فهرس الكتاب

الصفحة 1734 من 2431

وقال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96] : «أية حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت الجباه جبنًا وحرصًا على الحياة .. أي حياة! {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة:96] .

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ذلك أنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة، وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة، إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة، نعمة يفيضها الإيمان على القلب، نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة، فالإيمان بالآخرة- فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى- هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعدًا إلى جوار الله» 52.

خامسًا: الإفساد في الأرض:

ذكر القرآن الكريم فساد بني إسرائيل في الأرض.

قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) } [الإسراء:4 - 7] .

يخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه قضى إلى بني إسرائيل، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًا كبيرًا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس، ويعصون الله تعالى ويخالفون أوامره، وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون عليها، وكلما ارتفعوا زادوا في الإفساد في الأرض.

وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} ، أي: أولى الإفسادتين، {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} ، أي: سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة وسلطة شديدة، {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} ، أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا، {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} ، أي: مقضيا لا صارف له 53.

وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ} ، أي: الدولة والغلبة بعد هذه العقوبة الشديدة، {عَلَيْهِمْ} ، على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو، قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل: أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت.

{وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} ، مما كنتم وهو تمييز جمع نفر وهو من ينفر مع الرجل من قومه 54.

ثم قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ، أي: فعليها.

وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} ، أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم، {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} ، أي: يهينوكم ويقهروكم، {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} أي بيت المقدس، {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} ، أي: يدمروا ويخربوا ما ظهروا عليه.

{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} [الإسراء:8] ، أي: فيصرفهم عنكم.

{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} ، أي: متى عدتم إلى الإفساد الذي تقدم منكم، عدنا للعقوبة فعاقبناكم في الدنيا بمثل ما عاقبناكم به في المرتين الأوليين، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال.

ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء:8] ، أي: مستقرا وسجنا لا محيد لهم عنه 55.

قال ابن كثير: «وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟

فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولًا ثم أديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) } [الإسراء:6] .

وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده، وعنه أيضا، وعن غيره: أنه بختنصر ملك بابل، ثم قال: وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء» 56.

والذي عليه أكثر المفسرين أن هاتين المرتين قد وقعتا بالفعل، وأن إحداهما كانت عند الأسر البابلي، على يد بختنصر، الذي استولى على دولة بني إسرائيل ودمرها تدميرا، وهدم بيت المقدس، وساق القوم أسرى إلى بابل، وأما المرة الثانية، فكانت بعد أن قتلوا النبي أرميا، وقيل بعد أن قتلوا النبي يحيا 57.

ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن المرة الأولى وقعت عند دخول المسلمين المسجد الأقصى في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ظل في أيديهم إلى أن دخله بنو إسرائيل في هذه الأيام، من عام ألف وثلاثمائة وسبعة وثمانين للهجرة، واليوم المسجد الأقصى في يد بني إسرائيل ويعيثون فيه أنواع البغي والعدوان، والإفساد في الأرض، بنسف الدور، وبقتل الأطفال والنساء، بلا وازع من حياء أو ضمير، وبلا خوف من قوة رادعة في الأرض، أو في السماء! المرة الثانية إذن هي ما فيه إسرائيل الآن، من فساد في الأرض، وعلو واستكبار، فساد إلى أبعد مداه، وعلو واستكبار إلى غاية حدودهما 58.

-تظهر قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام وفرعون من خلال النقاط الآتية:

أولًا: قصتهم مع فرعون:

ذكر القرآن الكريم تعذيب فرعون لبني إسرائيل، قال تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) } [الأعراف:141] .

وقال سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) } [القصص:4] .

بينت هاتان الآيتان الصورة القبيحة لفرعون، وهي أنه تجبر وطغى وجاوز الحد في الظلم، واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية، وقوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} ، معنى العلو هنا الكبر، وهو المذموم من العلو المعنوي، ومعناه: أن يستشعر نفسه عاليا على موضع غيره ليس يساويه أحد، فالعلو مستعار لمعنى التفوق على غيره، غير محقوق لحق من دين أو شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه، فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته برعي صلاح وتجنب فساد وضر، وإنما يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه، وحسبك أن فرعون كان يجعل نفسه إلها وأنه ابن الشمس، {فِي الْأَرْضِ} ، في أرض مصر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له بالعبودية، وفي التعبير بالأرض تبكيت عليه، أي: علا في محل التذلل والانخفاض، وصورت عظمة فرعون في الدنيا، بقوله: {عَلَا فِي الْأَرْضِ} ، لتكون العبرة بهلاكه بعد ذلك العلو أكبر العبر 59.

وقوله تعالى: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} ، والشيع: جمع شيعة، والشيعة: الجماعة التي تشايع غيرها على ما يريد، أي تتابعه وتطيعه وتنصره على ما يريد، ولا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه، أي: فرقًا مختلفة يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي وجعل كل طائفة تمتهن من هي تحتها، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} ، من أهل مصر هم بنو إسرائيل، وقد بالغ فرعون في استضعاف بني إسرائيل، فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت الشمس، ولم يأت بالضريبة غلت عليه يده اليمنى إلى عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهرًا، وأشار بقوله: {طَائِفَةً} ، إلى أنه استضعف بني إسرائيل كاملًا، فأفاد ذلك أن الاستضعاف ليس جاريا على أشخاص معينين لأسباب تقتضي استضعافهم ككونهم ساعين بالفساد، أو ليسوا أهلا للاعتداد بهم لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم، بل جرى استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية.

{يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} ، أي: يأمر بذبح الذكور، ويترك البنات أحياء للخدمة، وإسناد الذبح إليه مجاز عقلي، وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل قوة من رجال قبيلتهم، حتى يكون النفوذ في الأرض لقومه خاصة، وسبب ذبح الأبناء: أن كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده.

وفيه دليلٌ بَيِنٌ على ثخانة حُمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل؟ ويستحيي النساء، أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق، عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح له النساء، وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن أزواج، وإذ كان احتقارهن بصد قومه عن التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء إذ كل ذلك اعتداء على الحق 60.

وقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، أي: إن الفساد مستحكم متغلغل في أطواء نفسه، وقد بعثه على جعل الأمة متفرقة، وتحكيم طائفة من طائفة، فأغرى بينهم العداوة والبغضاء، يحس كل فريق منهم بأنه مظلوم، وظالمه هو الفريق الآخر، يتظالمون فيما بينهم ويتعادون؛ ليتمكن الظالم من ظلمهم والتحكم في رقابهم، وأن يقول لهم: أنا ربكم الأعلى، ولا ينكر أحد، ولو في قلبه؛ لأن كل فريق يتهم الآخر بأنه عين عليه، ويريد النكاية به، وقد أكد سبحانه وصف الإفساد فيهم بأن وبكان الدالة على أن الفساد كان في الماضي، ومستمر في الحاضر، ودال على شدة تمكن الإفساد من خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل من اسمه 61.

ذكر القرآن الكريم نجاة بني إسرائيل من فرعون.

قال تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33) } [الدخان:30 - 33] .

وقال سبحانه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) } [طه:80 - 82] .

ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة امتنانه على بني إسرائيل في نجاتهم وهلاك عدوهم، فبعد تصوير الله تعالى طغيان فرعون، وأنه إذا وصل الطغيان إلى أقصى حده كانت النهاية؛ وإرادة الله سبحانه فوق كل إرادة، ولو كانت طغيان فرعون، ولا شك أن إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة على إيصال المنفعة، ولا شك أن إيصال المنفعة الدينية أعظم في كونه نعمة من إيصال المنفعة الدنيوية.

فلهذا بدأ الله تعالى بقوله: {قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ} ، وهو إشارة إلى إزالة الضرر، فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيرًا من القتل والإذلال والإخراج والإتعاب في الأعمال، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية وهي قوله: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} .

ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك الوقت عليهم كتابا فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم، وتعدية واعدناكم إلى ضمير جماعة بني إسرائيل، وإن كانت مواعدة لموسى ومن معه الذين اختارهم من قومه، باعتبار أن المقصد من المواعدة وحي أصول الشريعة التي تصير صلاحا للأمة، فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة مع جميع الأمة، ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية، وهي قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} .

ثم زجرهم عن العصيان، بقوله: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ، ثم بين أن من عصى ثم تاب كان مقبولا عند الله، بقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} ، وهذا بيان المقصود من الآية 62.

وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} ، والمن: هو مادة حلوة تتجمع على أوراق الشجر، وقيل: هو الترنجين، وقيل: المن ما يمن الله به من غير تعب ولا نصب، والسلوى: طائر كالسماني، وذكر إنه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتهم، والسلوى وهو طائر السماني يساق إليهم في الصحراء، قريب المتناول سهل التناول، كان نعمة من الله ومظهرا لعنايته بهم في الصحراء الجرداء، وهو يتولاهم حتى في طعامهم اليومي فييسره لهم من أقرب الموارد 63.

قال الشنقيطي: «والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي من الله به على بني إسرائيل في التيه، ويشمل غير ذلك مما يماثله، ويدل على هذا قوله: صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين: (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) 64 والأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف، والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق لغة على العسل، كما بينا» 65.

وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} ، أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به، {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ، يعني يجب عليكم غضبي، {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} ، يعني هلك وسقط في النار، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} ، قال ابن عباس: تاب عن الشرك، {وَآمَنَ} ، يعني وحد الله وصدق رسوله، {وَعَمِلَ صَالِحًا} ، يعني أدى الفرائض، {ثُمَّ اهْتَدَى} ، قال ابن عباس: علم أن ذلك توفيق من الله تعالى، وقيل: لزم الإسلام حتى مات عليه، وقيل: علم أن لذلك ثوابا، وقيل: أقام على السنة 66.

ثانيًا: مواقف من قصتهم مع موسى عليه السلام:

من مواقف بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ما يأتي:

ذكر القرآن الكريم أن بني إسرائيل طلبوا من موسى اتخاذ آلهة.

قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) } [الأعراف:138 - 140] .

بَيَنَتْ الآيات جهل بني إسرائيل وسفاهة عقولهم وأنهم قوم لا تؤثر فيهم الآيات والمواعظ والعبر، فيخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام، حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا.

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} ، أي: إنهم تجاوزوه بعناية الله وتأييده، فكأنه معهم بذاته فجاوزه مصاحبا لهم.

{فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} ، فأتوا عقب تجاوزهم إياه ودخولهم في بلاد العرب من البحر الأسيوي، على قوم يعبدون أصناما لهم، والقوم هم الكنعانيون ويقال لهم عند العرب العمالقة.

والعكوف: الملازمة بنية العبادة.

واختير طريق التنكير في أصنام ووصفه بأنها لهم، - أي: القوم - دون طريق الإضافة ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام وأنها مجهولة، لأن التنكير يستلزم خفاء المعرفة، وإنما وصفت الأصنام بأنها لهم ولم يقتصر على قوله: {أَصْنَامٍ} ، زيادة تشنيع بهم وتنبيه على جهلهم وغوايتهم في أنهم يعبدون ما هو ملك لهم فيجعلون مملوكهم إلاههم 67.

وقوله تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ، حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها، ونداؤهم موسى وهو معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما يقولونه، إظهارا لرغبتهم فيما سيطلبون، وسموا الصنم إلاها لجهلهم، فهم يحسبون أن اتخاذ الصنم يجدي صاحبه، كما لو كان إلاهه معه.

وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي وصى بها في قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة:132] ؛ لأنهم لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة الغالبين لهم، فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلا أنهم خدم وعبيد.

والتشبيه في قوله: {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ، أرادوا به حض موسى على إجابة سؤالهم، وابتهاجا بما رأوا من حال القوم الذين حلوا بين ظهرانيهم، وكفى بالأمة خسة عقول أن تعد القبيح حسنا، وأن تتخذ المظاهر المزينة قدوة لها، وأن تنخلع عن كمالها في اتباع نقائص غيرها 68.

وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ، أي: تجهلون عظمة الله وقوة سلطانه ولا تقدرون نعمه، أتريدون أن تشركوا بالله وتكفروا نعمه بعد أن نجاكم.

وكان جواب موسى لهم بعنف وغلظة، لأن ذلك هو المناسب لحالهم، والجهل: انتفاء العلم، أو تصور الشيء على خلاف حقيقته، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام، وكان وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكدا لما دلت عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم، ولولا ذلك لكان لهم في بادئ النظر زاجر عن مثل هذا السؤال، فالخبر مستعمل في معنييه: الصريح والكناية، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت