فهرس الكتاب

الصفحة 1752 من 2431

وكيدهم سحرهم، الثاني أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في «الأعراف» : {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) } [الأعراف:111 - 112] .

وقوله {حَاشِرِينَ} أي: جامعين يجمعون السحرة من أطراف مملكته.

وقوله في «الشعراء» : {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) } [الشعراء:36 - 38] .

وقوله في «يونس» : {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) } [يونس:79] .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ثُمَّ أَتَى} أي: جاء فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه» 49.

سادسًا: الإضلال:

لقد أعطى الله فرعون وملأه الزينة والأموال، لكنهم استغلوها في إضلال الناس، ولم ينتفعوا بها في مرضات الله، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } [يونس:88] .

قال سيد قطب: «ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين، وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم» 50، فكانت العاقبة أن طمس الله على أموالهم، وشد على قلوبهم؛ بل وأصبحوا أئمة يدعون إلى النار، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) } [القصص:41] .

قال المراغي: «أي وجعلنا فرعون وقومه أئمة يقتدى بهم أهل العتو والكفر بالله، فهم يحثون على فعل الشرور والمعاصي، وتدسية النفوس بالفسوق والآثام التي تلقى بفاعلها في النار، وما كفاهم أن كانوا ضالين كافرين بالله ورسوله، بل دأبوا على إضلال سواهم وتحسين العصيان لهم، وبذا قد ارتكبوا جريمتين، فباءوا بجزاءين: جزاء الضلال وجزاء الإضلال» 51.

ولقد وصفه الله بالإضلال بصريح الآية فقال: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) } [طه:79] .

قال ابن عاشور: «إن فرعون أوقع قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بث فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في تكذيب دعوة موسى عليه السلام» 52.

وإلى هذا ذهب الطبري فقال: «يقول جل ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله {وَمَا هَدَى} يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه» 53.

وقال أبو السعود مبينا المعنى: «أي سلك بهم مسلكًا أداهم إلى الخيبة والخسران في الدين والدنيا معًا حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الهائل الدنيوي المتصل بالعذاب الخالد الأخروي وقوله تعالى {وَمَا هَدَى} أي ما أرشدهم قط إلى طريق موصلٍ إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ لإضلاله وتأكيدٌ له إذ رب مضلٍ قد يرشد من يضله إلى بعض مطالبه، وفيه نوع تهكمٍ به في قوله {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29] .

فإن نفي الهداية عن شخص مشعرٌ بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم وحمل الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاء منه مما لا يقبله العقل السليم» 54.

سابعًا: الغرور:

سيطر الغرور على قلب فرعون فأضله ضلالًا بعيدًا، واغتر بما آتاه الله من النعم.

قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف:51 - 52] .

قال المراغي: «نادى: إني غني كثير المال عظيم الجاه، فلي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وموسى فقير مهين وليس له بيان ولا لسان» 55.

وقال الخازن مبينًا غرور فرعون: «أفلا تبصرون أي عظمتي وشدة ملكي» 56.

وقد بين القشيري أن غروره كان سبب هلاكه فقال: «تعزز بملك مصر، وجرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه ليعلم أن من تعزز بشيء من دون الله فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء» 57.

وقد أشار ابن كثير إلى غرور فرعون وعتوه وكفره في مقولته تلك فقال: «يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} » 58.

ولقد وصل الغرور بفرعون أن يدعي الألوهية ويأمر قومه بعبادته.

قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) } [القصص:38] .

«فتضمن كلامه نفي إلهية غيره وإثبات إلهية نفسه» 59، ولقد أمر هامان أن يبني له قصرًا منيفًا ليظهر غروره بادعائه الألوهية كما قال ابن كثير: «فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون» 60.

بل وهدد وتوعد موسى بأن يسجنه أن لم يعبده ويتخذه إلهًا؛ قال تعالى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) } [الشعراء:29] .

قال النسفي: «أي لأجعلنك واحدًا ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردًا لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل ولو قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر» 61.

ثامنًا: الاستبداد:

إن مقومات استبداد فرعون: ادعاء الربوبية، وأداء الألوهية. أما ادعاء الربوبية كما في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] وقوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51] ؛ فيدعي لنفسه صفات الربوبية التي وردت في قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) } [البروج:12 - 16] .

وأما ادعاء الألوهية كما ورد في قوله تعالى: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] .

فيدعي صفة الألوهية التي جاءت في قوله تعالى: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26] ؛ فالحاكم المستبد يبدأ فيدعي بأن كل البلد ملكه الشخصي، ويتصرف على هذا الأساس {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} ثم ينتقل إلى التصرف على أساس أن الناس العقلاء ملكه أيضا، تمهيدًا للادعاء الثاني، وهو ادعاء الألوهية، الذي يختص بالعاقل فقط كما في قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} وقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء:23] .

فالألوهية تتضمن الطاعة الكاملة من الناس لفرعون، بألا يتصرفوا بشيء بقناعاتهم الشخصية دون إذن منه، لذا قال فرعون للسحرة {آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [الأعراف:123] .

وأنزل بهم العقوبة بقوله: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) } [الأعراف:124] ؛ لا لأنهم آمنوا برب موسى وهارون، وإنما لأنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم، ولو أنهم استأذنوه لكان من الأرجح أن يأذن لهم، لأنهم باستئذانهم له، لا يتحدونه في ألوهيته.

وقد استبد فرعون لدرجة أنه لم يتفرد برأيه فقط بل ألزم قومه أن لا يروا إلا ما يرى، لاسيما في قتل موسى عليه السلام؛ قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29] .

قال الزمخشري: «أي: ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد» 62.

وقد استنكر على السحرة أن يؤمنوا بالله قبل أن يأذن لهم؛ حتى الإيمان بالله لا يفترض إلا أن يكون بإذن منه.

قال تعالى: « {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) } [الأعراف:123] .

قال الواحدي: «أصدقتم موسى من قبل أمري إياكم» 63.

لقصة فرعون مع موسى فصولٌ كثيرة ومحطاتٌ عديدة، وسنتوقف عند بعض تلك المحطات؛ فالمحطة الأولى هي تربية فرعون لموسى عليه السلام.

أولًا: تربية فرعون لموسى عليه السلام:

يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) } [البقرة:49] .

كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر؛ فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت 64.

ولقد ولد موسى في تلك الظروف، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .

فانصاعت لأمر ربها، وكانت النتيجة أن أخذه فرعون ليربيه في قصره تلبية لرغبة زوجته، وقر عين أمه بأن حرم عليه المراضع إلا هي.

قال تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (40) } [طه:40] .

قال المراغي: «فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها العطاء الجزيل، ثم سألتها أن تقيم عندها وترضعه فأبت ذلك عليها وقالت إن لي بعلا وأولادًا ولا أستطيع المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها إلى ما طلبت، وأجرت عليها النفقة والصلات والكسا وجزيل العطايا ورجعت بولدها إلى بيتها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا وهى موفورة العز والجاه والرزق الواسع» 65.

ومما يستنتج من تربية فرعون لموسى:

1.قال تعالى: (وَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ?) [البقرة:216] . فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة.

2.أن الله إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، وأتى به شيئا فشيئًا بالتدريج لا دفعة واحدة.

3.أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي أن يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها.

4.أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقها لا يقوم لها أمر دينها، كما لا يقوم لها أمر دنياها.

5.أن من أعظم نعم الله على العبد تثبيت الله له عند المقلقات والمخاوف.

6.أن العبد وإن عرف أن القضاء والقدر حق، وأن وعد الله نافذ لا بد منه، فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي تنفع.

7.جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، كما فعلت أم موسى، فإن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد من شرعنا ما ينسخه 66.

ثانيًا: آيات موسى عليه السلام إلى فرعون:

أيد الله موسى بآيات كثيرة، علها تثني فرعون عن كفره وتجعله يؤمن بالله وحده، ولكنه أبى واستكبر وكان من العالين، واتهم موسى بأنه رجلٌ مسحور.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101) } [الإسراء:101] .

قال الطبري: «التسع الآيات البينات: يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات» 67.

وآيات موسى ذكرت كثيرًا في القرآن، وقد اختلف المفسرون في تحديدها اختلافًا كثيرًا، وهناك كلامٌ نفيس للرازي يجمع فيه بين الأقوال جميعًا حيث قال في تبينها:

أحدها: أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحًا.

وثانيها: انقلاب العصا حية.

وثالثها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها.

ورابعها: اليد البيضاء.

وخمسة أخر وهي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

والعاشر: شق البحر، وهو قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة:50] .

والحادي عشر: الحجر، وهو قوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} [الأعراف:160] .

الثاني عشر: إظلال الجبل، وهو قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف:171] .

والثالث عشر: إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه.

والرابع عشر والخامس عشر: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:130] .

والسادس عشر: الطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه الآية: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنه بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما 68.

ثالثًا: دعاء موسى عليه السلام على فرعون:

بعد أن طال السجال بين موسى عليه السلام وفرعون، دعا موسى عليه السلام على فرعون وقومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } [يونس:88] .

فالوارد في كثيرٍ من الآثار أن أستجيب له بعد أربعين عامًا، لا أنه مكث أربعين عامًا يدعوا عليهم.

قال السيوطي في الدر المنثور: «أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج مثله، وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد ـ رضي الله عنه ـ في قوله: قال قد أجيبت دعوتكما ـ قال: بعد أربعين سنة» 69.

وقال الزمخشري: «المعنى: إن دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن، ولكن في وقته فاستقيما فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجة، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلا قليلا، ولا تستعجلا، قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة» 70.

وقال السمرقندي: «قال مقاتل: فمكث موسى بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وهكذا روى الضحاك: أن الإجابة ظهرت بعد أربعين سنة، وقال بعضهم: بعد أربعين يومًا، وقال بعضهم: كان هذا الدعاء حين خرج موسى ببني إسرائيل وأيس من إيمانهم» 71.

وقال تعالى: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) } [يونس:89] .

قال السمعاني: «أنه كان بين دعاء موسى وإجابته أربعون سنة، وكذلك كان بين دعاء يعقوب وإجابته أربعون سنة» 72.

وقد بين ابن عاشور كيف كانت استجابة دعوة موسى وهارون على فرعون وقومه فقال: «ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله موسى ربه أن يسلب عن فرعون وملئه النعم، ويوالي عليهم المصائب حتى يسأموا مقاومة دعوة موسى وتنحط غلواؤهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) } [الأعراف:130] .

وقال أيضًا: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:133] » 73.

ومن هدايات هذه الآيات أن استجابة الدعاء لا يلزم أن يكون فوريًا، وإنما يكون في الوقت الذي تقتضيه حكمة الله، فلا ينبغي للداعي أن يستعجل.

للطغاة على مر العصور أساليب في مواجهة الحق الذي يزلزل أركان دولهم، ولقد انتهج فرعون مع نبي الله موسى عليه السلام أساليب شتى لمواجهته؛ فقد ادعى الألوهية والربوبية، واتهم موسى اتهامات كاذبة ما أنزل الله بها من سلطان، كالسحر والجنون وادعاء المؤامرة، وفيما يأتي بيان ذلك.

أولًا: دعوى الألوهية:

لقد طغى فرعون وتجبر لدرجة ادعاءه الألوهية،؛ قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) } [القصص:38] .

ولقد أوضح الرازي أسلوب فرعون في مواجهة دعوة موسى عليه السلام فيقول: «اعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه» 74.

قال السعدي في معنى قوله هذا: «أي: أنا وحدي، إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثم إله غيري، لعلمته» 75.

لقد نفى علمه بآلهة أخرى ولم ينف وجودها أصلًا، لذلك هدد موسى عليه السلام قائلًا: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) } [الشعراء:29] .

وفي سورة طه يسأل موسى عن ربه قائلًا: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (49) } [طه:49] .

وفي سورة النازعات ظهر تجبره وطغيانه في ادعائه الربوبية، حيث قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) } [النازعات:25 - 26] .

يقول السمرقندي: «ويقال: الآخرة والأولى. يعني: العقوبة بالكلمة الأولى، والكلمة الأخرى، فأما الأولى قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ما والأخرى قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وكان بين الكلمتين أربعون سنة، ويقال: قوله {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كان في الابتداء، حيث أمرهم بعبادة الأصنام، ثم نهاهم عن ذلك، وأمرهم بأن لا يعبدوا غيره» 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت