ولا بد من المرور بالأشواك أثناء التعبد لله تعالى والتنسك بما يشمل معاني الإيمان بالله تعالى والإخلاص له؛ حتى يعلم من يستحق مرتبة الاستقامة من غيره، وهو ما يتبين لنا واضحًا في الآيات في معرض الحديث عن مداخل الشيطان.
ثانيًا: الاعتصام بالله تعالى:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران:100 - 101] .
يروى أن «شاس بن قيس اليهودي» مر على نفر من الأوس والخزرج؛ فاغتاظ مما رأى من الألفة بينهم بما غير الإسلام من أحوالهم، بعدما كان بينهم من بغضاء وشحناء، فبعث شابًا من يهود، يذكرهم ببعاث، وهي معركة كبيرة حدثت مع الأوس والخزرج، فاغتاظ القوم من الأوس والخزرج، وتنادوا: السلاح السلاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليهم مع نفر من الصحابة، وما زال يعظهم حتى أنابوا إلى بارئهم وتعانقوا باكين، وأنزل الله تعالى هذه الآيات 26.
تبدأ الآية المائة من السورة بنداء إلى المؤمنين، فالعهد المطلوب منهم في هذه الآية هو عدم طاعة فريق الضلال والإضلال من أهل الكتاب؛ لأن العاقبة التي تحل نتيجة ذلك، الردة إلى الكفر بعد الإيمان بسبب حسدهم وبغيهم عليكم، ثم تتساءل الآية التالية سؤالًا استنكاريًا كيف يكون الكفر منكم؟ والحال أن آيات الله تعالى ما زالت تتلى عليكم، بمعنى أنكم تعاصرون نزول الوحي، وما زال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حيًّا بينكم قائمًا بين أظهركم، يوجهكم ويرشدكم إلى الخير.
ثم ترغب الآية بالاعتصام بالله تعالى؛ فإن من اعتصم به، فإن الله يهديه إلى الطريق القويم، وهو منهج الاستقامة الذي يوصله إلى الجنة 27.
والتحذير من طاعة فريق الضلال والإضلال من أهل الكتاب جاء بصيغة خبرية من خلال بيان العاقبة الوخيمة التي ستحل بهم إن أطاعوهم؛ فهم سيرتدون إلى الكفر.
وبعد التحذير البالغ الأهمية يأتي الترغيب الكبير بالاعتصام من خلال بيان المنة التي ستكون لهم، وهي الصراط المستقيم، الموصل إلى الجنة.
ثالثًا: العبادة والدوام والثبات عليها:
قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:160 - 161] .
تبين الآية الستون بعد المائة عظيم رحمة الله تعالى وفضله؛ فالذي جاء بحسنة فله من الأجر عشر حسنات مثلها، والذي جاء بالسيئة فإن فضل الله تعالى يقتضي أن يجازى بمثلها، ولا يمكن لهؤلاء أن يظلموا، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أحسن أحدكم إسلامه؛ فكل حسنةٍ يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها) 28.
ثم تخاطب الآية التالية سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأمره أن يقول للخلق جميعًا إنني أرشدني ربي ووفقني إلى الدين القويم، الذي هو منهج الاستقامة الحقة، أعني دينًا ذا قيمٍ ومقام رفيع، فهو ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام على الحنيفية السمحة، ثم تذيل الآية ببيان قطعي الدلالة أنه عليه السلام ليس من المشركين 29.
رابعًا: التمسك بالقرآن:
قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن:1 - 2] .
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
قال:(انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء.
فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن:1 - 2] .
فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن:1] .وإنما أوحي إليه قول الجن) 30.
تبدأ سورة الجن بأمر إلهي لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للخلق جميعًا: أوحي إليه من الله تعالى وحده أنه طاف عدد لا يزيد عن عشرة من الجن فتوجهوا نحو تهامة، فإذا بهم يسمعون كلام القرآن العظيم، الذي ملئ من العجائب، فهو يدعو ويرشد إلى الصواب من التوحيد والإيمان الذي هو عين الاستقامة المنجية من غضب الله تعالى وعذابه، ولذلك لم يسع الجن إلا أنهم آمنوا إيمانًا لا مراء فيه ولا نفاق، وعهدٌ على عدم الشرك بنوعيه بالله الرب المتعال 31.
خامسًا: اتباع رضوان الله تعالى:
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15 - 16] .
يخاطب الله تعالى أهل الكتاب ببيانه لهم أن رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم قد جاءهم؛ ليوضح لهم الدين الذي أخفوا كثيرًا منه؛ وليعفو عنهم في كثير من زلاتهم؛ ثم تذيل الآية ببيان أنه قد جاءكم يا أهل الكتاب نور، وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقرآن كريم، وحتى يهتدي المؤمن إلى القرآن، والاستقامة في التزامه، لا بد من اتباع رضوان الله تعالى؛ بالانضباط في طريق السلامة من غضب الله تعالى، والخروج من الباطل وما فيه من ظلمات، إلى طريق واحد وهو النور المبين، وكل هذا منوطٌ فقط بإذن من الله تعالى وحده، فإذا قام من قام ممن هدى الله قلبه للإيمان بذلك، فعندها يرشد الله تعالى ويوفق إلى الطريق القويم، وهو المنهج الرباني الأصيل 32.
سادسًا: التوبة والاستغفار:
التوبة إلى الله تعالى تعني الإنابة والرجوع إلى الله تعالى والندم على الذنوب، والعزم على العمل الصالح طاعةً لله تعالى، وهذا كله عين الاستقامة المنجية من غضب الله تعالى، وقد شهدت الآية الثامنة والستون من سورة النساء نموذجًا واضحًا بهذا الشأن.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:66 - 68] .
«سبب نزولها ما روي أن ثابت بن قيس بن شماسٍ تفاخر هو ويهوديٌ، فقال اليهودي: والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفًا، فقال ثابتٌ: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا» 33.
يخبر الله تعالى في الآية السادسة والستين من السورة: أن الله تعالى لو كتب على يهود عصر النبي صلى الله عليه وسلم أن اقتلوا أنفسكم بالجهاد، أو اخرجوا من دياركم كما كان من اليهود السابقين حين استتيبوا من عبادة العجل؛ ما فعلوه إلا القليل منهم، مع أن الأصل أن يفعلوا ما يوعظون به، وذلك أفضل لهم وأعظم في الثبات على الحق، ولأعطاهم الله تعالى الأجر العظيم، ولمن الله تعالى عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وهذا مرتبط بمزيد الاستغفار والتوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، والتذلل والانكسار إليه جل جلاله 34.
ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة المحمدية أن جعل منة الهداية إلى الاستقامة ميسورة، ليس فيها مشقة كما كان حال السابقين.
ولا يصل المؤمن إلى قبول توبته من قبل الله تعالى إلا إذا تذلل وانكسر إليه جل جلاله.
سابعًا: اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .
تحذر هذه الآية الكريمة من أن ينادي المسلمون رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم باسمه، كما لو كانوا ينادون بعضهم البعض؛ فلا تقولوا: يا محمد، ولا يا أبا القاسم، ولا يا ابن عبد الله؛ لأن الله تعالى يعلم حال المنافقين الذين يخرجون من المسجد خفيةً؛ هروبًا من أن يسمعوا كلام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهم يلوذ بعضهم إلى بعض بدل أن ينطلقوا إلى الحق، ثم تحذر الآية من مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبهم بليةٌ، أو يصيبهم العذاب المؤلم في الدنيا والآخرة؛ لأن من يتخلف أو يتقاعس عن اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه فلن يصل إلى الاستقامة الحقة 35
ثامنًا: الشكر لله تعالى:
لا شك أن الشكر لله تعالى من أنجع الطرق الموصلة إلى الاستقامة الحقة، فاستقامة جدنا الذي نتشرف بالانتساب إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام، واصطفاؤه وتقريبه من المنزلة الرفيعة من الهداية، جاء كل ذلك لأنه التزم القنوت والعبادة، وهو إمام جامع لكل الفضائل، يأتم به أهل الهدى في التزام الحنيفية السمحة؛ لاستجماعه كمالاتٍ لا توجد في غيره، وقد التزم الشكر الذي لا مثيل له لله تعالى؛ واقتران الشكر مع الهداية إلى الاستقامة؛ لبيان النتيجة والثمرة، وهي تحبيب الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام لكل الناس؛ لأنه موحد في دين الإسلام ليس يهوديًا ولا نصرانيًا 36.
ويتجلى ما ذكرنا في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:120 - 121] .
وإن من موجبات شكر العبد لله تعالى نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم: أن الأمة المحمدية هي أمة العدل والاستقامة التي تتوسط الناس، من حيث دراية أخبارهم بما علم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن حيث التوسط في الدين؛ فلا هم أهل غلوٍ فيه كالنصارى، ولا هم أهل جفاء كاليهود، وإن الأمة شاهدةٌ على جميع الناس منذ سيدنا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، كما يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .
وتلك هي الخيرية بعينها مشروطةً بلوازمها من أمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر، وإيمانٍ بالله تعالى 37، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .
تاسعًا: العدل:
قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) } [النحل:75 - 76] .
يضرب الله تعالى في هذه الآية مثلًا لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه؛ فأما الآلهة فهي لا تعدو عن كونها صنمًا لا يسمع ولا ينطق، ينتظر إذن الحركة والتقلب ممن يعبده، إذا دعاه هذا العابد لا يأت بخير، فهل يستوي هذا الوثن مع الله تعالى الذي يأمر بالاستقامة الحقة، ومعلوم أن منهج الله جل جلاله هو منهج مستقيم، بمعنى أن من يلتزم أوامره يكون على هذا الصراط المستقيم 38.
وأسلوب ضرب المثل في أخص خصوص الاعتقاد، وهو إثبات وجود الله تعالى، فيه مزيد حجةٍ بالغةٍ على أولئك المعرضين عن طريق الاستقامة الحقة، ولذلك فإن الله تعالى بين صفة العدل والأمر به؛ لأن عذاب الله تعالى لعباده عدلٌ، ورحمته بهم بإدخالهم الجنة فضلٌ.
عاشرًا: الدعاء:
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:190 - 194] .
يذكر الله تعالى في هذه الآيات أن التفكر في خلق الله تعالى الذي لا حصر له، ومن نماذجه المبصرة السماوات والأرض، واختلاف المناخات والأوقات وما ينتج عن ذلك من متغيرات، كل ذلك يعد عبرةً وآية لكل ذي لبٍ، أي: عقلٍ صافٍ من الشوائب، فهم الذين يستقيمون على المنهج؛ باستحضار الله تعالى في كل أحوالهم وأقولهم وأفعالهم سواء أكانوا في الصلاة أم في حياتهم عمومًا قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ثم يتذللون وينكسرون مقرين بأن الله تعالى أحسن وأتقن كل شيء خلقه، فهو منزهٌ عن أي نقص، متضرعين إلى الله تعالى راجين أن ينجوا من العذاب الأخروي.
فإن من أدخل النار فقد أخزي من قبل الله تعالى، وليس لأحد من الظالمين من أي ناصر، إذا كان الله تعالى هو الآمر، ثم تتجلى طبيعة الاستجابة من قبل هؤلاء المؤمنين المستقيمين المعتدلين أنهم بمجرد سماع منادي الإيمان من بعيد، فإنهم فطنوا إلى ذلك - دونما فذلكةٍ- فآمنوا إيمانًا يسلب قلوبهم نحو بارئهم، فما دام الإيمان تغلغل في قلوبهم، فإنهم يتقربون إلى الله تعالى بالأعمال الصالحات، ويسألون الله خيرًا فهم يطلبون أولًا المغفرة من الذنوب، ثم الستر الكامل الذي يحط السيئات، ولضمان استمرار الخير، أن يبقوا حتى وفاتهم في صحبة أهل الخير البررة.
فإذا ما استجاب الله تعالى ببركة حسن ظنهم به جل جلاله، فإنهم يرجون الجنة التي وعدها الله تعالى للرسل عليهم السلام، وعدم الخزي بعدم استجابة دعائهم؛ بأن تتقلب قلوبهم إلى الشر في الدنيا قبل نهاية حياتهم، فالله تعالى لا يخلف وعده لأيٍ من خلقه، وهؤلاء المؤمنون المستقيمون يقرون بذلك 39.
الحادي عشر: العلم:
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر:28] .
تذكر هذه الآية الكريمة أنه كما كان اختلاف في اللون والنوع في الثمار والجبال، فإن الناس والدواب عمومًا مختلفون أيضًا في اللون والنوع، ثم تستأنف الآية مقررة لحقيقةٍ، ألا وهي أن الذين يخشون الله تعالى ويعملون قصارى جهدهم للسلامة من غضبه، ومن ثم الاستقامة، هم العلماء المؤمنون المستسلمون لله تعالى ولأمره، فالله تعالى متصف بالعزة والمعفرة، فهما اسمان له 40.
لتحصيل الاستقامة موانع نتناولها في النقاط الآتية:
أولًا: الكفر والشرك بالله تعالى:
قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256] .
تبين هذه الآية الكريمة أن طريق الاستقامة يختلف عن طريق الغواية في صفاته وملامحه، فلا يختلط هذا بذاك.
وتبين أن الكفر بما يعبد من دون الله قضية كبرى في الدين، فلا يصح إيمان العبد بالله تعالى حتى يكفر بكل ما يعبد من دونه 41.
ثانيًا: اتباع سبل الشيطان:
قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر:39 - 42] .
تذكر الآيات السابقة أولى مراحل الصراع والعداوة بين الشيطان والإنسان.
وتذكر هذه الآيات أن إبليس تعهد بمحاولة إغواء بني آدم، وإبعادهم عن الطريق المستقيم، مستخدمًا أسلوب التزيين والتدليس، فيظهر لهم الحق باطلًا، والباطل حقًّا.
وأقسم أن سيبذل في سبيل ذلك كل الوسائل والطرق التي تغوي بني آدم، وتبعدهم عن دين الله، واتباع شرعه.
ولكنه أقر في نهاية حديثه أن هناك فئة من بني آدم لا يستطيع إغواهم، وهم من اصطفاهم الله، وهداهم إلى صراطه 42.
ويفسر إبليس تكبره على الحق بأنه غواية من الله تعالى بسبب خلقه آدم، الذي يرى إبليس أنه أفضل منه، ولكنه استكبر، ولم يستجب لأمر الله، ويسجد لآدم.
ثالثًا: الفرقة والاختلاف:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام:159] .
تبين هذه الآية الكريمة أن الذين تركوا دينهم وخرجوا عنه كاليهود والنصارى، أو الذين جعلوا دينهم متفرقًا، فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه، هؤلاء جميعًا أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم لست منهم في أي شيء مما يسرون أو يعلنون، من حيث محاسبتك لهم في الدنيا، ولن تحاسب عليهم، فأمرهم وحالهم كله مرجعٌ إلى الله تعالى، ثم يخبرهم خبرًا يقينيًا بعد مماتهم أو يوم القيامة، بكل فعلة فعلوها 43.
ونجد أن الاختلاف في قراءة (فرقوا) حصل منه اختلاف المعنى الذي سبق، فقرأ حمزة والكسائي (فارقوا) بمعنى «ترك الدين» ، والباقون قرءوا (فرقوا) بمعنى «جعل الدين متفرقًا» 44، وفي هذا بيان لعظيم خطر من انحرف عن طريق الاستقامة الحقة، واتبع هواه.
رابعًا: الطغيان:
قال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه:81] .