فهرس الكتاب

الصفحة 1728 من 2431

«الرهبانية في النصرانية بدعة، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} ، وكانت نيتهم فيها صالحة، كما قال تعالى: {إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} ، ذلك بأن الأصل فيها تأثير مواعظ المسيح عليه السلام في الزهد، والإعراض عن لذات الدنيا، ثم صار أكثر منتحليها من الجاهلين والكسالى فكانت عبادتهم صورية أعقبتهم رياء وعجبًا وغرورا بأنفسهم، وتعظيمًا من العامة لهم، ولذلك قال تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} .

ولما صارت النصرانية ذات تقاليد منظمة في القرن الرابع وضع رؤساؤهم نظمًا وقوانين للرهبانية ولمعيشتهم في الأديار. وصار لها عندهم فرق كثيرة يشكوا بعض أحرارهم من مفاسدهم فيها 129، وهو يشبه حال بعض المتصوفة من هذه الأمة الذين ولجوا من باب الغلو في العبادة والترهبن فيها إلى البدع والشركيات والوساوس والخيالات، وإلى حال مشابهة لحال أولئك النصارى.

وفي بيان القرآن الكريم غلو أهل الكتاب في دينهم، وما جلب عليهم ذلك من الدخول في الكفر والانحراف، تحذير لهذه الأمة من الغلو وتعليم لها بخطره.

ذكر القرآن الكريم بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة، وفندها، ورد عليها، وذلك من أجل عدول أهل الكتاب عن هذه الدعاوى الباطلة، وهدايتهم إلى الحق، وحماية للمسلمين من التأثر بها.

أولًا: دعوى أن الهدى في اتباع ملتهم.

من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي ذكرها القرآن الكريم عنهم وردها عليهم: دعواهم أن الهدى في اتباع ملتهم.

قال تعالى:، {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) } [البقرة: 135 - 138] .

فذكر تعالى دعوى كلا الفريقين من أهل الكتاب: اليهود والنصارى في أن الهداية في اتباع منهجه، فاليهود قالوا: إن الهدى في اتباع اليهودية، والنصارى قالوا: بل هو في اتباع النصرانية، وكلاهما يزعم أن دينه هو الدين الحق الذي شرعه الله لعباده 130.

ثم أمر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم، {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، أي: بل نقتدي ونتبع طريقة إبراهيم ومنهجه. والملة هي الدين، والحنيف تعني: المستقيم، أو المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق، ووصف به إبراهيم عليه السلام لميله عما كان عليه أهل زمانه من الضلال والعمى إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه، وهو دين الإسلام لله تعالى وأمره والانقياد له، وهي الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك 131.

وهي الملة الحق التي من آمن بها اهتدى وأفلح، {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} ، ومن رغب عنها فقد ظلم نفسه وامتهنها، كما قال تعالى:، {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة: 130 - 132] .

أي: قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، منذ حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء. فأي سفه أعظم من ترك مسلك إبراهيم عليه السلام وملته واتباع طرق الضلالة والغي؟ ثم ذكر تعالى أن ملة إبراهيم هي الإسلام، وأنه وصى بها بنيه بالالتزام بها، ثم وصى يعقوب وهو إسرائيل عليه السلام بنيه بذلك أيضًا، وهكذا، فالحنيفية هي ملة الأنبياء جميعًا، كلهم كانوا على التوحيد لله تعالى، والإسلام له والانقياد لأمره 132، وهو أحسن دين.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } [النساء: 125] .

وهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى من أحد دينا غيره، قال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران: 85] .

ومن ملة إبراهيم: الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله، دون تفريق بين أحد منهم، وتصديقهم، وما أنزل عليهم، وما أوتوه من المعجزات والآيات، فهذا هو الدين الحق الهادي إلى الصراط المستقيم، لا غيره من الأديان والملل، {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) } [الأنعام: 161] .

إن اليهود والنصارى ليسوا على ملة إبراهيم عليه السلام؛ لأنهم خالفوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله ما لم ينزل به سلطانًا، لذا قال تعالى: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، و (بل) حرف إضراب، أي: لا نتبع ملتكم، بل نتبع ملة إبراهيم عليه السلام، أما أنتم فخالفتموها 133، {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، وهو تعريض بأهل الكتاب الذين يدعون اتباع إبراهيم مع إقامتهم على الشرك 134، روي عن قتادة رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} ، قال: «رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم - يعني: الإسلام - حنيفًا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم» 135.

فأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يرد على أهل الكتاب دعواهم في أن الهدى في اتباع ملتهم، بأنه ليس كذلك، وإنما الهدى في اتباع ملة إبراهيم عليه السلام ودينه، وهو التوحيد، والإسلام لله تعالى، وهو الدين الحق، ودين جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، فجميعهم كانوا مسلمين موحدين، ولا يقبل الله تعالى من أحد غير هذا الدين، فهو أولى بالاتباع من غيره.

وبعد أن بين الله تعالى الملة الحق الهادية إلى الصراط المستقيم، دعا اليهود والنصارى إلى اتباعها، وبين حكمهم إن لم يتبعوها، فقال: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} ، أي: أمرهم محصور في العداوة والمشاقة، وكل ما يوسع مسافة الخلاف بينكم وبينهم، {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: فسيكفيك الله إيذاءهم وسيئ مكرهم ويؤيد دعوتك وينصرك عليهم نصرًا مؤزرًا 136.

ثم قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} ، «أي: صبغنا الله، والمراد بها: دينه الذي فطر الناس عليه، لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب» 137، أي: صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} ، فملة إبراهيم أحق بالاتباع من غيرها؛ لأنها دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم تلى أبو هريرة رضي الله عنه قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30) } [الروم: 30] ) 138.

ثانيًا: دعوى نفي دخول غيرهم الجنة.

ومن دعاوى أهل الكتاب الباطلة: دعواهم نفي دخول الجنة على غيرهم.

قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) } [البقرة: 111 - 112] .

أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم صادقين، أي: ائتوا بشيء أنزله الله عليكم في ذلك، وهكذا كل من ادعى دعوى، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى 139.

ثم قال تعالى ردًا عليهم: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، و (بلى) كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفي سابق، فهي مبطلة لقولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، أي: بلى، إنه يدخلها من لم يكن هودًا أو نصارى؛ لأن رحمة الله ليست مقصورة على شعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} ، أي: بإسلام الوجه لله، وهو التوجه إليه وحده وتخصيصه بالعبادة دون سواه، وعبر عنه بإسلام الوجه؛ لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه لا يوليه دبره، كما قال تعالى عن إبراهيم: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام: 79] .

ثم قال تعالى: {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، أي: في العمل، وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل الصالحات في آيات كثيرة، فهما مجتمعان سببا الفلاح ودخول الجنة، قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء: 123 - 124] 140

فرد القرآن الكريم على أهل الكتاب دعواهم الباطلة نفي دخول الجنة على غيرهم، وبين أن ذلك مجرد أماني لا حقيقة لها واقعا، ولا دليل عليها شرعًا، وأن دخول الجنة والفوز بها ليس مشروطًا فيه أن يكون صاحبه يهوديًا أو نصرانيًا، وإنما مناط ذلك هو تحقق الإيمان الصحيح، والعمل الصالح.

ثالثًا: دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه.

ادعى أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) } [المائدة: 18] .

وهذه الدعوى منهم ما هي إلا حلقة من سلسلة طويلة في مثل هذه الدعاوى المشابهة الباطلة، والتي تتمحور حول كونهم شعب الله المختار، وصفوته من خلقه، وأنه لا يدخل الجنة غيرهم، وأن الهدى محصور في اتباع ملتهم، وغير ذلك مما حكاه القرآن الكريم عنهم، وملئت به توراتهم المحرفة من الأماني الكاذبة التي يغرون بها أنفسهم، ويتعالون على الخلق ويحتقرونهم، جاء في سفر التثنية من التوراة المحرفة: «أنتم أولاد للرب إلهكم ... لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض» 141.

وهنا في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... } .

وقد اختلف المفسرون في البنوة المرادة في الآية، والتي حكى الله تعالى عن أهل الكتاب ادعاؤها:

فقيل: هي البنوة التي زعمها اليهود لعزير إذ قالوا: عزير ابن الله، والتي زعمها النصارى للمسيح عليه السلام، إذ قالوا: المسيح ابن الله، ثم زعموا أن عزيزًا والمسيح كانا منهم، فصار ذلك كأنهم قالوا: نحن أبناء الله.

ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنسانًا آخر فقد يقولون: نحن ملوك الدنيا، ونحن سلاطين العالم، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان، فكذا هاهنا، أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا.

وقيل: المراد بالبنوة: بنوة مزية الاتصال بالله أكثر من اتصال غيرهم به، فالبنوة بنوة الاتصال والمحبة، وتخصيصهم بمزيد الشفقة والعناية.

ويكون عطف {وَأَحِبَّاؤُهُ} من قبيل عطف التفسير المشير إلى معنى البنوة، وعليه فهي بنوة مجازية 142.

على أنه قد وردت تسمية {أَبْنَاءُ اللَّهِ} في كتب أهل الكتاب المحرفة، كما تقدم نقله عن التوراة، قال ابن كثير: «فحملوا هذا على غير تأويله، وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ... ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك: معزتهم لديه وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه» 143

وقد رد تعالى عليهم دعواهم بقوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} ، أي: إن كانت لكم خصوصية عند الله من بين خلقه وفضيلة عليهم، فلماذا يجري عليكم سنته فيهم من عقاب المسيء منكم، وتسليط العقوبة عليه،-ويعفو عن كثير-144، وقد عاقب بعضكم-وهم المعتدون في السبت-بالمسخ إلى قردة وخنازير، كما سلط عليكم بذنوبكم أعداءكم يسومونكم سوء العذاب، ويستبيحون معابدكم، ويقتلون علماؤكم، وفي الآخرة أيضا يعذبكم الله تعالى على خطاياكم، وهو باعترافكم أنفسكم.

كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) } [البقرة: 80] .

ولذلك قال تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} أي: إنما أنتم من جنس خلقه تعالى من غير مزيةٍ لكم عليهم، يغفر لمن يشاء منهم، وهم الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، ويعذب من يشاء منهم، وهم الذين كفروا بالله ورسله، ثم قال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: جميع ذلك من ملكه، وتحت تصرفه، ثم قال تعالى: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ، وهو إشارة إلى الجزاء الأخروي، وأنه واقع على أهل الكتاب كغيرهم من البشر، يجازى كل بعمله، من أحسن فله الحسنى، ومن أساء فله السوءى. 145

وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) } [الجمعة: 6 - 7] .

فكذبهم الله تعالى في دعواهم أنهم أولياء له من دون الناس، ودلل على ذلك بكراهيتهم الموت ولقائه.

قال ابن القيم: «وفي ضمن هذه المناظرة معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم الذين هم أحرص الناس على عداوته وتكذيبه، وهو يخبرهم خبرًا جزمًا، أنهم لن يتمنوا الموت أبدًا، ولو علموا من نفوسهم أنهم يتمونه لوجدوا طريقًا إلى الرد عليه، بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله، وإنما منعهم من تمنى الموت معرفتهم بما لهم عند الله تعالى من الخزي والعذاب الأليم بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم» 146.

وقال سبحانه: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) } [البقرة: 94] .

أي: «فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين؛ إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها» 147، وقد أخبر الله تعالى في آية أخرى عن حرصهم على الحياة حرصًا شديدًا، وأن ذلك لا ينفعهم في رد العذاب عنهم، في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة: 96] .

رابعًا: دعوى أن إبراهيم عليه السلام وبنيه كانوا هودا أو نصارى.

من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي ذكرها القرآن الكريم عنهم وردها عليهم، دعواهم أن إبراهيم عليه السلام وبنيه كانوا هودًا أو نصارى، قال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) } [البقرة: 140] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت