فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 2431

المرتبة الرّابعة: قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وهذا يجري مجرى التّهديد؛ لأنّ في المرتبة الأولى رغّب في ترك الانتقام على سبيل الرّمز، وفي المرتبة الثّانية عدل عن الرّمز إلى التّصريح وهو قوله: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} وفي المرتبة الثّالثة أمرنا بالصّبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرّابعة كأنّه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} عن استيفاء الزّيادة: {وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} في ترك أصل الانتقام، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتّقين ومن المحسنين، ومن وقف على هذا التّرتيب عرف أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرّفق واللّطف مرتبةً فمرتبةً، ولمّا قال اللّه لرسوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] .

ذكر هذه المراتب الأربعة تنبيهًا على أنّ الدّعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعةً على هذا الوجه، وعند الوقوف على هذه اللّطائف يعلم العاقل أنّ هذا الكتاب الكريم بحرٌ لا ساحل له» 86.

وقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] .

وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .

هذه الآية أصلٌ كبيرٌ في علم الفقه فإنّ مقتضاها أن تقابل كلّ جنايةٍ بمثلها؛ وذلك لأنّ الإهدار يوجب فتح باب الشّرّ والعدوان؛ لأنّ في طبع كلّ أحدٍ الظّلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأمّا الزّيادة على قدر الذّنب فهو ظلمٌ والشّرع منزّهٌ عنه، فلم يبق إلّا أن يقابل بالمثل، ثمّ تأكّد هذا النّصّ بنصوصٍ أخر، كقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .

وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [غافر: 40] .

وقوله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] .

والقصاص عبارةٌ عن المساواة والمماثلة، وقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] .

وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .

فهذه النّصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله، ثم ها هنا دقيقةٌ: وهي أنّه إذا لم يمكن استيفاء الحقّ إلّا باستيفاء الزّيادة فها هنا وقع التّعارض بين إلحاق زيادة الضّرر بالجاني، وبين منع المجنيّ عليه من استيفاء حقّه، فأيّهما أولى؟ فها هنا محلّ اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصّور، وتفرّع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهًا على الباقي 87.

قال ابن كثير: «قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] .

كقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .

وكقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .

فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .

ولهذا قال هاهنا: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .

أي: لا يضيع ذلك عند اللّه، كما صحّ في الحديث: (وما زاد اللّه عبدًا بعفوٍ إلّا عزًّا) 88.

وقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .

أي: المعتدين، وهو المبتدئ بالسّيّئة.

وقال بعضهم: لمّا كانت الأقسام ثلاثةً: ظالمٌ لنفسه ومقتصدٌ وسابقٌ بالخيرات ذكر الأقسام الثّلاثة في هذه الآية، فذكر المقتصد وهو الّذي يفيض بقدر حقّه لقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ثمّ ذكر السّابق بقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ثمّ ذكر الظّالم بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} فأمر بالعدل، وندب إلى الفضل، ونهى من الظّلم» 89.

رابعًا: أهل الجزاء الحسن في الآخرة وصور منه:

قال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] .

أخبر تعالى بأنّ دار الآخرة خيرٌ، أي: من الحياة الدّنيا، والجزاء فيها أتمّ من الجزاء في الدّنيا، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص: 80] .

وقال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] .

وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16 - 17] .

وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] 90.

وكرّر جلّ وعلا هذا المعنى في مواضع كثيرةٍ، كقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 14 - 15] 91.

وذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ من أحسن عمله في هذه الدّار الّتي هي الدّنيا كان له عند اللّه الجزاء الحسن في الآخرة.

وأوضح تعالى هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ:

كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] .

والحسنى: الجنّة، والزّيادة: النّظر إلى وجه اللّه الكريم.

وقوله تعالى: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] .

وقوله: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] .

وقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [القصص: 84] .

أي: مجازاةٌ حسنةٌ بالجنّة ونعيمها 92.

وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] . أي: جزاء اللّه لعباده المؤمنين الصّالحين في الدّار الآخرة خيرٌ ممّا ترون.

كما في الحديث الصّحيح: (يقول اللّه تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ) 93.

وقوله: {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} قال السّدّيّ: «وما يلقّى الجنّة إلّا الصّابرون» 94.

ومن صور الجزاء الحسن في الآخرة:

قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 88] .

وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه: 74 - 75] .

وقوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان: 15 - 16] .

قال ابن كثير: «يقول تعالى: يا محمّد هذا الّذي وصفناه من حال أولئك الأشقياء الّذين يحشرون على وجوههم إلى جهنّم، فتتلقّاهم بوجهٍ عبوسٍ وبغيظٍ وزفيرٍ، ويلقون في أماكنها الضّيّقة مقرّنين، لا يستطيعون حراكًا، ولا انتصارًا ولا فكاكًا ممّا هم فيه: أهذا خيرٌ أم جنّة الخلد الّتي وعدها اللّه المتّقين من عباده الّتي أعدّها لهم، وجعلها لهم جزاءً على ما أطاعوه في الدّنيا، وجعل مآلهم إليها.

{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} أي: من الملاذّ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، ممّا لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب أحدٍ، وهم في ذلك خالدون أبدًا دائمًا سرمدًا بلا انقطاع ولا زوال، ولا انقضاءٍ، لا يبغون عنها حولًا، وهذا من وعد اللّه الّذي تفضّل به عليهم، وأحسن به إليهم، ولهذا قال: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} أي: لا بدّ أن يقع وأن يكون، كما حكاه أبو جعفر بن جريرٍ، عن بعض علماء العربيّة أنّ معنى قوله: {وَعْدًا مَسْئُولًا} أي: وعدًا واجبًا» 95.

وقوله تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] .

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} [الرعد: 18] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن مآل السّعداء والأشقياء فقال: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ} أي: أطاعوا اللّه ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدّقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم {الْحُسْنَى} وهو الجزاء الحسن، كما قال تعالى مخبرًا عن ذي القرنين أنّه قال: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87 - 88] .

وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] » 96.

خامسًا: أهل الجزاء السيئ في الآخرة وصور منه:

لا تنتظر أن يوفّ أهل الجزاء السيئ جزاء عملهم السّيّئ كلّه في هذه الدّار، كما أنّ أجرك على عملك لا توفّاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن، وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من الجزاء السّيّئ في الدّنيا.

واعلم أنّه لا يوفّى أحدٌ جزاءه في هذه الدّار لأنّ توفية الأجور إنّما تكون في الآخرة، كما قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185] 97.

ومن صور الجزاء السيئ في الآخرة:

قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 16 - 17] .

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36] .

شرع تعالى في بيان مآل الأشقياء، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} كما قال تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه: 74] .

وثبت في صحيح مسلمٍ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (أمّا أهل النّار الّذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون) 98. قال الله تعالى: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77] .

فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحةً لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال اللّه تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 74 - 75] .

وقال: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] .

{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 30] .

ثمّ قال: {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} أي: هذا جزاء كلّ من كفر بربّه وكذّب بالحقّ 99.

وقوله تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 27] .

أي: بشرّ أعمالهم وسيّئ أفعالهم، وهو الكفر والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون؛ لكونهم يعملون المعاصي وغيرها، فالجزاء بالعقوبة، إنما هو على عمل الشرك {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] 100.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] .

وقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28] .

وقوله تعالى: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] .

الاستفهام هنا إنكاريٌّ، أي: وإذا كانت آيات الله مشتملةً على ما ذكر من البيّنة الكاملة والهداية الشّاملة والرّحمة الخاصّة والعامّة؛ فلا أحد أظلم ممّن كذّب بها وأعرض عنها، ولم يكتف بصدوفه عنها وحرمان نفسه منها، بل صدف النّاس، أي صرفهم وردّهم أيضًا 101.

أولًا: الجزاء من جنس العمل:

1.قال ابن القيم: «قد فطر اللّه سبحانه عباده على أنّ حكم النّظير حكم نظيره، وحكم الشّيء حكم مثله، وعلى إنكار التّفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الّذي أنزله اللّه سبحانه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك؛ ولذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشّرّ ... ، فهذا شرع اللّه وقدره ووحيه وثوابه وعقابه كلّه قائمٌ بهذا الأصل، وهو إلحاق النّظير بالنّظير، واعتبار المثل بالمثل؛ ولهذا يذكر الشّارع العلل والأوصاف المؤثّرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدريّة والشّرعيّة والجزائيّة» 102.

ومن الآيات التي تحقق فيها معنى الجزاء من جنس العمل:

قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] .

قال ابن القيم: «حتم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل، فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فإن الطلاق لما كان لفظًا يسمع، ومعنى يقصد عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه» 103.

وقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 108 - 110] .

قال ابن القيم: «هذا عطف على قوله: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون.

واختلف في قوله: {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فقال كثير من المفسرين: المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، قال ابن عباس: في رواية عطاء عنه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي، قال: وهذا كقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] .

وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإن كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77] .

وقوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 151 - 152] .

والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر» 104.

وقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] .

قال ابن القيم: «فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فقرب مطلوبكم منكم -وهو الرحمة- بحسب أدائكم لمطلوبه منكم، وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم.

{فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] .

{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7] .

وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه، فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين، فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدًا ببعد وقربًا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه، والإحسان ها هنا هو فعل المأمور به، سواء كان إحسانًا إلى الناس أو إلى نفسه» 105.

وقوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت