصله استحييت، فأعلوا الياء الأولى، وألقوا حركتها على الحاء فقالوا: استحيت، لما كثر في كلامهم، والحياء ممدود الاستحياء 2.

وحيّ يحيا، ويحيّ فهو حيٌّ، وللجميع حيّوا بتشديد الياء، وقيل: حيوا بتخفيفها، والحيّ من كل شيء نقيض الميت، والجمع أحياء، والحيّ كل متكلم ناطق، والحيّ من النبات ما كان طريًّا يهتزّ 3.

وقيل: إن حيي يندب بها، ويدعى بها، يقال: حيّ على الفداء، حيّ على الخير، وقد تأتي بمعنى الحث والدعاء، ومنه قول المؤذن: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، معناه: عجّل إلى الصلاة، وإلى الفلاح، وتقول العرب: حيّ هلا بفلان، وحيّ هلا بفلان، وحيّ هلا بفلان، أي: أعجل 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

بالنظر إلى التعريفات اللغوية السابقة يتبين أنه لا بد من التعريف الاصطلاحي لكل من الحياة، والحيوان، والحياء.

وقد عرّف الجرجاني الحياة فقال: «هي صفة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر» 5، وقال أيضًا: الحياة الدنيا: «هي ما يشغل العبد عن الآخرة» 6.

وعرّف الحيوان بقوله: «هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة» 7.

وقيل: إن الحيوان: «كلّ ذي روح ناطقًا كان أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة يستوي فيه الواحد والجمع؛ لأنه مصدر في الأصل» 8.

وخلاصة القول: إن الحيوان: هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة، وهذا ينطبق على كل ذي روح سواء كان ناطقًا أو غير ناطق.

لم يرد لفظ (الحيوان) في القرآن بمعنى الحيوانات، وورد لفظ (الحيوان) في القرآن مرة واحدة بمعنى الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها 9.

وقد ورد جذر الكلمة (حيي) في القرآن بمعنى الحياة التي هي نقيض الموت 10.

وقد تحدث القرآن عن موضوع الحيوانات عند ذكره لبعض أنواع منها، ألا وهي:

الإبل والبقر: في قوله تعالى: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:144] .

الضأن والمعز: في قوله تعالى: {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143] .

الفيل: في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) } [الفيل:1] .

الحمر والقسورة: في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) } [المدثر:50 - 51] .

الأنعام: في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام:139] .

الخيل والبغال والحمير: في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } [النحل:8] .

الكلب: في قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف:176] .

الذئب: في قوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) } [يوسف:14] .

الوحوش: في قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) } [التكوير:5] .

وقد سميت بعض سور القرآن بأسماء الحيوانات مثل: سورة البقرة، وسورة الأنعام.

الطير:

الطير لغةً:

من مادة: (طير) ، والطّيران حركة ذي الجناج في الهواء بجناحه، ويقال: طار الطائر يطير طيرًا وطيرانًا وطيرورة، ويقال: وأطاره وطيّره وطار به، وأطاره غيره وطيّره وطايره بمعنى، والطّير معروف اسم لجماعة ما يطير؛ مؤنث، والواحد طائر والأنثى طائرةٌ 11، ويقال: تطيّر فلان، واطّيّر، أصله التفاؤل بالطير، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به، ويتشاءم 12.

الطير اصطلاحًا:

قال الراغب: «الطائر هو كل ذي جناح يسبح في الهواء» 13، وهذا من باب التغليب وإلا يدخل في الطير الحيوان الذي له جناح ولا يطير كالدجاج، وورد لفظ الطير في القرآن الكريم عشرون مرة، منها خمسة عشر مرة بلفظة الطير، وأربع مرات بلفظة طير، ومرة واحدة بلفظة طائر، وذكر السلوى ثلاث مرات، والغراب مرتين، والهدهد مرة واحدة.

الصلة بين الطير والحيوان:

الحيوان: كلّ ذي روح ناطقًا كان، أو غير ناطق، مأخوذ من الحياة، والطير له روح، فيكون الطير صنفًا من أصناف الحيوان.

الحشرات:

الحشرات لغةً:

جمع حشرة، والحشرة بفتحتين واحدة الحشرات، وهي صغار دوّاب الأرض، وحشر الناس: جمعهم، ومنه يوم الحشر، والمحشر بكسر الشين موضع الحشر، والحاشر اسم من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام 14.

الحشرات اصطلاحًا:

الحشرة عند علماء الحيوان هي كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار؛ يكون بيضة فدودة ففراشة، وهي الهامة من هوام الأرض؛ كالخنافس، والعقارب، وتطلق أيضًا على الدابة

الصغيرة من دواب الأرض، كالفئران والضباب 15.

الصلة بين الحشرات والحيوان:

الحشرات كائنات حية لها روح، وهي من الحيوانات، حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام: (نهى عن قتل كل ذي روح) 16، وقد عدّ المراغي الحشرات من الحيوانات في قوله: «والصيد الذي نهت عنه الآية هو كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا جزاء في قتل الأهلي، ولا ما لا يؤكل لحمه من السباع، والحشرات، ومنها: الفواسق الخمس التي ورد الإذن بقتلها: وهي: الغراب، والعقرب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور» 17.

الكائنات الحية الدقيقة:

الكائنات الحية الدقيقة اصطلاحًا:

عرّفها العلماء بأنها الأحياء التي لا ترى بالعين المجردة؛ لأنها صغيرة جدًّا إذ يبلغ حجمها أقل من الميكرون 18.

لقد ورد ذكر الكائنات الحية الدقيقة في القرآن الكريم في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *} [الحاقة:38 - 39] .

والمعنى: أن الله سبحانه أقسم بالذي نشاهده، والذي لا نشاهده، أي: أنه تعالى أقسم بالأشياء كلها، ما يبصر منها، وما لا يبصر، فيدخل في ذلك جميع المخلوقات 19.

وفى ذلك إشارة إلى أن في الوجود أشياء لا تدركها الأبصار، وقد أثبت العلم الحديث بوساطة الآلات التي تكبّر الأشياء أضعافًا مضاعفة (الميكروسكوبيات) أن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا إذا كبرت عن حقيقتها آلاف المرات، كالجراثيم (الميكروبات) ولم تكن تخطر على البال في عصر التنزيل، وقد ظهرت للناس الآن فهي من روائع الإعجاز العظيمة الدالة على أن القرآن الكريم من كلام العليم الخبير، وله السبق في كل علم من العلوم التي يصل إليها الإنسان 20.

وقال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61] .

فالآية السابقة فيها دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبّرات، كأجزاء الذرة، والكائنات الحية الدقيقة كالجراثيم، والبكتيريا، وغير ذلك 21.

وهذا يدل على أن الآلات الحديثة كشفت دقائق في الكون ما كنا نعرفها قبل ذلك، فسبحان الذي يعلم ما في البر والبحر، وما في الأرض والسماء 22.

يلاحظ من الآيتين السابقتين وجود كائنات حية دقيقة لا يعلم عددها إلا الله عز وجل، والعلم الحديث يكتشف من هذه الكائنات يومًا بعد يوم مصداقًا لقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29] .

العلاقة بين الحيوان والكائنات الحية الدقيقة:

الحيوانات الحية الدقيقة من أنواع الحيوانات التي فيها روح، ولا ترى بالعين المجردة.

لقد امتنّ ربنا سبحانه وتعالى على الإنسان فخلق جميع المخلوقات حتى يتفكر فيها، وتدله على خالقها الذي أبدع صنعها، وذكر الله عز وجل في القرآن الكريم من مخلوقاته بعض الحيوانات التي فيها العبرة والعظة لمن تأملها، والله تعالى خلق الحيوان لحكمة، وبيانها في النقاط الآتية:

أولًا: حكمة خلق الحيوان:

إنّ المتأمل في آيات كثيرة من القرآن الكريم، يجد أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الحيوان لحكم عظيمة، ومنها:

أولًا: دلالتها على قدرة الله تعالى، وعظمته، ووحدانيته، وسلطانه العظيم، فقد نشر ربنا سبحانه في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع؛ فمنها: ما يأكلون من لحمها، ويشربون من درها، ومنها: ما يركبونها، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم، وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ألا يدل ذلك على عظيم قدرة الله عز وجل؟ 23.

قال تعالى: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164] .

ثانيًا: أن الحيوانات لم تخلق عبثًا، وأنها تسبح الله سبحانه وتعالى كباقي المخلوقات.

قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .

ومعنى الآية: أن كل شيء ينزه الله سبحانه تنزيهًا مقترنًا بحمده، فيقول: سبحان اللّه وبحمده، ومعنى: (لا تفقهون) ، أي: لا تفهمون تسبيحهم؛ لأنه ليس بلغتكم 24.

وإذا كانت الأشياء التي لا تعقل تسبح الله تعالى، فكيف يليق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن ذلك؟

ثالثًا: لقد امتنّ اللّه تعالى على عباده بما خلق لهم من الحيوانات، وخاصة الأنعام ذات المصالح، والمنافع المختلفة.

قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] .

وهذه الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، وجاء تفصيلها في قوله عز وجل: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 143] .

وقوله تعالى: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 144] .

والله سبحانه سخر للإنسان هذه الأنعام، وجعلها له مصدر رزق، وخير كبير، وأداة لجلب المصالح والمنافع، وجعل فيها الموعظة، والعبرة، والرأفة، والرحمة بعباده، وتوضيح ذلك كالآتي:

1.الموعظة والعبرة، قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ) [المؤمنون: 21] .فالأنعام عبرة؛ لأنها مما يستدل بخلقها، وأفعالها على عظيم قدرة الله تعالى 25.

2.الأكل، والشرب، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المؤمنون: 21] . فالآية تدل على أن الإنسان ينتفع من الأنعام بمنافع كثيرة، ومنها شرب الحليب الصافي، وكذلك الأكل من لحومها.

3.الانتفاع بأصوافها، وأشعارها، وأوبارها، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [النحل: 80] . فدلالة الآية أن الإنسان ينتفع من أصواف، وأشعار، وأوبار الأنعام؛ فيصنع منها الملابس، والأثاث، والفراش، والبيوت الخفيفة التي تستخدم في الترحال.

4.الركوب عليها، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?- ? ? ? ? ? ?) [يس: 71 - 72] . وقال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? O) [الزخرف:12 - 13] .فذكرت الآيات السابقة أن الإنسان يستخدم الأنعام للركوب، وأن ذلك يكون سببًا في تذكر نعمة الله تعالى على عباده، ويجعلهم يسبحون الله جل وعلا. والظاهر من الآيات السابقة أن الإبل هي التي تستخدم للركوب من الأنعام، والإنسان يركب أيضًا على الخيل، والبغال، والحمير، قال تعالى: (? ? ? ? ?) [النحل: 8] .

5.ومنها ما يتخذ للجهاد، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 60] .

6.ومنها ما يحمل عليها الإنسان ما يشاء من الأثقال إلى البلدان، والأقطار البعيدة، وفي ذلك الرأفة، والرحمة، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [النحل: 8] .

7.ومنها ما يتخذ للجمال والزينة، والثروة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 6] أي: في وقت راحتها، وسكونها، ووقت حركتها، وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم، وأموالكم، وتعجبون بذلك 26.

قال الزحيلي: «ولكم في هذه الأنعام جمال، أي: زينة حين الرواح، وهو وقت رجوعها عشاء من المراعي، ووقت السّروح، وهو وقت الغدوة، والذهاب من مراحها إلى مسارحها، أو المرعى، وخص الله تعالى هذين الوقتين بالذكر لاهتمام الرعاة بهما حين الذهاب، والإياب، وفي ذلك مفاخرة بالقطيع، وقدم الرّواح على السّروح؛ لأن الفائدة فيه أتم، لمجيئها شبعانة، فتدر الحليب، وتملأ النفس سرورًا، والعين متعة؛ فهي عنصر للغذاء، وأداة إنتاج في الاقتصاد» 27.

وجمال الأنعام، والدواب من جمال الخلقة، والتركيب، والصورة 28، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ... ) [النحل: 8] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 14] .

فالأنعام مال أهل البادية، ومنها تكون ثروتهم، ومعايشهم، ومرافقهم، وبها تفاخرهم، وتكاثرهم، ومنهم من يتخذها زينة، وقد امتنّ اللّه بها على عباده 29.

وتظل الأنعام ثروة اقتصادية في كل زمان ومكان، ونعمة كبرى، والله سبحانه وتعالى قيض هذه الأنعام، وسخرها للإنسان، وجعلها لهم مصدر رزق، وخير كبير، وأداة منافع، وجلب مصالح، وفيها الرأفة والرحمة بعباده، كما قال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? * ? ? ? ? ? ?) [يس: 71 - 72] 30.

وخلاصة القول: إن ربنا عز وجل خلق الأنعام، وجعل فيها عبرًا، ونعمًا من وجوه شتى، ففيها دلائل على قدرة الخالق بخلق الألبان من مصادر هي أبعد ما تكون منها، ونعمًا لنا في مرافقها وأعيانها، فننتفع بألبانها، وأصوافها، ولحومها، ونجعلها مطايا لنا في أسفارنا إلى نحو أولئك من شتى المنافع؛ فمن صنوف الحيوان مصرفة في مصالح الإنسان، فمنها ما هو للدر، والنسل، والغذاء فقط، ومنها ما هو للركوب، والحمولة فقط، ومنها ما هو للجمال، والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله كالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب، وغذاء، ودواء، وشفاء ففيها عبرة للناظرين، وآيات للمتوسمين، وفي الطير، واختلاف أنواعها، وأشكالها، وألوانها، ومقاديرها، ومنافعها، وأصواتها، صافات، وقابضات، وغاديات ورائحات، ومقيمات، وظاعنات أعظم عبرة، وأبين دلالة على حكمة الخلاق العليم سبحانه وتعالى 31.

وهذا يعني أن الله سبحانه جعل في خلق الحيوانات من المنافع التي امتن بها على البشر، قال عز وجل: (ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ) [لقمان: 10] .

أي: أن الله سبحانه جعل من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها، ووحوشها، والانتفاع بألبانها، وأصوافها، وجلودها، وقرونها، وأسنانها، والحمل عليها، والتجمل بها في مرابطها، وغدوّها، ورواحها 32.

والمنافع والمصالح التي تم ذكرها، وغيرها فيها من الحكم العظيمة، والعبر التي تدل على وحدانية الله تعالى، وأنه هو الخالق والرازق والمدبر، ولا معبود سواه، وله صفات الكمال، والجلال.

ثانيًا: الإبداع الإلهي في خلق الحيوان:

إن الناظر في مخلوقات الله، وكيفية خلقها يوصله ذلك إلى الإبداع الإلهي في الخلق، والله سبحانه خلق المخلوقات، وهدى كل مخلوق لما خلق له؛ فجعل جسم كل مخلوق يتلاءم مع طبيعته لينتفع بذلك في تحقيق مصالحه، حتى إن لكل حيوان خلقة تناسبه؛ فإن كان في البحر جعل الله سبحانه خلقته تناسب العيش في الماء.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ?) [النور: 45] .

فكل حيوان له من الهيئة التي تتلاءم مع البيئة التي يعيش فيها، وهذا كله يدل على بديع صنع الله في خلقه.

ولو تأملنا الإبل مثلًا كيف خلقت؟ نجد أنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، وهي في غاية الشدة، والقوة، ومع ذلك فإنها تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف 33.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ) [الغاشية: 17] .

«قال المفسرون: لما ذكر الله عز وجل أمر أهل الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوا وأنكروا فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه قادر على كل شيء كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، ثم ذكر الإبل أولًا؛ لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم جل ثناؤه على عظيم من خلقه قد ذلّله للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل، وهو بارك فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه مسخرًا لصغير من خلقه يدلهم بذلك على توحيد الله، وعظيم قدرته» 34.

والله سبحانه وتعالى أعطى الإبل من الخصائص حتى تكون سفائن البر، قال الزمخشري رحمه الله: «وحين أراد أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدًا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم» 35.

وظهور الإبل مسنمة حتى تكون مهيأة للركوب عليها، وحمل الأثقال عليها، قال ابن القيم رحمه الله عنها: «ظهورها مسنمة معقودة كالقبو لما خصت به من فضل القوة، وعظم ما تحمله، والقباء تحمل أكثر مما تحمل السقوف حتى قيل: إن عقد القباء إنما أخذ من ظهور الابل، وتأمل كيف لما طوّل قوائم البعير طول عنقه ليتناول المرعي من قيام فلو قصرت عنقه لم يمكنه ذلك مع طول قوائمه، وليكون أيضًا طوّل عنقه موازنًا للحمل على ظهره إذا استقل به، كما ترى طول قصبة القبان حتى قيل: إن القبان إنما عمل من خلقة الجمل من طول عنقه، وثقل ما يحمله، ولهذا تراه يمد عنقه إذا استقل بالحمل كأنه يوازنه موازنة» 36.

ولا يقتصر بديع صنع الله تعالى في الحيوان على الإبل، وإنما هو في سائر الحيوانات، فسبحان الله (? ? ? ? ? ? ?) [طه: 50] .

أي: أن الله عز وجل خلق جميع المخلوقات، ومنها الحيوانات، وأحسن خلقها، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم، وصغره، وتوسطه، وجميع صفاته، وهدى كل حيوان إلى ما خلقه له، فكل حيوان يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل ما يتمكن به على ذلك 37.

قال القرطبي رحمه الله: «لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول» ، ونقل أقوالًا للعلماء حول هذا المعنى، فقال: «قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها؛ قال الأستاذ أبو المظفر شاهنود الإسفرايني: ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم، وحدوث المخلوقات، ووحدانية الإله، ولكننا لا نفهم عنها، ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية» 38.

وقال ابن عطية رحمه الله: «والنمل حيوان فطن قويّ شمام جدًّا يدخر القرى، ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي سائره عدّة» 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت